مشاركة

الفصل 15

مؤلف: Hamida kassous
last update تاريخ النشر: 2026-07-13 01:01:25

ألقى نظرة سريعة على الفريق المجتمع حول جهاز التحليل، ثم سأل فادي:

"ماذا يحدث؟"

أجابه فادي بابتسامة واضحة:

"كنا نجري أول اختبار على تركيبة الآنسة رزان... والنتائج الأولية كانت أفضل مما توقعنا."

اقترب سيف خطوة واحدة، ألقى نظرة خاطفة على شاشة الجهاز، ثم أغلق الملف الموضوع أمامه وقال بهدوء:

"جيد..."

ثم استدار وغادر المختبر كما دخل...

بهدوء تام.

تابعته رزان بعينيها لثوانٍ، ثم عادت تركيزها إلى نتائج الاختبارات.

أما داخلها...

فكانت تعلم أن الطريق الحقيقي قد بدأ الآن.

كان نجاح الاختبار الأول لتركيبة رزان نقطة تحول حقيقية بالنسبة إليها.

فقد منحها دفعة كبيرة من الثقة، وأكد لها أن الأشهر الطويلة التي أمضتها في البحث والتخطيط لم تذهب سدى.

ومنذ ذلك اليوم، ازداد إصرارها على تحويل حلمها إلى حقيقة، فصارت تبذل جهدًا أكبر في كل خطوة تخطوها داخل المختبر.

في صباح اليوم التالي، اجتمع بها فادي وأخبرها أنهم سينتقلون إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من الاختبارات، تشمل تقييم ثبات التركيبة تحت ظروف مختلفة من درجات الحرارة والرطوبة، إلى جانب دراسة مدى توافق مكوناتها مع مواد التغليف المقترحة.

كانت مرحلة دقيقة، تتطلب تركيزًا عاليًا وصبرًا طويلًا.

ولم تتردد رزان في خوضها بكل حماس.

أصبحت تمضي معظم ساعات يومها داخل المختبر، تراقب سير التجارب بنفسها، وتراجع النتائج بدقة، وتسجل كل ملاحظة مهما بدت صغيرة، مؤمنة بأن أدق التفاصيل قد تصنع الفارق في النهاية.

ومع مرور الأيام، بدأ فريق الأبحاث يلاحظ شيئًا لافتًا فيها.

فبينما كان الجميع يغادرون مع انتهاء ساعات الدوام، كانت رزان تبقى لساعات إضافية، ترفض مغادرة المختبر قبل أن تنهي ما خططت له في ذلك اليوم.

لم تكن تؤجل عمل اليوم إلى الغد، ولم تكن ترضى بأنصاف النتائج.

وقد انعكس ذلك على علاقتها بالفريق، إذ كسبت احترام الباحثين ومساعدي المختبر شيئًا فشيئًا، بعدما لمسوا اجتهادها، وانضباطها، وشغفها الحقيقي بما تقوم به.

وخلال تلك الفترة، كان شهاب يحرص على زيارة المختبر بين الحين والآخر للاطمئنان على سير العمل.

وما إن يدخل حتى يسألها بابتسامته المعتادة:

"كيف تسير الأمور يا شريكة النجاح؟"

فتطلعه على آخر المستجدات، ويتبادلان الحديث حول النتائج والخطوات التالية، قبل أن يشجعها كعادته ويغادر.

أما سيف...

فكان حضوره مختلفًا تمامًا.

كان يدخل المختبر بهدوء، يتبادل بعض الكلمات مع فادي حول سير المشروع، ويطّلع على التقارير والنتائج النهائية بعين دقيقة، ثم يلقي على رزان تحية مقتضبة إذا اقتضى الموقف، أو يوجه إليها سؤالًا متعلقًا بالعمل لا أكثر.

لم يكن يطيل الوقوف، ولم يدخل في أحاديث جانبية، بل كان يغادر فور انتهائه من الاطمئنان على سير المشروع، محافظًا على هدوئه المعتاد وشخصيته العملية التي لا تفصلها عن العمل أي اعتبارات أخرى.

ومع مرور الأيام، بدأت رزان تدرك أن صمته لم يكن تجاهلًا، بل كان جزءًا من شخصيته؛ رجل يفضل أن تتحدث النتائج بدلًا من الكلمات

مرّت الأسابيع التالية بوتيرة متسارعة.

أصبح مشروع رزان جزءًا من يومها، بل من حياتها بأكملها.

كانت تبدأ صباحها باكرًا، وتقضي معظم ساعاتها داخل مختبرات شركة رأفت، متنقلة بين أجهزة التحليل، ودفاتر الملاحظات، وتقارير الاختبارات التي كانت تتزايد يومًا بعد يوم.

ومع كل تجربة ناجحة، كانت تزداد قناعة بأنها تسير في الطريق الصحيح.

أما فريق الأبحاث، فقد اعتاد وجودها بينهم، حتى إن بعض الباحثين كانوا يمازحونها قائلين:

"نعتقد أنك ستطالبين الشركة قريبًا بسرير داخل المختبر."

فتضحك رزان وهي ترتدي قفازيها الطبيين.

"إذا اقتضى نجاح المشروع ذلك... فلن أمانع."

وكان الجميع يبتسم لإجابتها، بعدما أصبحوا يدركون أن شغفها بعملها يفوق أي شيء آخر.

في أحد الأيام، دخل فادي إلى المختبر يحمل ملفًا أزرق.

توقفت رزان عن تدوين ملاحظاتها ونظرت إليه.

قال وهو يضع الملف على الطاولة:

"اليوم سنبدأ أكثر المراحل حساسية."

سألته باهتمام:

"اختبارات الثبات طويلة المدى؟"

ابتسم بإعجاب.

"بالضبط."

فتح الملف وأكمل:

"سنختبر استقرار التركيبة تحت درجات حرارة مختلفة، ونسب رطوبة متباينة، بالإضافة إلى مراقبة تغير اللون والرائحة والقوام مع مرور الوقت."

أومأت رزان بثقة.

"لنبدأ."

ومنذ تلك اللحظة...

دخل الجميع في سباق مع الوقت.

مرت ساعات طويلة وهم يتنقلون بين الأجهزة، يسجلون النتائج، ويعيدون بعض القياسات للتأكد من دقتها.

وحين أعلنت الساعة الخامسة مساءً انتهاء الدوام الرسمي، بدأ الموظفون بمغادرة المختبر تباعًا.

اقترب فادي من رزان وقال:

"يكفي لهذا اليوم، يمكنك متابعة الاختبارات غدًا."

رفعت رأسها عن شاشة الحاسوب وقالت بهدوء:

"بقي اختبار واحد فقط، لن يستغرق وقتًا طويلًا."

ابتسم وهو يعرف عنادها.

"لا ترهقي نفسك."

أجابته بابتسامة خفيفة.

"لن أستطيع المغادرة قبل أن أطمئن على نتائجه."

هز رأسه مستسلمًا.

"حسنًا... لكن لا تتأخري."

غادر فادي، ولحق به آخر الباحثين، لتجد رزان نفسها وحيدة داخل المختبر.

ساد المكان هدوء لم تعتده.

لم يعد يُسمع سوى صوت أجهزة التحليل، وصفير أجهزة التهوية، ونقرات أصابعها على لوحة المفاتيح.

نظرت إلى ساعة يدها.

الثامنة والنصف مساءً.

ابتسمت لنفسها.

"مر الوقت بسرعة..."

عادت إلى متابعة النتائج، وما إن همّت بتسجيل آخر الملاحظات، حتى انطفأت الأنوار فجأة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • حين اختارك القدر   الفصل 22

    في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:

  • حين اختارك القدر   الفصل 21

    الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء

  • حين اختارك القدر   الفصل 20

    توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم

  • حين اختارك القدر   الفصل 19

    لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن

  • حين اختارك القدر   الفصل 18

    تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ

  • حين اختارك القدر   الفصل 17

    في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status