تسجيل الدخوللمحت جلنار شخصً يجلس خلف ستائر الورد الكثيفة كان يرتدي قبعة قش عريضة تغطي كامل ملامحه، و يرتدي قفازات سميكة و بجانبه دلو ماء، فعرفت على الفور أنه البستاني الذي يعمل على إزالة الأعشاب الضارة.
اقتربت منه جلنار من خلف ظهره بلطف و قالت بصوت هادئ: "مرحباً، أنت البستاني صحيح؟ لقد رأيت عملك البديع من بعيد و أحببت أن آتي و أشكرك شخصياً على كل ما تفعله هنا. أعلم بالطبع أنه عملك، لكنك حقاً تستحق الثناء لعنايتك الفائقة بهذه الحديقة و جعلها تبدو بهذه الروعة. حديقتكِ جميلة جداً تبهر الأبصار و تريح البال.. من كان يظن أن في مثل هذا القصر المرعب توجد حديقة فاتنة كهذه!". توقف البستاني عما يفعله فوراً و تيبس في مكانه دون أن يستدير، فواصلت جلنار حديثها العفوي و هي تضحك بخفة: "أتعلم؟ أنا أعشق الورد كثيراً.. بمجرد أن نظرت إلى هذه الحديقة بالأمس نسيت كل همومي و أوقفت قطار أفكاري المتعب، لدرجة أنني غططت في نوم عميق على حافة نافذتي و أنا أتأملها!". ثم تابعت باستغراب بعد أن طال صمته: "لماذا أنت ساكت هكذا؟ هل تشعر بالحرج من حديثي؟ أعتذر منك إن كنت أتكلم كثيراً، و لكن هل لي أن أعرف اسمك؟ لقد أردت شكرك فقط". لم ينطق البستاني بحرف واحد، بل انحنى ببرود مريب و أكمل إزالة الأعشاب الضارة في صمت مطبق. فقالت جلنار بنبرة رجاء عذبة: "سيد بستاني، أتسمح لي فقط بقطف وردة جوري حمراء واحدة؟ أحبها كثيراً و أريد أن أضعها في غرفتي لتؤنس وحدتي القاتلة في الليل.. فلا أعلم لماذا يتعمد آل فالدور إطفاء جميع الثريات في المساء، و انا أكثر ما أكرهه في الليل هو عتمة الظلام". و فجأة، شق صمت الحديقة نباح كلب كبير أبيض ذي فرو كثيف و ناعم، كان يركض بحماس باتجاه البستاني ثم قفز عليه يلاعبه. سقط البستاني على الأرض و هو يطلق ضحكة دافئة و صافية، و مع سقوطة طارت قبعة القش العريضة لتكشف عن خصلات شعر ذهبي متلألئ تحت أشعة الشمس! تجمدت جلنار في مكانها و صعقت بالصدمة.. البستاني الصامت لم يكن سوى إدريان نفسه! التفت إليها إدريان و عيناه الزرقاوان تلمعان بمرح غير مألوف و قال: "هذه أنتِ؟". احمرّ وجه جلنار بشدة حتى شعرت بوجنتيها تشتعلان خجلاً، و قالت في نفسها بارتباك: (و من سيكون سواي في هذه الورطة؟!). ثم رأت إدريان يمد يده ببطء إلى أذنه و يخرج منها سماعة أذن لاسلكية! في تلك اللحظة، شعرت جلنار براحة و اطمئنان شديدين و قالت في سرها: (الحمد لله! كان يضع السماعات.. هذا يعني أنه لم يسمع أي كلمة من كلامي المحرج!). و ارتسمت على وجهها ابتسامة ارتياح واضحة. نظر إليها إدريان بعمق، ثم وقف على قدميه و هو يحمل كلبه الأبيض بين يديه، و اقترب منها ببطء حتى ثبت عينيه في عينيها و قال بابتسامة خبيثة و ماكرة: "اقطفي ما شئتِ من ورود"، ثم تجاوزها و أكمل طريقه. أدركت جلنار أنه سمع كل ما قالته! فوضعت يديها على وجهها و جلست على الأرض من شدة الإحراج و الخجل، في حين التفت إليها إدريان بعد أن ابتعد قليلاً و هو يضحك، ثم تابع سيره تاركاً إياها في ذهولها. و من إحدى نوافذ القصر العالية المطلة على الحديقة، كان كبير الخدم سيباستيان يقف متخفياً خلف الستائر، يراقب المشهد بنظرات يمتزج فيها الذهول بالبرود المريب؛ فهذه هي المرة الأولى التي يرى فيها إدريان يضحك من منذ أكثر من ثماني سنوات!. سُرعان ما تلاشت تعابير دهشته، و حلت محلها ابتسامة خبيثة و مظلمة ارتسمت على شفتيه. التفت إلى ميا التي كانت تقف بجانبه ترتعد رعباً، و قال بنبرة آمرة مخيفة: "ميا.. اذهبي فوراً إلى سيدتكِ جلنار و ظلي بجانبها.. كوني عيوني التي ترى و آذاني التي تسمع كل شاردة و واردة عندها". ثم اقترب منها هامساً بتهديد جعلها ترتعد: "و إياكِ و تكرار نفس الخطأ السابق، أو التفوه بأكثر مما يجب.. هل فهمتِ؟!". انحنت ميا و جسدها يرتجف، و قالت بتلعثم و خوف شديد: "أ.. أمرك يا سيدي". فقال لها ببرود: "انصرفي!". و بعد أن غادرت الخادمة مسرعة، تحسس سيباستيان جيبه الداخلي ليتأكد من وجود سكين نحاسي عتيق ذي نقوش غريبة، و بذات الابتسامة المظلمة، توجه بخطوات صامتة و واثقة نحو درجات القبو السفلي. أخذ شمعة من حامل الشموع في الممر المظلم, و فجأة، اشتعل لهب الشمعة من تلقاء نفسه كأنه سحر!. و مع كل خطوة يخطوها سيباستيان نحو الأسفل، كانت برودة المكان تزداد جفافاً و الظلمة تزداد عتمة مريبة، حتى وصل إلى نهاية الممر المسدود بجدار حجري صلب و ضخم. نزع سيباستيان شعرة من رأسه، و بأصابعه الباردة، أدخلها بدقة متناهية في شق خفي و دقيق للغاية يتوسط الجدار الحجري، ثم أغمض عينيه و بدأ يتمتم بكلمات غريبة و طقوسية غير مفهومة.. و فجأة، اهتز المكان و تحرك الجدار الحجري بصرير معدني مرعب و جاف! ليظهر من خلفه درج طويل و ملتوٍ ينحدر في زاوية حادة نحو هاوية غارقة في ظلام دامس كأنها بئر بلا نهاية. أخرج سيباستيان من جيبه حلقة مفاتيح حديدية ثقيلة، و انتقى منها مفتاحاً أسود كبيراً غطاه الصدأ، أمسكه بإحكام بجانب سكينه النحاسي، و بدأ يهبط الدرج المظلم بخطى بطيئة. كان صوت ارتطام المفاتيح الحديدية ببعضها يتردد بصدى معدني موحش و مفزع يمزق سكون العتمة.. و مع خفوت صوت المفاتيح و توغله أكثر في غياهب الظلمة السفلية، شق هدوء القبو فجأة صوت صراخ امرأة! كان صراخاً حاداً، ممزقاً، يحمل من العذاب و الألم و الخوف ما يكفي لتجميد الدماء في العروق! كان صدى الصوت المرعب يتخبط بعنف بين الجدران الحجرية الضيقة كأنه يستغيث من غياهب الجحيم.. و فجأة.. أُغلق الجدار الحجري الضخم خلف سيباستيان بقوة و عنف صاعق، ليعود الصمت المطبق و الهدوء المريب ليسيطرا على المكان كأن شيئاً لم يكن!...نظرت جلنار لإدريان فأحست بالهدوء و الطمأنينة قليلاً، تحركت السيارة بسرعتها القصوى، بينما دموع جلنار تتساقط بصمت في خلفية السيارة. و بعد قليل من الوقت، وصلوا إلى مشفى فالدور، أو بالأصح.. بيت طبيب فالدور. توقفت السيارة عند منزل قديم و شبه مهجور، تحيط به نباتات ميتة و سوداء اللون و كأنها أُحرِقَت عن آخرها. خرج سيباستيان و فتح الباب الخلفي ثم حمل مايا، بعدها خرج إدريان و التفت يفتح الباب لجلنار؛ فهو يعلم أنها في وضع صعب و بالكاد تقوى على النزول من شدة خوفها على أختها.ثم مد يده لها يساعدها على النزول، نظرت جلنار له بغضب لكنها رأت مقدار قلقه عليها فأمسكت بيده تنزل، بينما كان سيباستيان قد سبقهم، و بدأ يطرق باب هذا البيت المهجور بركله برجله. فتح الباب رجل عجوز ذو لحية طويلة بيضاء؛ فتذكرته جلنار فوراً، فقد كان نفس ذلك الطبيب المشعوذ الذي جاء لمداواة إدريان من قبل! فقالت لإدريان بريبة: "هل هذا مشفى حقاً؟! أليس هذا هو نفس ذلك الرجل المشعوذ الذي جاء من قبل؟!" قال إدريان بثقة و هو يركز نظره عليه بينما يفسح الطريق لسيباستيان الذي يحمل مايا لدخول: "لا عليكِ، مادمت قد وصلت إلى هنا، ستكون بخير."
فجأة، التفت سيباستيان على ما تقوله جلنار و هي في حالة انهيار؛ فالدموع تسيل في عينيها بينما تجثو على الأرض تحتضن مايا التي تسبح في دمائها، فتقول بصوت متهدج: "جئت في وقتك، أرجوك أسعف مايا!" نظر سيباستيان لإدريان الذي كان يتابع ما حدث بصدمة بالغة؛ فقبل لحظات كانت مايا بخير، و الآن ها هي غارقة في دمائها! نظرت جلنار لإدريان ثم لسيباستيان، و صرخت بغضب و الدموع تملأ خديها: "ما الذي تنتظره؟! أسرع، هيا، افعل شيئاً!" تقدم سيباستيان بارتباك، و أخرج منديلاً من جيبه ثم وضعه برفق على موضع الطعنة كي يبطئ من سرعة النزيف، ثم حملها و اتجه مسرعاً نحو السيارة. قامت جلنار من على الأرض و تقدمت خطوتين ثم توقفت فجأة، و التفتت نحو إدريان الذي لا يزال مسماراً في مكانه، فعادت نحوه حتى وقفت أمامه مباشرة و دفعته بيديها الملطختين بالدماء، فارتد للخلف مصطدماً بمسند الكنبة التي كان يجلس عليها، و أكملت بغضب و هي تضرخ: "أتعلم؟ لو حدث لها أي مكروه، لن أسامحك أبداً!" ثم التفتت تركض نحو الخارج لتركب مع سيباستيان متجهة إلى الطبيب، تاركة إدريان وراءها حتى غابت عن ناظره. نظر إدريان لقميصه الأبيض؛ فقد تركت جلنار عليه
توقفت مايا مكانها، و قالت بعينين دامعتين و ملامح الندم و الذعر تملأ وجهها: "أعتذر منكِ.. سامحيني يا أختي..." قالت جلنار لإدريان بينما تنظر إلى مايا: "انتظر." فخفضت مايا رأسها تظن أن جلنار تريد أن تشمت بها، ثم وجهت جلنار كلامها إليها: "أريد أن أسألكِ سؤالاً أخيراً." رفعت مايا رأسها تنظر لجلنار: "ما هو؟" قالت: "لو عاد بكِ الزمن، هل ستفعلين ما فعلتِهِ؟" انخفضت مايا رأسها مجدداً، و بندم عميق قالت: "لو قلتُ إنني لن أفعل، أتصدقينني؟ لقد ارتكبتُ الكثير من الأخطاء.. لو عدتُ بالزمن لكتفيتُ ببقائي في ذاك المنزل المهجور." ثم دمعت عيناها بغزارة: "أردتُ فقط أن أثبت لوالداي أنني أنا أيضاً أستحق الحب، و ربما أكثر منكِ!" ثم أكملت بصوت يغلبه البكاء: "ليتني لم أفكر حتى في دخول عائلة فالدور!" قالت جلنار باستفهام: "ألم تكن حُلمكِ؟" قالت و هي تضُم راحتي يديها بترجٍّ: "أرجوكِ سامحيني أنتِ من آذيتُكِ فقط!" ثم بدأت بالانهيار: "أنتِ عاقبيني، اقتليني، فقط لا تعيديني لذاك الوحش.. أتوسل إليكِ!" عقدت جلنار حاجبيها و التفتت نحو إدريان، فرأت أنه يبتسم بطرف شفته بخبث و هو ينظر لمايا. فجأة، استذكرت أنها ع
حتى بانت جلنار لمن في الصالة الرئيسية، فقالت مايا:"أتيتِ أخيراً!"ثم ابتسمت بسخرية:"لما تنظرين إليَّ هكذا؟ مصدومة؟ الآن تدعين البراءة؟"هزت جلنار رأسها بالرفض غير قادرة على النطق، فأكملت مايا بهستيرية:"لطالما أردتُ التخلص منكِ! كنتِ و لا زلتِ دوماً تقفين في طريقي!"قاطعتها جلنار بصوت مخنوق:"لم أفهم، كيف آذيتُكِ؟ لطالما أحببتكِ و اعتبرتُكِ أختي و صديقتي الوحيدة، أنتِ كل ما تبقى لي و كل ما أملك! ما الذي فعلته معكِ لتكرهيني هكذا؟"فجأة، نهض إدريان و أمسك بيد جلنار و أجلسها على الأريكة بلطف، فقالت مايا بغيض:"لا أعلم ما المشكلة! لطالما بحثتُ لكِ عن أعمال شاقة، و أثقلتُ عليكِ، و جعلتك تحسين أن عليكِ تحمل عبء وصية أبي! كنت أراكِ تحاولين بيأس، و لطالما حاولتُ أن أغرقكِ في الأسى و الإحباط و الفشل.. حتى أنني علمتُ أن اختباركِ بعد ثلاثة أيام، فاشتريتُ تلك الأسوارة الملعونة الذي يبدو أنها لم تؤثر عليكِ أيضاً ! لم يبقَ ما أفعله لم ينفع أي شيء، و ما يغيضني حقاً أن كل هذا دائماً ينقلب لصالحك! لمااذا؟!"عقدت جلنار حاجبيها و ردت بحرقة:"عملتُ و اجتهدتُ و تعبتُ، و فوق كل هذا تعمدتُ إخفاء تعبي و إج
فجأة، خطر على بال إدريان كيف بكت جلنار و تضايقت عندما رأت ميا تحضنه في ذاك الوقت، فقال بابتسامة خبيثة: "هذه هي... لطالما كانت الغيرة بين الإخوة هي ما يدمر كل ما بينهما." ثم قال و هو ينظر لمايا بابتسامة مصطنعة: "اسمعيني جيداً، أختك طفولية و أنتِ تبدين عاقلة و تفهمينني جيداً." فابتسمت مايا بفرحة عارمة، بينما استطرد إدريان بمكر: "لكنني نبيل، و لا أستطيع احتمال فكرة أن ألمس امرأة، أو أن تلمسني امرأة بدون علاقة رسمية؛ لذا، هل يمكنكِ أن تبقي بعيدةً لحين زواجنا؟" قالت مايا و هي تهز رأسها بفرح: "لا مانع لدي." فأردف إدريان: "جيد." حينها، أحسّ إدريان بخطوات جلنار تنزل من على الدرج، فقال بصوت أعلى عمداً: "و كيف تنوين الزواج مني؟ عائلة فالدور لن تسمح بتلويث سمعتها بأن يتزوج الوريث فتاة غير التي اختاروها في مراسم الجلنار." قالت بتسرع: "لا عليك، هناك الكثير من الحلول أسهلها أنه يمكننا القول أنك تزوجتُ الشخص الغلط بالخطأ." قال بتهكم: "هذا أسوأ، فهو يخلّ بهيبة فالدور." أجابت بثقة: "لا مشكلة، يمكن لسيدة إيلينا أن تغير شكلي لأصبح مثلها، فأظهر بمظهرها أمام العامة." تو
في تلك الأثناء، وقف سيباستيان في الخارج بابتسامة ماكرة، و هو يحدّث نفسه:"لو أستطيع الدخول لما فوّتُّ على نفسي منظراً مغرياً لما سَيحدث... طلبتُ من تابعك أن يمنعني من الدخول، و تعرض عليَّ أنت أن أدخل؟ هل تسخر مني؟!"ثم أكمل ساخراً:"للأسف، لن أستطيع تجاوز ذاك الجني الخادم، يبدو أنني سأكتفي بالانتظار!"ثم بدأ يضحك بهستيرية و هو يتابع:"كم أتمنى أن أرى بعيني ما يجري في الداخل... لكن لا مشكلة، أنا أيضاً سأنال نصيبي من المتعة قريباً جداً..."تقدم إدريان للداخل و هو يبحث و يتلفت عن ميا، فالتفت نحو الصالة الرئيسية و وجدها تقف ناظرةً إليه بابتسامة خجولة و شغف، و قالت بانحناءة و عيناها معلقتان به و بصوت هادئ:"مرحباً سيد إدريان، سمعتُ أنك أردت رؤيتي."نظر إليها إدريان ببرود قارس بطرف عينيه و لم يرد عليها، فابتعَد و جلس في أبعد أريكة و هو يقول:"اجلسي."بينما يقول في نفسه بخوف:"أخاف أن ترمي نفسها عليَّ مجدداً كآخر مرة!"فاقشعر بدنه و هو يكمل في نفسه:"كان ذلك مقرفاً بشكل..."جلست ميا بخجل، و هي موجهة نحوه تضم رجليها و يديها للأمام، و تقول في نفسها:"هذه أول مرة يطلب مني الجلوس بوجوده، يبدو أن







