LOGIN{فراغٌ لم يعتده}
دخل ضوء الصباح من بين ستائر الغرفة بهدوء. فتح لوكا عينيه ببطء. ظل للحظات مستلقيًا دون حركة، ثم تذكر أحداث الليلة الماضية. حاول أن يتحرك، لكنه شعر ببعض الألم في ذراعه، فتذكر كلام سولي. لا تحرك يدك كثيرًا. نظر إلى الجهة الأخرى من السرير. فارغة. رفع حاجبه قليلًا. كانت سولي قد استيقظت قبله. جلس على السرير، ثم لاحظ ورقة صغيرة موضوعة على الطاولة بجانب مكانه. مد يده وأخذها. كان خط سولي واضحًا على الورقة: > صباح الخير لوكا. ذهبت لزيارة جدتي اليوم، لا تقلق. أرجوك تناول فطورك، واشرب دواءك، ولا تحرك ذراعك كثيرًا. سأعود لاحقًا. — سولي بقي ينظر إلى الوجه المبتسم في نهاية الرسالة. ثم قال لنفسه: — غريبة... وضع الورقة جانبًا. نهض وارتدى ملابسه. لكن عندما خرج من الغرفة، توقف للحظة. لم يسمع صوتها. لا صوت خطواتها. لا صوت الخزائن وهي تُفتح. ولا صوتها وهي تتحدث مع إحدى الخادمات. لم يعطِ الأمر أهمية. في البداية. --- مر الصباح. جلس لوكا في مكتبه يحاول إنجاز بعض الأعمال، لكنه اكتشف أن هناك شيئًا ناقصًا. رفع عينيه عن الأوراق. عادةً في هذا الوقت كانت سولي تدخل وتضع أمامه كوبًا من القهوة أو تسأله إن كان قد تناول الطعام. لكنه لم يجد أحدًا. عاد إلى عمله. بعد ساعة، دخل أحد الخدم ووضع الطعام على الطاولة. نظر لوكا إليه. — أين سولي؟ توقف الخادم لحظة. — السيدة سولي ذهبت إلى منزل جدتها، سيدي. أومأ لوكا. — أعرف. خرج الخادم. بقي لوكا ينظر إلى الطعام. ثم تنهد. تناول وجبته بصمت. --- عند موعد الغداء، اجتمعت العائلة كالمعتاد. جلس الجميع حول الطاولة. لكن الكرسي المجاور للوكا كان فارغًا. نظر إليه دون أن يشعر. ثم عاد إلى طعامه. قال لورنزو: — يبدو أن سولي لم تعد بعد. — يبدو ذلك. قالها لوكا بهدوء. لكن عندما بدأت العائلة الحديث، لاحظ شيئًا غريبًا. كان هناك هدوء. سولي عادةً لم تكن كثيرة الكلام، لكنها كانت تخلق نوعًا من الحياة في المكان. تسأل عن الطعام. تساعد إحدى الخادمات. تبتسم عندما يقول لورنزو شيئًا مضحكًا. أو تحاول أن تتجنب نظرات إيلينا. الآن... لم يكن هناك شيء. أنهى لوكا طعامه بسرعة أكبر من المعتاد. ولم يعرف لماذا شعر أن الغداء انتهى أسرع من اللازم. --- في الجهة الأخرى من المدينة... كانت سولي تجلس بجانب جدتها في المنزل الصغير الذي عاشت فيه طوال حياتها. احتضنتها العجوز بقوة. — اشتقت لكِ يا طفلتي. ابتسمت سولي. — وأنا اشتقت لكِ أكثر. جلستا معًا لفترة طويلة. سألتها جدتها: — هل يعاملونك جيدًا؟ ترددت سولي. ثم ابتسمت. — الجميع... مشغولون. عرفت العجوز من نبرة صوتها أنها لم تجب بشكل كامل. — وماذا عن زوجك؟ احمر وجه سولي قليلًا. — لوكا؟ — نعم. خفضت عينيها. — هو... هادئ. ضحكت جدتها. — هذا كل شيء؟ ضحكت سولي أيضًا. — تقريبًا. ثم بدأت تخبرها عن القصر. عن المراسم. عن البيانو. وعن الطريقة التي وقف بها لوكا إلى جانبها عندما حاول أحدهم إهانتها. لم تقل لها شيئًا عن مشاعرها. لكن جدتها كانت تراقب ابتسامتها. قالت العجوز: — يبدو أنكِ بدأتِ تتعلقين بهذا المكان. توقفت سولي. — لا. ثم أضافت بسرعة: — أنا فقط... اعتدت عليهم. رفعت جدتها حاجبها. — اعتدتِ عليهم أم اعتدتِ على شخص معين؟ احمر وجه سولي بالكامل. — جدتي! ضحكت العجوز. — حسنًا، حسنًا. قضتا بقية النهار معًا. طبختا الطعام. تحدثتا عن الأيام القديمة. وضحتا على أشياء بسيطة. ولأول مرة منذ زواجها، شعرت سولي أنها تستطيع أن تكون نفسها دون أن تفكر في كل كلمة تقولها. لكن رغم ذلك... كلما سكتت للحظات، كانت صورة لوكا تظهر في ذهنها. كيف كان واقفًا أمامها. كيف أمسك بها عندما كادت تسقط. وكيف وقف أمام رافين. هزت رأسها بسرعة. لماذا أفكر فيه الآن؟ حاولت أن تشغل نفسها بحديث جدتها. لكنها لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهها. --- حل المساء. عاد القصر إلى هدوئه. كان لوكا قد انتهى من عمله. خرج من مكتبه وتوجه إلى الجناح. فتح الباب. توقف. الغرفة فارغة. نظر إلى السرير. كانت هناك مخدات مرتبة على أحد جانبيه. وعلى الطاولة كانت الورقة التي تركتها سولي صباحًا. رفعها مرة أخرى. قرأها. ثم نظر إلى الساعة. كانت متأخرة. قال بهدوء: — ألم تعد بعد؟ خرج من الغرفة واتجه إلى الطابق السفلي. وجد فيتوريو في إحدى القاعات. قال لوكا: — جدي. رفع فيتوريو رأسه. — ماذا؟ — سأذهب إلى منزل جدتها. نظر إليه فيتوريو باستغراب. — لماذا؟ — لقد تأخرت. ثم أضاف بهدوء: — سأعيدها. بقي فيتوريو ينظر إليه للحظات. ثم قال: — لا داعي. توقف لوكا. — لماذا؟ — سولي ستنام عند جدتها الليلة. اتسعت عينا لوكا قليلًا. — ستبقى هناك؟ — نعم. صمت. ثم أومأ بهدوء. — فهمت. عاد إلى جناحه. فتح الباب. وأغلقه خلفه. توقف وسط الغرفة. كان المكان نفسه. السرير نفسه. الأريكة نفسها. كل شيء في مكانه. ومع ذلك... بدا مختلفًا. أكثر فراغًا. جلس على طرف السرير. نظر إلى الجهة التي كانت سولي تنام فيها. ثم إلى صف المخدات الذي وضعته بينهما الليلة الماضية. مرر يده فوق إحداها. وتنهد. لم يفهم لماذا كان غيابها يزعجه. هي لم تكن تفعل شيئًا مهمًا. كانت فقط تجلس هنا. تسأله إن أكل. تضع له ملابسه. تتكلم أحيانًا. وتملأ الصمت الموجود في الغرفة. لكن الآن... كان الصمت أثقل. وفي منزل جدتها، كانت سولي تضحك وهي تجلس بجانب العجوز. كانت سعيدة. لكن قبل أن تنام، أخذت هاتفها ونظرت إلى الساعة. ترددت. ثم قالت بصوت خافت: — ترى... هل أكل؟ ابتسمت جدتها من مكانها. — يبدو أنكِ قلقة عليه. وضعت سولي الهاتف جانبًا بسرعة. — لا! فقط... لأنه مصاب. ضحكت جدتها. — بالطبع. استلقت سولي، وابتسمت رغمًا عنها. وفي الطرف الآخر من المدينة... كان لوكا مستلقيًا على السرير، ينظر إلى السقف. ولأول مرة منذ وقت طويل، كان ينتظر صباح الغد... لسبب لا يريد الاعتراف به حتى لنفسه.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا