LOGIN{ لقاء لم يكن في الحسبان }
في اليوم التالي، وبعد أن أمضت سولي وقتًا طويلًا في الحديقة، قرر لورينزو أن يخرجها قليلًا من القصر. — نحتاج إلى أشياء جديدة للحديقة، أليس كذلك؟ ابتسمت سولي. — نعم، لكن لا تقل إنك ستختارها بدلًا مني. — بعد حادثة الوردة الأخيرة؟ بالتأكيد سأختارها. ضحكت، ثم رافقته إلى السيارة. بعد وقت قصير وصلا إلى مركز تسوق كبير. تجولا بين المحلات، وكانت سولي تختار أوعية صغيرة للزهور وبعض الأدوات التي تحتاجها للحديقة. وفجأة توقفت. — لحظة... نظر لورينزو إليها. — ماذا؟ أشارت إلى فتاة كانت تقف بالقرب من متجر للكتب. — تلك... أعرفها! اتجهت إليها بسرعة. — إيلارا! التفتت الفتاة، وما إن رأت سولي حتى اتسعت عيناها بسعادة. — سولي؟! تعانقتا بحماس. كانت إيلين فتاة جميلة، بشعر عسلي ناعم وعينين خضراوين، وقد أخبرت سولي سابقًا أن عائلة ثرية تبنتها وهي صغيرة ومنحتها حياة مستقرة. بدأتا تتحدثان عن السنوات التي مرت منذ آخر لقاء بينهما. أما لورينزو، فكان يقف على بعد خطوات. وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يكن يفكر في سولي ولا في لوكا ولا حتى في مشاكل العائلة. كانت عيناه معلقتين بإيلين. لاحظ ابتسامتها، وطريقة حديثها الهادئة، وشعر فجأة أنه فقد القدرة على التركيز. رفعت سولي عينيها نحوه. وجدته ما يزال ينظر إلى إيلين. ضيقت عينيها بمكر. ثم تقدمت نحوه... ودعست على قدمه. — آه! انتبه لورينزو فجأة. — ماذا تفعلين؟! ابتسمت سولي ببراءة. — لا شيء. ثم اقتربت منه وهمست: — هل ستظل تحدق بها هكذا؟ احمر وجهه قليلًا. — أنا لم أكن أحدق. — طبعًا. ضحكت، ثم عادت إلى إيلين. بعد قليل، ودعت إيلين سولي وغادرت. بقي لورينزو ينظر إلى الاتجاه الذي اختفت فيه. سألته سولي: — أعجبتك؟ — من؟ — إيلارا. تلعثم قليلًا. — لا... أقصد... ربما. رفعت سولي حاجبها. — ربما؟ تنهد. — لا أعرف. ابتسمت سولي. — أعتقد أنك وقعت في الحب. — سولي! ضحكت وهي تتجه نحو السيارة. — ماذا؟ أنا فقط أقول الحقيقة. --- بعد أن وصلا إلى السيارة، وضعت سولي الأغراض في المقعد الخلفي. لكن قبل أن تفتح الباب، توقفت. شعرت فجأة بدوار قوي. اختفت الأصوات من حولها للحظات، وأصبح كل شيء ضبابيًا. وضعت يدها على السيارة محاولةً التمسك بها. — سولي؟ لم تجبه. ترنحت خطوة إلى الخلف. وقبل أن تسقط، أمسك لورينزو بذراعها وأسندها إليه. — سولي! فتحت عينيها بصعوبة. — أنا... بخير. نظر إلى وجهها الشاحب بقلق. — هذا ليس شكل شخص بخير. حاولت الابتسام. — فقط تعبت قليلًا. لكن لورينزو لم يقتنع هذه المرة. كان قد لاحظ منذ أيام أنها تتعب بسرعة، والآن رأى بعينيه كيف كادت تفقد توازنها. قال بجدية: — سنعود إلى القصر. — لكن... — لا نقاش. نظرت إليه للحظة، ثم أومأت بهدوء. وأثناء جلوسها في السيارة، بقي لورينزو يفكر في شيء واحد: هناك شيء تخفيه سولي عن الجميع... وربما حان الوقت ليعرف ما هو. --- {الحقيقة التي أخفتها } بعد أن جلسَت سولي في السيارة، ظل لورينزو صامتًا طوال الطريق. كان يراقبها بين الحين والآخر، وهي جالسة قرب النافذة وتحاول أن تبدو طبيعية. لكن شحوب وجهها لم يختفِ. وحين وصلوا إلى أحد الشوارع، انعطف لورينزو بالسيارة إلى اتجاه مختلف. رفعت سولي رأسها باستغراب. — لورينزو... هذا ليس طريق القصر. — أعرف. — إلى أين نحن ذاهبان؟ لم يجبها مباشرة. وبعد دقائق توقفت السيارة أمام مستشفى. اتسعت عينا سولي. — لا. نظر إليها. — سولي... — أنا بخير، لورينزو. قلت لك، فقط شعرت بالدوار. فتحت الباب وكأنها تريد النزول، لكنه أوقفها بنبرة حازمة: — لن أعود إلى القصر قبل أن تطمئن الدكتورة عليكِ. — لكنني لا أريد! — وأنا لا أستطيع أن أتظاهر بأنني لم أرَ ما حدث. نظرت إليه بصمت. — لوكا طلب مني الاهتمام بكِ، وأنا سأفعل ذلك. خفضت عينيها. — لا أريد أن يعرف أحد... هدأت نبرة لورينزو. — لن أخبر أحدًا قبل أن أفهم ما الذي يحدث معكِ. بعد لحظات، وافقت سولي مرغمة. دخلت معه إلى المستشفى، وبعد فترة قصيرة كانت الطبيبة تفحصها وتسألها عن الأعراض التي شعرت بها مؤخرًا. كانت سولي تجيب باقتضاب. — تعب... دوخة أحيانًا... وأحيانًا أشعر أنني لا أستطيع القيام بأشياء كنت أفعلها بسهولة. كانت الطبيبة تدون الملاحظات، ثم طلبت منها إجراء بعض الفحوصات. جلس لورينزو في الخارج ينتظر. مر الوقت ببطء. وحين خرجت الطبيبة، كانت ملامحها جادة. — هل أنت قريب لها؟ — أنا ابن عم زوجها. ترددت الطبيبة لحظة. — النتائج تحتاج متابعة مع طبيب القلب، لكن من الواضح أن حالتها ليست مجرد إرهاق عابر. هي أخبرتني أنها تتابع علاجًا منذ فترة، أليس كذلك؟ تجمد لورينزو. — نعم... — إذًا يجب ألا تتوقف عن المتابعة أو الدواء، ويجب أن تلتزم بتعليمات طبيبها. حالتها تحتاج عناية جدية. لم يسمع لورينزو بقية الجملة جيدًا. كان ينظر إلى الباب فقط. وحين خرجت سولي، كانت تعرف من وجهه أنه فهم شيئًا. اقترب منها. — منذ متى؟ لم تجبه. — سولي... منذ متى وأنتِ تعرفين؟ خفضت رأسها. — منذ فترة. — ولماذا لم تخبري أحدًا؟ ارتجفت أصابعها. — لأنني لم أكن أريد أن يعاملني أحد وكأنني مريضة. ثم رفعت عينيها إليه. — أرجوك يا لورينزو... توقف. — لا تخبر لوكا. اتسعت عيناه. — سولي. — أرجوك. كانت تحاول حبس دموعها. — هو بعيد الآن، وعنده عمل... لا أريد أن يعود وهو خائف بسببي. — لكنه زوجك. — أعرف. ابتلعت غصتها. — لكن لو عرف... سيبدأ بالابتعاد عني أكثر. أو سيشعر بالذنب. وأنا لا أريد ذلك. ظل لورينزو صامتًا. ثم قال بهدوء: — لن أعدك أنني سأخفي الأمر إلى الأبد. نظرت إليه بخوف. — لكنني سأعطيكِ بعض الوقت. أغمضت عينيها براحة، وسقطت دمعة صغيرة على خدها. — شكرًا... تنهد لورينزو. — ولكن من الآن فصاعدًا، لن تذهبي لأي مكان وحدكِ. نظرت إليه باستغراب. — ماذا؟ — هذه ليست مناقشة. حاولت الاعتراض: — لورينزو... — وأنا جاد. ثم أضاف بنبرة أخف: — لوكا سيقتلني إذا عدتِ إليه وأنتِ أسوأ مما خرجتِ به. ضحكت سولي رغم دموعها. — لا تخبره إذًا. ابتسم لورينزو بحزن. — هذا ما يخيفني بالضبط... أنكِ تضحكين وأنتِ تخفين عنه شيئًا بهذا الحجم.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا