تسجيل الدخولبعد مغادرة سارة مكتب سيف، توجه الجميع إلى قاعة الاجتماعات لاستكمال إجراءات توقيع عقد التعاون.
استغرق الاجتماع ما يقارب الساعة، تمت خلاله مراجعة جميع بنود العقد بندًا بندًا، بينما تولى المستشار القانوني للشركة، الأستاذ خالد، شرح الجوانب القانونية والالتزامات المترتبة على الطرفين. قرأت رزان العقد بعناية، وأبدت بعض الملاحظات البسيطة التي دُوِّنت قبل التوقيع، ثم وقع الجميع النسخ الرسمية، ليصبح التعاون بين الطرفين ساريًا بشكل رسمي. أغلق الأستاذ خالد الملف مبتسمًا وقال: "مبارك للطرفين، ونتمنى أن يكون هذا التعاون بداية شراكة ناجحة." ابتسمت رزان قائلة: "شكرًا لكم." وعند خروجهم من قاعة الاجتماعات، اقترب منها شهاب وهمس مبتسمًا: "مبارك يا رزان." بادلته الابتسامة وقالت: "شكرًا لك." ثم اقترح شهاب: "ما رأيكم أن نتناول الغداء معًا احتفالًا بتوقيع العقد؟" وافق الجميع، واتجهوا إلى أحد المطاعم الراقية القريبة من الشركة. ما إن دخلوا المطعم حتى رحب بهم مديره بنفسه، فقد كان يعرف سيف وشهاب معرفة جيدة، ثم اصطحبهم إلى غرفة خاصة اعتادا عقد اجتماعات العمل فيها. جلس سيف في أحد جانبي الطاولة، وجلست رزان في الجهة المقابلة له، بينما جلس شهاب إلى جوارها، والأستاذ خالد إلى جوار سيف. بعد دقائق، حضر الطعام، وانشغل الجميع بتناوله. دار الحديث أغلب الوقت حول العمل، وخطة تنفيذ المشروع، والمواعيد المتوقعة لبدء الاختبارات المخبرية. كان شهاب أكثرهم حديثًا، ينتقل بين النقاش والمزاح بخفة، بينما كان سيف يجيب عندما يُوجَّه إليه الحديث، ثم يعود إلى تناول طعامه بهدوء. أما رزان، فكانت تشاركهم الحديث كلما دعت الحاجة، وتستمع باهتمام لبقية التفاصيل. وقبل انتهاء الغداء، رن هاتف شهاب. نظر إلى الشاشة ثم اعتذر قائلًا: "اعذروني، يبدو أن هناك أمرًا عاجلًا في الشركة." سأله سيف: "هل هناك مشكلة؟" هز شهاب رأسه مطمئنًا. "لا، مجرد بعض المسائل المتعلقة بالعمل، سأتعامل معها وأعود." أومأ سيف برأسه. "حسنًا." وقف شهاب، ثم التفت إلى رزان مبتسمًا. "أراك لاحقًا." "إلى اللقاء." غادر شهاب، وبعد دقائق أنهى الأستاذ خالد غداءه هو الآخر. وقف وهو يجمع ملفاته وقال: "سأسبقكم إلى الشركة، لدي بعض الأعمال القانونية." صافحهما وغادر. لم يبقَ في الغرفة سوى رزان وسيف. أنهت رزان كوب الماء، شعرت رزان بالإحراج لبقائهم لوحدهم ثم وقفت قائلة: "شكرًا لكم على الدعوة." أومأ سيف برأسه باقتضاب. "على الرحب." ردت رزان: علي الذهاب الآن. خرجا من المطعم كلٌّ متجهًا نحو سيارته. وما إن اقتربت رزان من سيارتها حتى لاحظت أن أحد الإطارات قد فرغ تمامًا من الهواء. انحنت قليلًا لتتفقده، ثم زفرت بهدوء. "يبدو أن الإطار قد ثُقب..." أخرجت هاتفها لتطلب سيارة أجرة. وفي تلك اللحظة، توقفت سيارة سيف إلى جانبها. خفض السائق النافذة قليلًا، بينما قال سيف من المقعد الخلفي بنبرة هادئة: "تفضلي، سنوصلك." التفتت إليه وقالت بأدب: "شكرًا لك، لا داعي لذلك، سأطلب سيارة أجرة." أجاب بهدوء: "في هذا الوقت قد تتأخر سيارات الأجرة." ثم أضاف: "اصعدي." ترددت رزان للحظات، ثم رأت أن عرضه هو الحل الأسرع. فتحت الباب وجلست في المقعد الخلفي، محافظة على مسافة مناسبة بينهما. وقالت: "أشكرك، سيد سيف." أومأ برأسه فقط، ثم قال للسائق: "انطلق." تحركت السيارة بهدوء. وبعد دقائق، قال سيف دون أن يلتفت إليها: "سأتواصل مع قسم الخدمات في الشركة، وسيرسلون سيارتك إلى مركز الصيانة، وبعد الانتهاء من إصلاحها ستصل إلى منزلك." التفتت إليه وقالت: "هذا لطف منك، لكنني سأتكفل بجميع تكاليف الإصلاح." أجاب باقتضاب: "كما تشائين." وعاد الصمت ليملأ السيارة. لم يحاول أيٌّ منهما فتح حديث. كان السائق يواصل القيادة بهدوء، بينما انشغل سيف بالاطلاع على بعض الرسائل الواردة إلى هاتفه، واكتفت رزان بالنظر عبر نافذة السيارة. وبعد مرور بعض الوقت، أشارت إلى أحد الشوارع. "يمكنكم التوقف هنا، لقد اقتربت من المنزل، سأكمل الطريق سيرًا." رفع سيف نظره عن هاتفه، وتأمل الشارع للحظة، ثم قال للسائق بهدوء: "توقف." توقفت السيارة. فتحت رزان الباب، ثم التفتت إليه بابتسامة رقيقة. "شكرًا لك مرة أخرى، سيد سيف." التقت عيناهما لثوانٍ قصيرة، لكنها بدت أطول مما ينبغي. أجاب بصوته الهادئ: "عفوًا... اعتني بنفسك." ارتبكت رزان قليلًا من كلماته، وأومأت برأسها مبتسمة. "وأنت أيضًا." أغلقت الباب برفق، وسارت بضع خطوات، لكنها شعرت بنظرة تلاحقها. التفتت دون وعي، لتجد سيف لا يزال ينظر من نافذة السيارة، وما إن التقت عيناهما مجددًا حتى أشاح ببصره بهدوء، وأمر السائق بالانطلاق. ابتسمت رزان ابتسامة لم تستطع تفسيرها، بينما اختفت السيارة تدريجيًا في نهاية الشارع. مرّ ذلك اليوم كلمح البصر بالنسبة إليها، لكن صورة عينيه الهادئتين بقيت ترافقها حتى أغمضت عينيها تلك الليلة.في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:
الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء
توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم
لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن
تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ
في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ







