Share

56

last update publish date: 2026-09-07 17:59:30

{رسالة لم تُرسل }

حلّ الليل بهدوء فوق القصر، وأصبحت الممرات شبه خالية.

بعد يوم طويل في الحديقة، عادت سولي إلى غرفتها بخطوات بطيئة. وضعت كتابها على الطاولة، ثم نظرت تلقائيًا نحو المكان الذي اعتاد لوكا أن يضع فيه حقيبته.

كان فارغًا.

توقفت للحظة.

منذ أن سافر، أصبحت تلاحظ الأشياء الصغيرة التي لم تكن تنتبه إليها من قبل.

الكرسي الذي كان يجلس عليه.

الكوب الذي كان يتركه أحيانًا على الطاولة.

حتى الصمت بدا مختلفًا عندما لم يكن موجودًا.

جلست سولي على طرف السرير، ثم أخذت هاتفها.

فتحت المحادثة مع لوكا.

كتبت:

"أتمنى أن تكون بخير... اشتقت لك."

بقيت تنظر إلى الجملة طويلًا.

ثم مسحتها.

كتبت من جديد:

"لا تتعب نفسك، وكل جيدًا."

ابتسمت بحزن.

— هذه أفضل...

لكنها لم ترسلها أيضًا.

أغلقت الهاتف ووضعته جانبًا.

ثم وقفت لتبدل ملابسها، وحين فتحت خزانة لوكا لتضع بعض الملابس التي كانت قد غسلتها، توقفت.

كان هناك قميص أسود تركه قبل سفره.

أخذته دون تفكير.

جلست على السرير وهي تمسكه بين يديها.

— يومان فقط...

همست بها وكأنها تحاول إقناع نفسها.

ثم استلقت، ووضعت القميص بجانبها.

لكن التعب غلبها سريعًا.

وبعد دقائق، كانت قد نامت وهي ممسكة بطرف القميص دون أن تشعر.

---

وفي الوقت نفسه، كان لوكا في الفندق بإيطاليا.

كان الليل قد تأخر، لكنه لم يستطع النوم.

جلس قرب النافذة، ينظر إلى أضواء المدينة.

أمسك هاتفه وفتح محادثة سولي.

لم يكن هناك أي رسالة جديدة.

تنهد.

ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة عندما تذكر صوتها قبل سفره:

"اهتم بنفسك."

وضع الهاتف جانبًا.

— يبدو أنني اشتقت إليها أسرع مما توقعت...

قالها لنفسه، ثم ضحك بخفة.

كان يريد الاتصال بها.

لكن عندما نظر إلى الساعة، تراجع.

ربما تكون نائمة.

لم يكن يعرف أنها في تلك اللحظة كانت فعلًا نائمة...

وبين ذراعيها شيء تركه هو خلفه.

---

في الصباح، دخلت إحدى الخادمات الغرفة لتفتح الستائر، ثم توقفت عندما رأت سولي نائمة بهدوء، والقميص الأسود بين ذراعيها.

ابتسمت بخفة، وأغلقت الباب دون أن تزعجها.

أما سولي، فكانت لا تزال غارقة في النوم...

وكأنها وجدت طريقة صغيرة لتشعر أن لوكا لم يبتعد عنها كثيرًا.

---

استيقظت سولي على ضوء الشمس المتسلل من بين الستائر.

فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق بالسقف قبل أن تتذكر أين هي.

ثم شعرت بشيء بين ذراعيها.

نظرت إلى القميص الأسود، واتسعت عيناها قليلًا.

— يا إلهي...

جلست بسرعة ووضعت القميص جانبًا، وشعرت بالحرج من نفسها.

لكن ابتسامة صغيرة ظهرت على وجهها.

— يبدو أنني اشتقت إليه فعلًا...

ثم اختفت ابتسامتها تدريجيًا.

تذكرت أن لوكا بعيد، وأن أمامها يومًا آخر من دون وجوده.

نهضت واتجهت نحو الطاولة، حيث كانت علبة دوائها.

أخذت الجرعة التي وصفها لها الطبيب مع كوب من الماء، ثم جلست للحظات.

لكن ما إن وضعت الكوب جانبًا حتى عادت إليها ذكرى ذلك اليوم في المستشفى.

صوت الطبيب الهادئ...

والكلمات التي حاولت منذ ذلك الوقت ألا تفكر بها.

"الوقت يمر، سولي... حالتك تحتاج متابعة مستمرة."

أخفضت عينيها.

كانت تعرف أن كل يوم يمر يجعلها أقرب إلى الحقيقة التي تحاول الهروب منها.

وضعت يدها فوق صدرها بهدوء.

— يوم آخر...

همست.

ثم نظرت إلى القميص الموجود على السرير.

— لكن لوكا سيعود.

ابتسمت رغم الحزن.

كانت لا تريد أن تقضي الأيام المتبقية وهي خائفة.

إذا كان الوقت يمضي فعلًا، فهي تريد أن تملأه بأشياء جميلة.

ذكريات.

ضحكات.

وورودًا كثيرة.

رفعت رأسها وكأنها اتخذت قرارًا.

— عندما يعود... سأخبره أنني اشتقت إليه.

ثم احمر وجهها قليلًا.

— لا... مستحيل.

ضحكت على نفسها.

لكن في أعماقها، كانت تعرف شيئًا واحدًا:

كل يوم يمر يجعل وجود لوكا في حياتها أغلى بالنسبة إليها.

أخذت القميص وعلّقته في مكانه، ثم ارتدت ملابسها واستعدت للنزول.

وقبل أن تغادر الغرفة، توقفت للحظة ونظرت إلى هاتفها.

كانت الرسالة التي كتبتها بالأمس لا تزال محفوظة في المسودة.

قرأتها مرة أخرى.

ثم ابتسمت.

— سأرسلها عندما يعود.

وأغلقت الهاتف.

دون أن تعرف أن ذلك الوعد البسيط قد يصبح أهم رسالة في حياتها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    138

    [حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها

  • حين أحببتكِ متأخرًا    137

    [ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب

  • حين أحببتكِ متأخرًا    136

    [ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت

  • حين أحببتكِ متأخرًا    135

    [ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر

  • حين أحببتكِ متأخرًا    134

    [حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه

  • حين أحببتكِ متأخرًا    133

    [بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status