Share

الفصل 16

last update publish date: 2026-07-14 03:03:57

غرقت المختبرات في ظلام دامس.

توقفت أجهزة التحليل دفعة واحدة، وانطلق صوت إنذار قصير مزعج.

اتسعت عينا رزان.

"لا..."

اتجهت بسرعة نحو الجهاز الرئيسي.

كانت التجربة الأخيرة ما تزال قيد التشغيل.

إذا توقفت الآن...

فستضيع ساعات طويلة من العمل.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت بتنفيذ إجراءات الإيقاف الاضطراري التي تعلمتها في أول يوم لها داخل المختبر.

كانت تتحرك بسرعة، لكن دون ارتباك.

وبعد لحظات قليلة...

اشتغلت المولدات الاحتياطية، وعادت الإضاءة تدريجيًا إلى المختبر.

تنفست رزان الصعداء.

لكن أحد الأجهزة لم يعد إلى العمل.

حدقت في شاشته.

لا استجابة.

حاولت تشغيله مرة أخرى...

دون جدوى.

وفي تلك اللحظة...

فُتح باب المختبر.

التفتت لتجد رجل الأمن يقف عند الباب، وخلفه سيف.

كان لا يزال يرتدي بدلته الرسمية، ويبدو أنه لم يغادر الشركة بعد.

ألقى نظرة سريعة على المختبر، ثم قال بهدوء:

"هل أنت بخير؟"

أومأت رزان.

"نعم... لكن جهاز التحليل توقف عن العمل، وكانت التجربة في مراحلها الأخيرة."

اقترب سيف من الجهاز، ثم نظر إلى الشاشة المعتمة.

وسأل:

"هل يمكن استعادة البيانات؟"

هزت رأسها.

"إذا لم يعد الجهاز للعمل خلال دقائق... فسنعيد التجربة من البداية."

ساد صمت قصير.

ثم التفت سيف إلى رجل الأمن.

"استدعِ مهندس الصيانة المناوب حالًا."

"حاضر، سيدي."

غادر رجل الأمن مسرعًا.

بينما بقي سيف واقفًا يتابع ما يحدث دون أن يتدخل.

بعد أقل من عشر دقائق، وصل مهندس الصيانة، وتمكن من إعادة تشغيل الجهاز قبل ضياع بيانات التجربة.

راقبت رزان الشاشة بترقب.

ثم ظهرت جميع القراءات محفوظة كما هي.

أطلقت زفرة ارتياح، وأغمضت عينيها لثوانٍ.

"الحمد لله..."

قال مهندس الصيانة مبتسمًا:

"لم نفقد شيئًا."

التفتت رزان إليه قائلة بامتنان:

"شكرًا لك."

ثم نظرت إلى سيف.

"وأشكرك أيضًا، سيد سيف."

أجابها بهدوءه المعتاد:

"لا داعي للشكر."

ثم أضاف وهو ينظر إلى ساعة يده:

"العمل مهم... لكن الإرهاق سبب لكثير من الأخطاء."

التزمت الصمت للحظة.

ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

"سأحاول أن أتذكر ذلك."

أومأ برأسه، ثم استدار متجهًا نحو الباب.

وقبل أن يخرج، قال دون أن يلتفت:

"لا تتأخري أكثر."

ثم غادر.

بقيت رزان تنظر إلى الباب الذي أغلق خلفه، قبل أن تلتفت مجددًا إلى شاشة الجهاز.

ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها.

ليس فقط لأن سيف أنقذ الموقف...

بل لأن حلمها...

نجا هو الآخر من الضياع

مرّت الأيام التالية بهدوء، وعادت المختبرات إلى وتيرتها المعتادة.

كانت رزان تواصل العمل على مشروعها بكل شغف، تتنقل بين أجهزة التحليل، وتراجع نتائج الاختبارات واحدة تلو الأخرى، بينما بدأ الفريق يلمس التقدم الواضح الذي يحرزه المشروع يومًا بعد يوم.

وفي صباح ذلك اليوم...

كانت شركة رأفت تشهد حركة غير اعتيادية.

فقد أعلن موظفو الاستقبال أن رئيس مجلس الإدارة سيقوم بزيارة مفاجئة إلى الشركة.

ساد النشاط في جميع الأقسام، وحرص الجميع على التأكد من سير العمل على أكمل وجه.

أما رزان، فلم تكن تعلم شيئًا عن هوية الزائر.

كانت منشغلة في مراجعة إحدى نتائج الاختبارات عندما خرجت من المختبر متجهة إلى قسم الأرشيف لإحضار بعض الملفات.

وفي الممر المؤدي إلى المصاعد...

لمحت رجلًا مسنًا يقف أمام لوحة تعريف الأقسام، يتأملها بعينين ضيقتين، وكأنه يحاول العثور على وجهته.

كان في أواخر السبعينيات من عمره، طويل القامة، أنيق الهيئة، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، ويتكئ على عصا خشبية أنيقة، إلا أن ملامحه كانت توحي بالوقار أكثر من التقدم في السن.

اقتربت منه رزان بابتسامة مهذبة.

"صباح الخير، هل يمكنني مساعدتك؟"

التفت إليها الرجل، ثم بادلها الابتسامة.

"يبدو أنني أخطأت الطريق. أبحث عن قسم الأبحاث والتطوير."

قالت بلطف:

"أنا ذاهبة إلى هناك، تفضل... سأرافقك."

ابتسم الرجل وقال:

"أشكرك يا ابنتي."

سارا معًا في الممر بهدوء.

ولم تشأ رزان أن تتركه يسير وحده، فخففت من سرعتها لتناسب خطواته.

سألها الرجل بعد لحظات:

"هل تعملين هنا منذ مدة؟"

أجابته بابتسامة:

"ليس منذ وقت طويل... لكنني أشعر وكأن المكان أصبح جزءًا مني."

نظر إليها بإعجاب.

"يبدو أنك تحبين عملك."

قالت بثقة هادئة:

"إذا لم يحب الإنسان ما يفعله... فلن يبدع فيه."

ابتسم الرجل ابتسامة عميقة، ولم يعلق.

وحين وصلا إلى قسم الأبحاث، فتحت له الباب قائلة:

"تفضل... لقد وصلنا."

شكرها بلطف، ثم دخل، بينما استأذنت هي وعادت إلى المختبر لمتابعة عملها.

بقي الرجل يراقبها حتى اختفت خلف الباب.

ثم التفت إلى أحد الموظفين وسأله:

"من هذه الفتاة؟"

أجاب الموظف باحترام:

"إنها الآنسة رزان الكيلاني، صاحبة مشروع مستحضرات العناية بالبشرة الذي تتبناه الشركة."

ساد الصمت لثوانٍ.

ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامة هادئة، وهمس لنفسه:

"الكيلاني....؟

توقفت عصاه للحظة على الأرض.

"يا لها من صدفة..."

عاد به الزمن سنوات طويلة إلى الوراء...

إلى صديق قديم جمعته به أيام الشباب، ورحلة طويلة من الكفاح، قبل أن تفرق بينهما ظروف الحياة.

ابتسم بخفة وهو يتمتم:

"لم أتوقع أن ألتقي بحفيدته يومًا.

ثم أكمل طريقه نحو المصعد

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين اختارك القدر   الفصل 22

    في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:

  • حين اختارك القدر   الفصل 21

    الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء

  • حين اختارك القدر   الفصل 20

    توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم

  • حين اختارك القدر   الفصل 19

    لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن

  • حين اختارك القدر   الفصل 18

    تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ

  • حين اختارك القدر   الفصل 17

    في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status