LOGIN{وريث فيتالي}
ظل لوكا واقفًا للحظات بالقرب من السيارة، وعيناه مثبتتان على سولي. كانت قد أخفت علبة الدواء داخل حقيبتها بسرعة، ولم تنتبه إلى أنه رأى ما حدث. ثم تذكّر سترته. استدار وعاد نحو السيارة، فتح الباب وأخذها، ثم ارتداها بهدوء. وعندما عاد إليها، كانت سولي قد رتبت شعرها وأغلقت حقيبتها. نظر إليها للحظة. — هل أنتِ بخير؟ رفعت عينيها إليه بسرعة. — نعم. كان جوابها سريعًا أكثر مما ينبغي. نظر إلى وجهها الشاحب قليلًا، لكنه لم يعلق. — لنذهب. أومأت. وسارا معًا نحو مدخل القاعة. --- كان المكان مختلفًا تمامًا عن أي شيء رأته سولي من قبل. قاعة ضخمة تزينها أعمدة رخامية عالية، وثريات كبيرة ألقت ضوءًا ناعمًا فوق المكان. على الجدران علقت شعارات عائلة فيتالي، وإلى جانبها لوحات لأجيال قديمة من العائلة. كانت الطاولات مرتبة بعناية، والضيوف يرتدون ملابس رسمية، بينما وقف أفراد العائلات الأخرى في مجموعات صغيرة يتحدثون فيما بينهم. توقفت سولي للحظة عند المدخل. شعرت أن كل العيون اتجهت نحوها. لم تكن معتادة على هذا النوع من الاهتمام. اقترب لوكا منها قليلًا. — لا تنظري إلى الناس. نظرت إليه. — ماذا؟ — الجميع ينظرون إلى الجميع هنا. قالها بهدوء وكأنه يخبرها بأمر عادي. أخذت نفسًا عميقًا. — حسنًا. دخلا معًا. وبمجرد ظهورهما، بدأ بعض الضيوف يتهامسون. — هذا هو لوكا فيتالي. — وزوجته الجديدة؟ — سمعت أنها يتيمة. — من أين جاءت بها عائلة فيتالي؟ كانت الكلمات تصل إلى سولي رغم محاولتها تجاهلها. خفضت عينيها. لكن لوكا ظل يمشي بجانبها وكأنه لم يسمع شيئًا. في مقدمة القاعة، كان فيتوريو واقفًا إلى جانب إيزابيلا وبقية أفراد العائلة. وعندما وصلا، توقف لوكا وسولي أمامهما. قال فيتوريو: — حان الوقت. أومأ لوكا. ثم دخل الجميع إلى أماكنهم. --- بدأت الموسيقى الرسمية بهدوء. تقدم فيتوريو إلى منتصف القاعة. ساد الصمت. رفع رأسه ونظر إلى جميع الحاضرين. — اليوم، تجتمع عائلاتنا وشركاؤنا لمشاهدة انتقال اسم فيتالي إلى جيل جديد. كانت عيناه تتجهان نحو لوكا. — لوكا فيتالي. تقدم لوكا خطوة إلى الأمام. وقف بثبات، وملامحه هادئة. تابع فيتوريو: — منذ ولادته، كان هذا الاسم مرتبطًا به. واليوم، لا يرث الاسم فقط... بل يرث المسؤولية. كان لوكا ينظر إليه دون أن يظهر على وجهه شيء. اقترب فيتوريو منه، وأخرج خاتمًا قديمًا يحمل شعار العائلة. رفع الخاتم أمام الجميع. — هذا الخاتم حمله رجال قادوا هذه العائلة قبل أن تولد. ثم وضعه في يد لوكا. — ومن اليوم، يصبح لك. أغلق لوكا يده حول الخاتم. — أقبل. كانت كلمته قصيرة. لكنها خرجت بثبات جعل القاعة كلها تصمت للحظة. ابتعد فيتوريو قليلًا. ثم التفت نحو سولي. — وسولي فيتالي. تجمدت للحظة عندما سمعت اسمها. نظرت إليه. — تقدمي. تحركت بخطوات هادئة حتى وقفت إلى جانب لوكا. قال فيتوريو: — وفقًا لتقاليد عائلة فيتالي، لا يُعلن الوريث أمام العائلات إلا وزوجته إلى جانبه. شعرت سولي بأن قلبها يخفق بسرعة. ثم أضاف: — ومن هذه اللحظة، تُعرف رسميًا بأنها زوجة وريث عائلة فيتالي. رفعت سولي رأسها. لم تكن تتوقع أن سماع هذا اللقب سيجعلها تشعر بهذا القدر من الثقل. زوجة الوريث. لم تكن مجرد فتاة يتيمة كانت تبيع الورود. الآن أصبح اسمها مرتبطًا بعائلة كاملة. مد فيتوريو يده. — لوكا. نظر لوكا إليه. — أمسك يد زوجتك. التفت لوكا نحو سولي. ثم مد يده إليها. ترددت للحظة. لكنها وضعت يدها في يده. كانت يدها باردة. شعر لوكا بذلك فورًا. نظر إليها للحظة، ثم أغلق أصابعه حول يدها بضغط خفيف. ليس عناقًا. ولا حركة رومانسية. مجرد إشارة صغيرة جعلتها تعرف أنه لاحظ توترها. رفعت عينيها نحوه باستغراب. لكنه كان ينظر أمامه. ثم بدأ الجزء الأخير من المراسم. رفع فيتوريو صوته: — أمامكم جميعًا، أعلن لوكا فيتالي الوريث الرسمي لعائلة فيتالي. وقف الجميع. تعالت التحيات والتصفيق في القاعة. أما سولي فبقيت إلى جانبه، تنظر إليه بصمت. للمرة الأولى، أدركت أن هذا الرجل الهادئ الذي ينام كل ليلة على أريكة صغيرة كان يحمل على كتفيه عالمًا كاملًا. --- بعد انتهاء المراسم، بدأ الضيوف بالتقدم لتهنئة لوكا. كان يتعامل معهم بثبات وهدوء، بينما بقيت سولي إلى جانبه. ثم اقترب رجل من إحدى العائلات الحليفة سابقًا لعائلة فيتالي. كان اسمه رافين. كان معروفًا بعلاقته المتوترة مع لوكا، ولم يخفِ يومًا أنه لا يراه مناسبًا لقيادة العائلة. ابتسم رافين ابتسامة باردة. — مبروك، لوكا. — شكرًا. ثم نظر إلى سولي. بقي صامتًا للحظات قبل أن يقول: — أما أنتِ... تغيرت ملامح سولي قليلًا. — أنا؟ ابتسم بسخرية. — كنت أتوقع أن تكون زوجة وريث فيتالي من عائلة تليق بهذا الاسم. ساد صمت قريب منهم. تجمدت سولي. أكمل الرجل: — لكن يبدو أن العائلة قررت هذه المرة أن توفر المال وتختار فتاة يتيمة بدلًا من ذلك. شعرت سولي وكأن الكلمات أصابتها في مكان حساس. لم تجب. خفضت عينيها فقط. لكن رافين تابع: — لا تأخذي الأمر بشكل شخصي. أنا فقط أقول الحقيقة. كان لوكا واقفًا بجانبها. لم يتحرك. ولثانية، ظن الجميع أنه سيتجاهل الكلام كما يفعل دائمًا. لكن لوكا التفت ببطء نحو رافين. كانت ملامحه هادئة. هادئة بشكل جعل الرجل يتوقف عن الابتسام. قال لوكا: — إذا كان لديك اعتراض على عائلة فيتالي، فتحدث معي. ثم نظر إلى سولي للحظة. وعاد بعينيه إلى الرجل. — أما زوجتي، فلست مضطرًا لأن أسمح لك بإهانتها أمامي. تغيرت ملامح رافين. أما سولي فرفعت عينيها نحو لوكا بدهشة. لم تتوقع منه أن يقول شيئًا. لم تتوقع أن يدافع عنها. ولوكا نفسه لم يفهم لماذا شعر بالانزعاج من كلام الرجل أكثر مما ينبغي. لكنه لم يسمح لأحد برؤية ذلك. قال ببرود: — أتمنى أن تكون تهنئتك انتهت. ساد الصمت. ثم ابتعد رافين دون أن يضيف شيئًا. بقيت سولي واقفة إلى جانب لوكا. كانت تنظر إليه بصمت. وأخيرًا قالت بصوت منخفض: — شكرًا. لم ينظر إليها. — لم أفعل شيئًا. ابتسمت سولي ابتسامة صغيرة. — بالنسبة إلي... فعلت. توقفت للحظة، ثم عادت تنظر إلى الضيوف. أما لوكا، فبقي صامتًا. لكن للمرة الأولى... لم يكن صمته يعني أنه لا يهتم.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا