ログインأما عند إيفي، فكانوا مجتمعين حول مائدة الغداء، يتناولون طعامهم في صمت، وكلٌّ منهم غارق في أفكاره. كان لوكاس يختلس النظر إليها بين الحين والآخر، آملًا أن تلين وتبادله ولو نظرة واحدة، لكن دون جدوى. أراد أن يفتح معها حديثًا، إلا أن فيكتوريا قاطعته وهي تقترب منه على عجل. لوكاس! أناليس ليست في غرفتها! لوكاس: (ببرود) ربما توجد في مكان ما في أرجاء المنزل. فيكتوريا: (بقلق) بحثت عنها في كل مكان، ولم أجدها... مدّت إليه رسالة تحمل اسمه. فيكتوريا: وجدت هذه في غرفتها. أخذ لوكاس الورقة وراح يقرأها بتمعّن. كانت رسالة أناليس تقول: «لقد دخلتُ حياتكم وأفسدتها مرة أخرى، وهذه المرة دون قصد... كنت أريدك أن تعرف أن لديك طفلًا مني، وألّا تنساه، وألّا يعيش المعاناة التي عشتها أنا. لن أحرمك منه، وأتمنى ألّا تبخل عليه بشيء. أتمنى لك السعادة، أنت وإيفي، واعتبرني كأنني لم أدخل حياتكم يومًا. وحين يحين الوقت، سنلتقي مجددًا... سامحوني، وشكرًا لكم». مرّر لوكاس يده على وجهه بضيق. لوكاس: غادرت المنزل دون أن يلاحظها أحد؟ كيف حدث هذا؟! فيكتوريا: ربما ترى أن هذا هو الأفضل بالنسبة إليها، لكن ال
أما في قصر البارون... فكانت إستريلا تعيش حالة من الاضطراب والقلق؛ تحطّم الأغراض، وتوبّخ الخادمات، حتى وصيفتها لم تسلم من نوبات انفعالها الحادّة. كانت تستشيط غضبًا بسبب حبها لجاد، ذلك الحب الذي بات يستنزفها ويؤرّقها، فيما راحت تفكّر في إيجاد حلّ يريحها ويجعل دي فالك لها وحدها. لم تعد قادرة على السيطرة على نفسها، ودخلت في نوبات هستيرية متتالية، حتى اضطرت وصيفتها إلى الاتصال بوالدها، الذي كان قد وصل بالفعل إلى القصر. استقبلته لويز، ثم رافقته إلى غرفة ابنته. وما إن رأته إستريلا حتى اندفعت نحوه وارتمت بين ذراعيه، تعانقه بشوق، فقد كانت تنتظر وصوله بفارغ الصبر. إستريلا: أبي... كنت بحاجة إليك كثيرًا! لماذا تأخرت في المجيء؟ إيمانويل: (مرّر يده على شعرها بحنان) أنا هنا يا ابنتي... جئت لأطمئن عليكِ. إستريلا: (ببكاء) أنا لست بخير... إيمانويل: تعالي معي. لن تبقي هنا دقيقة أخرى. إستريلا: لا أستطيع الرحيل... يجب أن أنتظره حتى يعود! قطّب إيمانويل حاجبيه، ونظر إليها باستغراب. إيمانويل: إلى أين ذهب وترككِ وحيدة هنا؟ نظرت إليه إستريلا بامتعاض شديد، وأجابته بنبرة مشحونة بالغيظ: إس
رفع دايمون حاجبه وهو يفكّر في الأسماء.دايمون: حسنًا، يا زوجتي العزيزة، بما أنكِ ترفضين النوم قبل اختيار اسم لأميرتي الثانية، فلنبدأ. ما رأيكِ باسم لورينا؟لينا: لا.دايمون: كلارا؟لينا: سأسمّيها اسمًا عربيًا.دايمون: إذن، لكِ الاختيار هذه المرة..ابتسمت لينا، ثم أنزلت عينيها إلى صغيرتها، ومرّرت إصبعها برفق فوق خدّها الناعم.لينا: ماذا عن اسم «آية»؟توقّف دايمون عن الكلام، ثم أعاد الاسم ببطء، وكأنه يتذوّقه على لسانه.دايمون: آية!لينا: نعم، آية. ما رأيك؟دايمون: أعجبني، لكن أخبريني... ماذا يعني؟لينا: الآية هي العلامة والدليل، وتأتي أيضًا بمعنى المعجزة والعبرة. اخترت هذا الاسم لأن ابنتنا جاءت إلى حياتنا كمفاجأة لم نتوقعها، وكأنها هدية جميلة أرسلها الله إلينا.سكتت لحظة، ثم نظرت إلى الصغيرة بحنان.لينا: كنا نظن أننا سنُرزق بصبي، لكن الله أراد لنا أن نلتقي بهذه الأميرة الصغيرة. إنها آيتنا الجميلة، والمفاجأة التي ستظل تذكّرنا بأن الحياة قادرة على منحنا أجمل ما لم نتوقعه.ظلّ دايمون ينظر إليها بصمت، فالاسم اكتسب معنى أعمق حين سمع تفسيره.دايمون: آية...اقترب من طفلته، ولمس وجنتها بطرف إص
تصلّبت ملامح دايمون للحظة، ثم التفت نحو لينا، فوجدها تنظر إليه بعينين دامعتين. لينا: دايمون... أنا خائفة. انحنى نحوها وأمسك وجهها بين كفّيه، محاولًا بثّ الطمأنينة في قلبها. دايمون: لا تخافي يا روحي، سأبقى إلى جانبكِ. لن أترك يدكِ حتى تحتضني طفلنا. لينا: لا تبتعد عني، أرجوك. دايمون: كل شيء سيمرّ على ما يرام. لا تقلقي، سأكون معكِ في كل لحظة. لينا: (حاولت النهوض)لا أستطيع المشي! الطبيبة: سنساعدكِ. خذي نفسًا عميقًا يا لينا، وحاولي ألّا تتوتري. لم يتردّد دايمون لحظة واحدة؛ انحنى وحملها بحذر بين ذراعيه، ثم اتجه بها نحو الغرفة المجهّزة للولادة. وُضعت لينا فوق السرير، بينما بدأت الطبيبة تراجع التجهيزات وتوجّه الممرضات. وقف دايمون إلى جوارها، ولم يفلت يدها لحظة واحدة. نظرت إليه لينا، وقد غلبتها الدموع من جديد. لينا: دايمون... دايمون: أنا هنا، يا روحي. قبّل جبينها، ثم رفع كفها إلى شفتيه وطبع عليه قبلة طويلة. دايمون: أنا أحبكِ أكثر مما تتخيّلين. أرجوكِ، كوني بخير. أغمضت عينيها لثواني، ثم شدّت على يده، وكأنها تستمدّ منها القوة لمواجهة ما ينتظرها. راحت التقلّصات تشتدّ أكثر، حتى ل
أما في قصر الوولف، فكانت لينا مستلقية فوق السرير، تتقلّب بانزعاج، ويدها تستقر فوق بطنها. أغمضت عينيها، محاولةً تجاهل الألم الذي لازمها منذ البارحة. مرّرت كفّها فوق بطنها بحنان، وما إن شعرت بطفلها يتحرّك حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها. لينا: يا صغيري المشاكس، ألا تمنحني حتى لحظة واحدة من الراحة؟ سأشكوك إلى والدك! لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا، إذ باغتها تقلّص أشدّ من سابقه، جعلها تتشبّث بالملاءة وتطبق شفتيها بقوة، محاولةً كتم صرختها. لينا: آه! تبًّا، ما هذا الألم الشديد؟! حبست أنفاسها حتى بدأ الألم يتراجع تدريجيًا، ثم أراحت رأسها فوق الوسادة، مقنعةً نفسها بأنه مجرد وجع عابر. في تلك اللحظة، انفتح باب الحمّام، وخرج دايمون مرتديًا سروالًا منزليًا أسود، فيما كان شعره المبلّل يتدلّى فوق جبينه. ألقى المنشفة جانبًا، ثم التفت نحو السرير، حيث لاحظ ملامح الانزعاج على وجه زوجته. اقترب منها، وقد انعقد حاجباه بقلق. دايمون: ما بكِ؟ لماذا تبدين متعبة؟ لينا: لا شيء، أشعر ببعض الألم في بطني وظهري. جلس عند حافة السرير، وأمعن النظر في وجهها، محاولًا معرفة ما إذا كانت تخفي عنه شيئًا. دايمون:
اما عند أناليس فكانت، تجلس وحدها في غرفتها، عاجزة عن الإقدام على أي خطوة خارجها. كانت تخشى أن تتعرّض لموقف لا تُحسد عليه، لذلك آثرت البقاء في مكانها، غارقةً في أفكارها، تستعيد ما حدث وتتساءل عمّا ينتظرها في الأيام المقبلة. طرق أحدهم باب غرفتها، فرفعت رأسها، وما إن رأته يدخل حتى أخذت تتأمله بهدوء. بادلها النظرات نفسها، ثم اقترب منها: لوكاس: أريد التحدث معكِ. أناليس: تفضّل. جلس قبالتها، ثم تنفّس بعمق قبل أن يبدأ كلامه. لوكاس: أريد أن نتحدث بشأن الحمل. حتى الآن، لم أستوعب الأمر تمامًا، ولم أجد حلًّا بعد. لا أعرف ماذا ينبغي لي أن أفعل. أناليس:(اغرورقت عيناها بالدموع) معك حق... فأنا أيضًا جئت ووضعتك أمام الأمر الواقع، لكن لم يكن لديّ مكان آخر ألجأ إليه. لقد طردني جاد، ولو كنت وحدي، من دون هذا الجنين، لما جئت إليك. لوكاس: سأتحمّل المسؤولية. لن أتخلّى عنكِ أو عن الطفل، لكن لا تطلبي مني أكثر من ذلك يا أناليس. أنا أحب إيفي، هي وابنتي أغلى ما أملك. أناليس: لكن هذا الطفل ابنك أيضًا... لوكاس: إنه ابني، أجل، لكنني لا أستطيع أن أكون جزءًا من حياته. أناليس: لماذا؟! هل لأنني أمه؟
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد