Masukاستيقظ سليم على صوت المطر الخفيف يضرب زجاج النافذة. المدينة في الصباح الباكر كانت تبدو أهدأ قليلًا تحت المطر. نهض وارتدى ملابسه، ثم خرج إلى الصالة. وجد نادية جالسة في مكانها المعتاد على الأريكة، تلفّ يديها بكوب الشاي الساخن.
– صباح الخير يا عمتي. – صباح النور. المطر خلى الدنيا باردة شوية. البس حاجة تقيلة قبل ما تنزل. ابتسم وقال إنه سيفعل. دخل المطبخ ليعدّ لنفسه كوب شاي. بينما كان يقف أمام البوتاجاز، دخلت رنا من غرفتها. كانت ترتدي روبًا منزليًا خفيفًا فوق قميص نوم، وشعرها ما زال غير مرتب. توقفت لحظة حين رأته، ثم اقتربت من الثلاجة. – صباح الخير. – صباح الخير. وقفت بجانبه تبحث عن شيء في الثلاجة. المسافة بينهما ضيقة بسبب ضيق المطبخ. أحسّ برائحة نومها الخفيفة، وشعرت هي بحرارة جسده القريب رغم البرد في الخارج. أغلقت الثلاجة وابتعدت خطوة دون أن تنظر إليه مباشرة. – هتأخر على الشغل لو المطر زاد. قالت وهي تمشي نحو غرفتها. سليم لم يرد. شرب شايه بسرعة وخرج. في الجامعة كان المطر قد خفّ. الساحة مبللة، والطلاب يتحركون تحت المظلات. دخل المحاضرة وجلس في مكانه المعتاد. بعد دقائق جاءت سارة وجلست بجانبه هذه المرة. – صباح الخير. المطر عطّلك؟ – لا، الحمد لله. – أنا جبت لك ملزمة المحاضرة اللي فاتت. قلت يمكن تحتاجها. ناولته كشكولًا صغيرًا. أصابعها لمست ظهر يده لحظة وهي تعطيه. ابتسمت ونظرت إلى عينيه أطول من اللازم، ثم فتحت دفترها وبدأت تكتب. سليم شكرها وحاول يركز مع المحاضر، لكنه كان يشعر بنظراتها الجانبية كل بضع دقائق. في نهاية المحاضرة لمحت صديقتان لسارة من الصف الأمامي ونظرتا إليه ثم همستا لسارة بشيء جعلها تضحك بصوت خافت. بعد المحاضرات جلس سليم في الساحة تحت مظلة. اقتربت منه طالبة أخرى لم يرها من قبل. قدّمت نفسها باسم «منى» وقالت إنها في السنة الثانية في القسم نفسه. سألته عن اسمه وعن قريته، ثم علّقت ضاحكة: – طولك ملحوظ أوي هنا. معظم الولاد أقصر منك. سليم ابتسم ابتسامة مهذبة وأجاب باختصار. منى بقيت تقف أمامه دقائق إضافية تتحدث عن المحاضرات، وعيناها تنزلان بين الحين والآخر إلى كتفيه وذراعيه. حين انصرفت، شعر أن اليوم كله يسير على الوتيرة نفسها: اهتمام صامت، ابتسامات، وكلام يدور حول طوله أو شكله دون أن يُقال شيء مباشر. عاد إلى الشقة في الثالثة عصرًا. المطر كان قد توقف. وجد الباب مفتوحًا قليلاً، وسمع صوت نادية من داخل غرفة النوم. دخل فوجدها تحاول تحريك دولاب خشبي ثقيل بمفردها. – سيبيه يا عمتي، أنا أقوم بيه. اقترب بسرعة وأمسك بالدولاب من الجانبين. رفعه بسهولة ملحوظة وحركه إلى المكان الذي تريده. نادية وقفت جانبًا تراقيه. وهو ينحني ويرفع، ظهر قميصه على عضلات ظهره وكتفيه بوضوح. حين انتهى ووقف مستقيمًا، كانت هي ما زالت تنظر. – ربنا يعطيك العافية. ما كنتش هقدر أحركه لوحدي. – أي خدمة يا عمتي. مسح العرق الخفيف عن جبينه بظهر يده. نادية مدّت يدها إلى منشفة صغيرة على الكرسي وناولته إياها. أصابعها لمست أصابعه لحظة أطول من مجرد مناولة. – امسح وارتاح. أنتَ بتشيل أكتر من طاقتك من ساعة ما جيت. شكرها ودخل غرفته. خلع القميص المبلل قليلاً بالعرق وعلّقه، ثم ارتدى فانلة قطنية بيضاء أرق. خرج مرة أخرى فوجد نادية قد أعدّت عصيرًا باردًا. جلسا معًا في الصالة. الحديث دار حول الجامعة في البداية، ثم انتقل إلى ذكريات قديمة عن أمه وأبيه. نادية كانت تتكلم وتنظر إليه، وفي كل مرة يضحك أو يحرّك يده كانت عيناها تتوقف لحظة على ذراعه المكشوف تحت الفانلة. في الخامسة عادت رنا. خلعت حذاءها ودخلت الصالة. رأت سليم بالفانلة البيضاء فتوقفت لحظة عند الباب قبل أن تسلم. – المطر عطّلكم في الشغل؟ سألها سليم. – شوية… بس مش مهم. جلست في الكرسي المقابل. كانت تنظر إليه أكثر من اللازم وهي تتحدث مع أمها عن يومها. بعد قليل قامت لتعدّ الشاي، وطلبت منه أن يساعدها في إخراج الأكواب من الرف العالي. وقف بجانبها ومدّ يده إلى الأعلى. وهي واقفة تحته تقريبًا، رأت عن قرب كيف تتحرك عضلات ذراعه وكتفه وهو يمد يده. أخذت الكوب من يده ببطء، ونظراتهما تلاقَت لثانية قصيرة. – شكرًا. قالت بصوت أهدأ من المعتاد. بعد العشاء، عرض سليم كالعادة أن ينظف المطبخ. هذه المرة بقيت رنا ونادية معًا في الصالة تتحدثان بصوت خافت. سمع سليم من المطبخ ضحكات قصيرة وهمسًا لم يميز كلماته. حين انتهى وخرج، وجد المرأتين قد توقفتا عن الكلام فجأة. نادية ابتسمت وقالت: – خلصت بدري. ارتاح بقى. دخل غرفته وترك الباب مواربًا قليلًا. تمدد على السرير واستمع إلى صوت التلفاز الخافت. بعد ساعة سمع باب رنا يُغلق، ثم بعد قليل باب نادية. الشقة غرقت في الصمت. قام سليم وفتح النافذة. الهواء بعد المطر كان نظيفًا. وقف ينظر إلى الشارع المبلل تحت أضواء المصابيح. فكر في يومه: في سارة وهي تجلس بجانبه وتمسّ يده، في منى وهي تعلق على طوله، في نادية وهي ترقبه وهو يرفع الدولاب، وفي رنا وهي تقف تحته وهو يمد يده إلى الرف. كل واحدة منهن كانت تنظر بطريقة مختلفة، لكن النظرات كلها كانت تصب في الاتجاه نفسه. جلس على طرف السرير ومرّر يده على ذراعه. العضلات كانت صلبة تحت جلده. تذكر كلام الرجال في القرية قديمًا: «الولد ده جسمه من الشغل مش من الكلام». الآن في المدينة كان هذا الجسد يقول كلامًا غير الذي اعتاد عليه. أطفأ النور وتمدد. قبل أن ينام، سمع صوت خطوة خفيفة في الممر، ثم صمتًا. لم يعرف إن كانت نادية أم رنا قد خرجت لشيء، لكنه بقي مستيقظًا دقائق إضافية يستمع. لم يعد هناك صوت. أغمض عينيه في النهاية، والجسد الذي جاء به من الريف كان ما زال يستشعر النظرات التي تلقاها طوال اليوم، داخل البيت وخارجه. في الصباح التالي سيكون هناك محاضرات جديدة، ونظرات جديدة، ومسافات قصيرة أخرى في مطبخ الشقة الصغيرة التي يعيش فيها مع عمة وابنة عمّ زوجها غائب. والأيام كانت تمضي ببطء… والجسد الرياضي كان يفتح الطريق بهدوء أمامه.**جسد الريفي** **الفصل الثاني والعشرون**في الصباح التالي كانت نادية قد تجهزت للسفر. وقفت عند الباب وحقيبتها الصغيرة بجانبها، ونظرت إلى سليم ورنا بعينين هادئتين تعرفان أكثر مما تقولان. – هرجع بعد يومين… البيت أمانة. قالت وهي تبتسم نصف ابتسامة. ثم التفتت إلى سليم خصيصًا وأضافت بصوت أخفض: – خليك موجود. خرجت وأغلقت الباب خلفها.الصمت ملأ الشقة فورًا. رنا كانت ما زالت بملابسها المنزلية، وشعرها محلول. نظرت إلى سليم لحظة طويلة ثم اقتربت منه. – يومين… همست وهي تضع يديها على صدره. – يومين كاملين. هو وضع يديه على خصرها وقرّبها. القبلة كانت هادئة في البداية، ثم تحولت تدريجيًا إلى شيء أعمق وأطول من قبلات الليالي السابقة.لم ينتقلا إلى غرفة النوم فورًا. جلسا على الأريكة أولًا، ورنا شبه جالسة فوقه، تقبّله وتلمس صدره تحت القميص. الأيدي تتجول ببطء، والملابس تنزلق قطعة بعد قطعة دون استعجال. القميص سقط على الأرض، ثم بلوزتها، ثم ما تبقى. الجلد على الجلد في ضوء الصباح كان مختلفًا عن ضوء الليل: أوضح، وأدفأ، وأكثر واقعية.رنا تحركت فوقه ببطء، عيناها مفتوحتين تنظران إلى عينيه. يداه على
**جسد الريفي** **الفصل الحادي والعشرون**الصباح التالي كان مختلفًا. استيقظ سليم ليجد السرير فارغًا من حوله. رنا ونادية قد نهضتا قبله وتركتاه ينام. ارتدى ملابسه وخرج فوجد الشقة هادئة. على الطاولة فنجان شاي مغطى ورسالة قصيرة بخط نادية: «خرجنا… الشاي سخن».شرب الشاي بسرعة وخرج إلى الجامعة. الجسد كان ما زال يحمل أثر الليلة الماضية: إرهاق خفيف في العضلات، وإحساس عميق بالرضا. في الساحة لمح سارة من بعيد. كانت واقفة مع مجموعة من صديقاتها، لكنها انفصلت عنهن حين رأته ومشت نحوه.– صباح الخير. قالت وهي تبتسم ابتسامة أوضح من الأيام السابقة. – صباح النور. – النهاردة فاضي بعد المحاضرات؟ سألت مباشرة. – ممكن. – طيب… استناني عند باب الكلية الرئيسية.في المحاضرات كان تركيزه مشتتًا. كلما أغلق عينيه للحظة، كانت صور الليلة الماضية تمر أمامه: وجه رنا، يدا نادية، الأنفاس المختلطة. في الوقت نفسه كانت سارة تجلس بجانبه في محاضرتين متتاليتين، وكتفها يلمس ذراعه أكثر من مرة، ويدها تقترب من يده فوق الدفتر.بعد انتهاء آخر محاضرة وجدها تنتظره عند الباب كما قالت. مشيا معًا في الشارع دون أن يحددا وجهة واض
**جسد الريفي** **الفصل العشرون**الليل سقط بهدوء على الشقة. سليم كان في غرفته، الباب موارب، والجسد يشعر بالحرارة التي بدأت تتجمع مرة أخرى. سمع صوت خطوات في الممر، ثم صوت باب رنا يُدفع برفق.دخلت رنا. كانت بقمصان نوم رقيق جديد، وشعرها محلول على كتفيها. أغلقت الباب خلفها هذه المرة، ومشت نحو السرير دون كلام. جلست على طرفه أولًا، ثم استدارت وتمددت بجانبه.– قلت لك الباب مفتوح. همست وهي تضع يدها على صدره فوق القميص. سليم رفع يده وغطى يدها بها. – وأنا سيبت بابي موارب. ابتسمت وقربت وجهها منه. القبلة بدأت بطيئة، ثم ازدادت عمقًا مع كل ثانية. يدها انزلقت تحت القميص وراحت تتحسس جلده مباشرة، بينما هو يرفع يده إلى شعرها ثم إلى ظهرها.بعد دقائق سمعا صوتًا خفيفًا. الباب دُفع مرة أخرى، ودخلت نادية. كانت بروبها المعتاد، لكنها لم تبدو متفاجئة. أغلقت الباب ومشت نحو السرير بهدوء. – كنت عارفة إنكم مش هتستنوا كتير. قالت بصوت منخفض وهي تجلس على الجانب الآخر.رنا لم تبتعد عن سليم. بقيت يدها تحت قميصه، بينما نادية مدّت يدها هي الأخرى ووضعتها على بطنه. الاثنتان بدأتا تتحركان معًا من جديد، كأن الل
**جسد الريفي** **الفصل التاسع عشر**في الصباح التالي استيقظ سليم متأخرًا قليلًا. الغرفة كانت هادئة، وباباه مواربان كالعادة منذ تلك الليلة. ارتدى ملابسه وخرج فوجد نادية في المطبخ تعدّ الشاي، ورنا قد خرجت إلى عملها.– صباح الخير. قالت نادية دون أن تلتفت، ثم أضافت وهي تضع الفنجان أمامه: – نمت كويس؟ – أيوه… الحمد لله. جلس وشرب الشاي. هي جلست مقابله هذه المرة، ونظراتها كانت هادئة لكنها تحمل بقايا ما حدث بينهما. بعد دقائق مدّت يدها ووضعتها على يده فوق الطاولة. – لو احتجت أي حاجة… أنا هنا. سحبت يدها ببطء وقامت لتكمل ترتيب المطبخ.خرج سليم إلى الجامعة والجسد ما زال يتذكر. في المحاضرة الأولى وجد سارة تنتظره في المقعد المجاور. ابتسمت حين جلس، واقتربت بكتفها منه أكثر من اللازم. – فكرت في الكلام اللي قلناه امبارح. همست أثناء المحاضرة. – وأنا كمان. ردّ هو بهدوء.بعد انتهاء المحاضرات اقترحت سارة أن يذهبا معًا إلى مقهى قريب بدلًا من المكتبة. وافق. جلسا في زاوية هادئة، والحديث بدأ عن الدراسة ثم انزلق تدريجيًا إلى أمور أكثر شخصية. سارة كانت تضحك على تعليقاته البسيطة، ويدها كانت ت
**جسد الريفي** **الفصل الثامن عشر**الجامعة كانت أكثر صخبًا من المعتاد ذلك الصباح. سليم دخل الساحة وهو ما زال يحمل في جسده أثر الليلة الماضية: إرهاق خفيف في العضلات، ورضا عميق يختلط بشيء من الدهشة. جلس في محاضرته الأولى، لكن تركيزه كان مشتتًا. كل حركة بسيطة كانت تذكّره بملمس يد أو شفة من الليلة السابقة.بعد المحاضرة وجد سارة تنتظره عند باب القاعة. كانت ترتدي بلوزة زرقاء فاتحة، وشعرها مربوط إلى الخلف بطريقة تبرز عنقها. ابتسمت حين رأته واقتربت. – شكل اليوم عليك مختلف. قالت وهي تنظر إلى عينيه بتمعن. – نمت كويس؟ – نمت… شوية. ردّ سليم مبتسمًا نصف ابتسامة.سارة مشت بجانبه في الممر. كانت تقترب منه أكثر من اللازم مع كل خطوة، وكتفها يلمس ذراعه بين الحين والآخر. عند الدرج توقفت فجأة والتفتت إليه. – في مكتبة عامة قريبة من هنا… لو حابب نراجع المحاضرة بعد الظهر. نظرتها كانت أوضح من الكلام. سليم نظر إليها لحظة ثم أومأ. – ممكن.في المحاضرة التالية ظهرت منى. جلست في الصف أمامه والتفتت أكثر من مرة. بعد انتهاء المحاضرة اقتربت منه وهي تحمل كتبها. – أنتَ اليوم هادي أكتر من اللازم. ق
**جسد الريفي** **الفصل السابع عشر**الضوء الرمادي تحول تدريجيًا إلى ذهبٍ باهت يتسرب من بين الستارة. سليم فتح عينيه أولًا. الرأس كان على وسادة، لكن الجسد كان محاطًا من الجانبين. رنا نائمة على يمينه، رأسها قريب من كتفه، ونادية على يساره، يدها ما زالت مستندة على بطنه.للحظة لم يتحرك. تذكر كل ما حدث في الليلة الماضية دفعة واحدة: الأبواب المواربة، الدخول المتتالي، الأيدي والشفاه، الموجات المتتالية من اللذة، والتعب الجميل الذي أعقبها. الجسد كان ثقيلًا ومسترخيًا بطريقة لم يعرفها من قبل.حرك أصابعه ببطء. نادية تململت أولًا وفتحت عينيها. نظرت إليه لحظة طويلة دون أن تقول شيئًا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهادئة. رفعت يدها من على بطنه ووضعتها على خده. – صباح الخير… همست بصوت مبحوح. – صباح الخير.رنا تحركت هي الأخرى بعد ثوانٍ. فتحت عينيها ببطء، ورأت الوجهين فوقها، فابتسمت ابتسامة أوسع وأخجل قليلًا. دفنت وجهها في كتف سليم لحظة قبل أن ترفع رأسها. – الوقت؟ سألت. – لسه بدري. ردّ سليم.الثلاثة بقوا على السرير دقائق إضافية دون أن يبتعدوا. اللمسات صارت أخف وأحنّ: يد تمسح شعرًا، أصابع تمر عل







