Share

128

last update publish date: 2026-09-08 19:54:05

{ بين الحياة والوقت}

لم ينتظر لوكا لحظة أخرى.

حمل سولي بين ذراعيه، وخرج بها من القصر بسرعة، بينما تبعه لورينزو وكارلي وبقية العائلة بقلق.

كانت سولي ساكنة تمامًا.

لم يسمع منها أي كلمة.

كلما نظر لوكا إلى وجهها، شعر بالخوف يزداد داخله.

— تحملي قليلًا يا سولي...

قالها بصوت منخفض، وكأنه كان يخاطبها رغم أنها لم تكن تسمعه.

وصلت السيارة إلى المستشفى، وما إن توقفت حتى فتح لوكا الباب وحملها إلى الداخل.

جاءت الممرضات بسرعة، وأدخلنها إلى غرفة الفحص.

حاول لوكا الدخول معها، لكن الطبيبة أوقفته.

— انتظر هنا.

نظر إليها بقلق.

— أريد أن أبقى معها.

— سنفحصها أولًا.

توقفت لحظة.

— وبعدها سأخبرك بكل شيء.

اضطر لوكا للتراجع.

أُغلق الباب.

وبقي واقفًا أمامه.

كارلي كانت بالقرب منه، بينما جلس لورينزو على أحد المقاعد وهو عاجز عن الكلام.

مرت الدقائق ببطء شديد.

كل ثانية كانت تمر وكأنها أطول من التي قبلها.

وفجأة فتحت الطبيبة الباب.

نهض لوكا بسرعة.

— كيف حالها؟

نظرت إليه بجدية.

— حالتها مستقرة في هذه اللحظة، لكن وضعها الصحي خطير.

تجمد.

— خطير؟

أومأت.

— سولي تعاني من مرض قلبي في مرحلة متقدمة، وحالتها أصبحت مرهقة جدًا.

بقي لوكا يحدق فيها.

— لكنها كانت تتحرك بشكل طبيعي.

— بعض المرضى يستطيعون إخفاء شدة حالتهم لفترة طويلة، خصوصًا عندما يحاولون الاستمرار في حياتهم بشكل طبيعي.

خفض لوكا عينيه.

تذكر كل المرات التي قالت فيها له:

أنا بخير.

وكل مرة شعرت فيها بالتعب ثم ابتسمت.

رفع رأسه.

— وماذا تحتاج؟

أجابت الطبيبة:

— تحتاج إلى متابعة دقيقة جدًا، والرعاية المناسبة، والأهم أن نجد متبرعًا مناسبًا بأسرع وقت ممكن.

— وهل يوجد وقت؟

ترددت قليلًا.

ثم قالت:

— الوقت أصبح مهمًا جدًا في حالتها.

شعر لوكا ببرودة تسري في جسده.

— ماذا يعني هذا؟

— يعني أننا لا نستطيع الاعتماد على الانتظار.

ثم أضافت:

— علينا أن نسرّع البحث عن المتبرع، وأن نتابع حالتها باستمرار.

أخذ لوكا نفسًا عميقًا.

— سأوفر أي شيء تحتاجونه.

قالتها الطبيبة بهدوء:

— المال لن يكون العامل الوحيد هنا يا لوكا.

توقف.

— أعرف.

— أهم شيء الآن هو أن تحصل على الرعاية المناسبة، وأن نبدأ جميع الإجراءات الممكنة بأسرع ما نستطيع.

أومأ.

ثم سأل:

— هل يمكنني رؤيتها؟

— بعد قليل.

ابتعدت الطبيبة.

بقي لوكا في مكانه.

كان لورينزو ينظر إليه بصمت، بينما كانت كارلي تضع يدها على فمها وهي تحاول حبس دموعها.

قال لوكا:

— كانت تعرف.

لم يجب أحد.

— كانت تعرف كل هذا...

انخفض صوته.

— ومع ذلك كانت تبتسم لي كل يوم.

وضعت كارلي يدها على كتفه.

— لأنها كانت تحبك.

أغمض لوكا عينيه.

— وأنا لم أفهم.

سكت قليلًا.

ثم فتح عينيه.

— لن أسمح لها أن تواجه هذا وحدها.

بعد دقائق، سمحت لهم الطبيبة برؤيتها.

دخل لوكا الغرفة أولًا.

وجد سولي مستلقية بهدوء.

اقترب منها ببطء، ثم جلس إلى جانبها.

أمسك يدها.

كانت دافئة هذه المرة.

قال بصوت منخفض:

— أنا هنا.

لم تتحرك.

مرر أصابعه فوق يدها.

— ولن تذهبي إلى أي مكان وحدك بعد الآن.

ثم انحنى قليلًا، وأغمض عينيه للحظة.

كان للمرة الأولى يشعر فعلًا أن الوقت ليس شيئًا يملكه.

وأن كل يوم يمر دون أن يفعل شيئًا...

قد يكون يومًا لا يستطيع استعادته.

رفع رأسه نحو سولي.

— سنجد متبرعًا.

ثم قال بإصرار:

— مهما احتاج الأمر، سنجد واحدًا.

وبقي ممسكًا بيدها.

أما خلف باب الغرفة، فبدأت عائلة فيتالي تتحرك للمرة الأولى في اتجاه واحد.

ليس من أجل المال.

ولا من أجل التقاليد.

ولا من أجل اسم العائلة.

بل من أجل سولي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    138

    [حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها

  • حين أحببتكِ متأخرًا    137

    [ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب

  • حين أحببتكِ متأخرًا    136

    [ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت

  • حين أحببتكِ متأخرًا    135

    [ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر

  • حين أحببتكِ متأخرًا    134

    [حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه

  • حين أحببتكِ متأخرًا    133

    [بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status