Share

35

last update publish date: 2026-09-07 10:22:38

{العودة التي لم تكن في الحسبان }

كان المساء هادئًا داخل جناح لوكا.

كانت سولي جالسة تقرأ، بينما كان لوكا منشغلًا ببعض الأوراق، إلى أن وصل إلى مسامعهما صوت حركة في الطابق السفلي.

أصوات كثيرة...

وضَحكات وحديث متداخل.

رفعت سولي رأسها عن الكتاب.

— هل هناك أحد بالاسفل؟

رفع لوكا عينيه.

— يبدو ذلك.

أغلقت سولي الكتاب ووقفت.

— غريب... لم يخبرني احد إن هناك مناسبة.

لم يجبها لوكا.

نزلا معًا الدرج.

وكلما اقتربا من الصالة، أصبحت الأصوات أوضح.

عندما ظهرا عند آخر الدرج، توقفت سولي باستغراب.

كانت العائلة كلها تقريبًا مجتمعة.

لكن لم يكن هذا هو الشيء الغريب.

كانت هناك فتاة تقف بينهم.

شعرها مرتب بعناية، وملابسها أنيقة، وتبدو وكأنها تعرف أفراد العائلة جيدًا.

التفتت سولي إلى لوكا.

— هل هناك مناسبة اليوم؟

قبل أن يجيب، تحركت الفتاة فجأة.

اندفعت باتجاه لوكا.

وفي اللحظة نفسها، شعرت سولي بشخص يمر بجانبها، فاصطدمت بها الفتاة دون قصد، وفقدت سولي توازنها.

— آه!

كانت ستسقط، لكن يدًا أمسكت بذراعها بسرعة.

كان لورنزو.

— انتبهي.

— شكرًا...

لكن سولي لم تستطع إكمال كلامها.

لأنها رأت الفتاة وقد وصلت إلى لوكا.

عانقته بحماس شديد.

— لوكا! يا إلهي، اشتقت لك كثيرًا!

تجمدت سولي مكانها.

رمشت مرة.

ثم مرة أخرى.

لم تفهم ما الذي يحدث.

أما لوكا، فتوقف للحظة وكأنه لم يتوقع ظهورها.

— لورا...

ابتعدت الفتاة قليلًا، وهي تبتسم بسعادة.

— نعم! أنا.

ثم نظرت إليه من رأسه إلى قدميه.

— لم تتغير أبدًا.

بقي لوكا هادئًا، لكن عينيه تحركتا للحظة نحو سولي.

كانت تقف بجانب لورنزو، تنظر إليهما بصمت.

شعرها ما زال يحمل بعض الفوضى من نزولها السريع، وعيناها تحملان سؤالًا واضحًا:

من هذه؟

اقتربت إيزابيلا من الفتاة بابتسامة.

— لقد كبرتِ يا لورا.

ضحكت لورا.

— وأنا اشتقت لكم جميعًا!

ثم عادت بعينيها إلى لوكا.

— خصوصًا أنت.

شعرت سولي بوخزة صغيرة في صدرها.

لم تعرف لماذا.

هي لم تكن تعرف هذه الفتاة.

ولم يكن من حقها أن تشعر بشيء.

لكنها عندما رأت الطريقة التي كانت لورا تنظر بها إلى لوكا...

شعرت بأن شيئًا في داخلها أصبح غير مرتاح.

خفضت عينيها قليلًا.

أما لوكا، فلاحظ ذلك.

ولأول مرة منذ وصول لورا، لم يشعر بالفرح لعودتها.

كان الشيء الوحيد الذي يشغل باله هو...

لماذا بدت سولي حزينة؟

---

بقيت سولي واقفة إلى جانب لورنزو، تحاول أن تفهم ما الذي يحدث أمامها.

لم تكن تريد أن تبدو فضولية، لذلك اكتفت بالاستماع إلى الحديث الدائر بينهم.

كانت لورا تتحدث بحماس، وإيزابيلا تسألها عن سنوات سفرها، بينما كان ماركو يبتسم بين حين وآخر.

— لم أصدق أنكِ ستعودين بهذه السرعة، قالت إيزابيلا.

ضحكت لورا.

— وأنا أيضًا لم أخطط للعودة الآن، لكنني اشتقت إلى هذا المكان.

ثم التفتت إلى لوكا.

— خصوصًا أنني كنت أتمنى أن أكون هنا يوم زفافك.

رفعت سولي عينيها قليلًا.

زفافنا؟

تابعت لورا بابتسامة:

— كنت أريد أن أحضر، لكن موعد دراستي لم يسمح لي بالسفر.

هنا فهمت سولي شيئًا.

كانت لورا صديقة لوكا منذ طفولته، وقد كبرت معه في هذا القصر تقريبًا، قبل أن تسافر إلى الخارج للدراسة.

قال لورنزو وهو يضحك:

— لورا كانت دائمًا تلاحق لوكا عندما كنا صغارًا.

التفتت إليه لورا باعتراض.

— لم أكن ألاحقه!

ضحك لورنزو.

— كنتِ تفعلين ذلك فعلًا.

لأول مرة ابتسم لوكا ابتسامة صغيرة.

— كنتِ مزعجة.

وضعت لورا يدها على صدرها بتمثيل مبالغ فيه.

— وأنا التي كنت أعتقد أنك اشتقت إليّ!

ضحك بعض أفراد العائلة.

أما سولي، فبقيت صامتة.

كانت تسمعهم يتحدثون عن طفولة لم تكن جزءًا منها.

عن ذكريات مشتركة، وأماكن عاشوا فيها، وأشياء لا تعرف عنها شيئًا.

شعرت بغربة صغيرة.

فهي لم تكن تملك مثل تلك الذكريات.

طفولتها كانت مختلفة تمامًا.

ميتم، ثم جدتها، ثم هذا القصر الذي دخلته منذ وقت قصير.

خفضت عينيها.

لكن لورا لاحظتها أخيرًا.

اقتربت منها بابتسامة لطيفة.

— وأنتِ سولي، أليس كذلك؟

رفعت سولي رأسها وأومأت.

— نعم.

— آسفة، لم أقصد أن أفاجئك هكذا.

ابتسمت سولي بهدوء.

— لا بأس.

ثم سألت لورا:

— إذًا... أنتِ ولوكا تعرفان بعضكما منذ الطفولة؟

أومأت لورا.

— نعم، كنا قريبين جدًا عندما كنا صغارًا.

نظرت سولي إلى لوكا للحظة.

كان واقفًا بصمته المعتاد، يستمع إليهما.

لم تعرف لماذا شعرت أن تلك الجملة أثقلت قلبها قليلًا.

لكنها سرعان ما ابتسمت.

— هذا جميل.

ثم أبعدت نظرها عنهما.

أما لوكا، فلاحظ التغير الصغير في ملامحها.

ولم يعرف لماذا...

لكنه لم يحب رؤيتها هكذا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    138

    [حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها

  • حين أحببتكِ متأخرًا    137

    [ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب

  • حين أحببتكِ متأخرًا    136

    [ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت

  • حين أحببتكِ متأخرًا    135

    [ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر

  • حين أحببتكِ متأخرًا    134

    [حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه

  • حين أحببتكِ متأخرًا    133

    [بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status