LOGIN{قلادة مميزة}
بقي لوكا واقفًا أمام الطاولة، وعيناه تتنقلان بين الفوانيس والزهور والكعكة الصغيرة. أما سولي فكانت تراقب وجهه بقلق واضح. اقتربت منه قليلًا وقالت: — هل أعجبتك المفاجأة؟ نظر إليها. — نعم. كانت إجابته بسيطة، لكنها شعرت بصدقها. ابتسمت سولي بسعادة. — حقًا؟ — حقًا. ثم أشارت إلى الكعكة. — إذًا اجلس. جلس لوكا أمام الكعكة، بينما وقفت سولي إلى جانبه وأشعلت الشموع واحدة تلو الأخرى. انعكست أضواء الشموع الصغيرة في عينيه الداكنتين. قالت سولي بابتسامة: — الآن... تمنى أمنية. نظر لوكا إلى الشموع. — لم أفعل هذا منذ سنوات. — اليوم ستفعل. ضحك بخفة. — وهل سأحصل على ما أتمنى؟ — لا أعرف. ثم أضافت: — لكن عليك أن تتمنى أولًا. ظل ينظر إلى الشموع لثوانٍ. لم يكن يعرف ماذا يتمنى. للمرة الأولى، شعر أن الأشياء التي كان يعتقد أنه يحتاج إليها لم تعد مهمة كما كانت. ثم أغلق عينيه للحظة. وتمنى أمنية لم يخبر بها أحدًا. نفخ الشموع. صفقت سولي بسعادة. — عيد ميلاد سعيد! ثم مدت يدها نحو الطاولة وأخذت العلبة الصغيرة. — وهذه... لك. نظر لوكا إلى العلبة. — هدية أخرى؟ أومأت. — افتحها. فتحها ببطء. توقف للحظة. داخلها كانت هناك قلادة فضية بسيطة، على شكل أجنحت طائر،وفي الوسط كان هناك حجر أزرق داكن. كانت الحجر مصممة بطريقة ناعمة، وكانت أجنحت الطائر تحيط بالحجر وتحميه. رفع لوكا القلادة بين أصابعه. ثم قلبها. وعلى ظهر الأجنحة كانت هناك عبارة محفورة بخط صغير: "أبتسم ،لأن الابتسامه تليق بك." بقي يقرأها بصمت. اقتربت سولي وقالت: —أعجبتك؟ رفع عينيه إليها. — لماذا اخترتِ هذه؟ ابتسمت بخجل. — لأنني عندما رأيت الحجر... تذكرتك. نظر إلى الحجر الأزرق. ثم إليها. — تذكرتِني بحجر؟ ضحكت سولي. — لا... خفضت عينيها للحظة. — بالحجر الذي يبدو باردًا... لكنه جميل عندما تنظر إليه عن قرب. سكت لوكا تمامًا. لم يجد ردًا مناسبًا. فقط بقي ينظر إليها، ثم إلى القلادة في يده. كانت هدية بسيطة. لكنها حملت شيئًا لم يحصل عليه من قبل. اهتمامًا صادقًا. رفع القلادة ووضعها حول عنقه. توقفت سولي عن الكلام. نظرت إليه بدهشة. — ستلبسها؟ لمس لوكا الحجر الأزرق بأصابعه. — نعم. — لكن... هي بسيطة. نظر إليها. — لهذا السبب أحببتها. ثم أضاف بهدوء: — ولأنكِ اخترتها. شعرت سولي بحرارة خفيفة في وجهها. ابتسمت. وفي تلك اللحظة، لم تكن تعرف أن تلك القلادة الصغيرة ستصبح يومًا ما أكثر من مجرد هدية. فالزهرة التي جمعت بينهما... والحجر الأزرق الداكن الذي اختارته له... سيحملان ذكرى ستبقى مع لوكا حتى في الأيام التي لن تكون فيها سولي إلى جانبه. بقيت سولي تنظر إلى القلادة حول عنق لوكا، وكأنها لا تزال غير مصدقة أنه ارتداها فعلًا. ثم ابتسمت وقالت: — إنها مناسبة لك. رفع لوكا عينيه إليها. — أنتِ من اخترتها، لذلك لا أعتقد أن رأيكِ محايد. ضحكت سولي. — ربما. جلست أمامه، ثم قطعت قطعة صغيرة من الكعكة ووضعتها في طبقه. — والآن عليك أن تأكل. نظر لوكا إلى الكعكة. — أنتِ من صنعتها؟ — حاولت. — حاولت؟ — لا تجعلني أندم على الهدية. ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أخذ قطعة منها. راقبته سولي باهتمام. — هل هي جيدة؟ مضغها بهدوء، ثم قال: — ليست سيئة. فتحت عينيها بدهشة. — ليست سيئة؟! ضحك بخفة. — إنها جيدة. — كنت ستقول إنها ليست سيئة فقط؟ — أردت أن أرى رد فعلك. عبست سولي. — أنت مزعج. لكنها ضحكت بعد لحظات. كان الجو مختلفًا عن كل ليلة عاشاها في القصر. لا توتر. لا نظرات أفراد العائلة. لا قوانين. فقط هما، وسط الحديقة الهادئة. وبعد أن انتهيا من الكعكة، وقفت سولي وأشارت إلى الطاولة. — لدي شيء آخر. نظر إليها باستغراب. أخذت ورقة صغيرة كانت مخبأة بجانب الهدية، ومدتها إليه. فتحها. كانت تحتوي على قائمة قصيرة. رفع حاجبه. — ما هذا؟ — أشياء أتمنى أن تفعلها في عامك الجديد. قرأ أول سطر. "أن تبتسم أكثر." ثم الثاني: "أن ترتاح عندما تتعب." ثم الثالث: "ألا تحمل كل شيء وحدك." توقف عند السطر الأخير. "وأن تجد شيئًا يجعلك سعيدًا، حتى لو كان بسيطًا." ظل صامتًا. لاحظت سولي تغير ملامحه. — هل القائمة غريبة؟ أغلق الورقة بهدوء. — لا. ثم نظر إليها. — لكنها أكثر هدية غير متوقعة حصلت عليها. ابتسمت. — إذًا احتفظ بها. وضعها في جيب سترته بعناية. ثم رفع يده ولمس الحجر الأزرق عند عنقه. قال بهدوء: — سأحتفظ بها. جلست سولي من جديد، وأسندت ظهرها إلى الكرسي. وبعد لحظات، قالت: — لوكا؟ — نعم؟ — أتمنى أن يكون عامك القادم أفضل من كل السنوات الماضية. نظر إليها طويلًا. ثم أجاب: — أعتقد أنه بدأ بالفعل. توقفت سولي. — لماذا؟ لم يجب مباشرة. فقط نظر إلى القلادة التي اختارتها له، ثم عاد بنظره إليها. — لأن أحدًا تذكرني هذه المرة. شعرت سولي بشيء دافئ في صدرها. ابتسمت له. أما لوكا، فبقي هادئًا من الخارج. لكنه في داخله كان يعرف شيئًا واحدًا: لم تعد هذه الليلة مجرد عيد ميلاد. لقد أصبحت أول ذكرى جميلة يريد الاحتفاظ بها إلى الأبد.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا