Se connecterلم يكن هناك وقت لفهم ما ظهر على شاشة جهاز نادر.
كان البحر يقترب. ركض سليم خلف ليان، بينما كان نادر يحاول اللحاق بهما وهو يضم جهاز الاستقبال إلى صدره. خلفهم، ارتفعت أصوات الناس حتى تحولت إلى صرخة واحدة طويلة. كانت السيارات تُدفع من أماكنها، وتصطدم ببعضها، ثم تختفي داخل المياه التي اجتاحت الشوارع الساحلية. لم يعد بالإمكان تمييز الطرق من الأرصفة؛ كل شيء صار سطحًا متحركًا من الماء والحطام والزجاج. «لا تتوقفوا!» صرخ سليم. «واصلوا الصعود!» كان الطريق المؤدي إلى التلة مزدحمًا بالناجين. رجل يحمل طفله على كتفيه، امرأة تسند أمها المسنة، وشاب يركض حافي القدمين وقد ترك حذاءه في مكان ما خلفه. لم يكن أحد يعرف إلى أين يذهب بالضبط، لكن الجميع فهموا أن البقاء في الأسفل يعني الموت. تعثرت ليان بحجر كبير، وكادت تسقط. أمسك سليم بذراعها قبل أن ترتطم بالأرض. «هل أنتِ بخير؟» «نعم. تابع!» «أنتِ تنزفين.» نظرت إلى كفها، فوجدت جرحًا طويلًا قرب الرسغ. لم يكن عميقًا، لكنها لم تبدِ اهتمامًا به. «ليس الآن.» واصلوا الصعود حتى وصلوا إلى ساحة صغيرة أمام مبنى حجري قديم. كان المكان أعلى من الشوارع المحيطة، لكنه لم يكن مرتفعًا بما يكفي ليطمئنوا. أشار نادر إلى درج ضيق يصعد بمحاذاة المبنى. «إلى السطح!» ركضوا نحو الدرج، لكن مجموعة من الناس كانت تسد المدخل. حاول سليم شق طريقه بينهم. «أفسحوا الطريق! الأطفال والجرحى أولًا!» كان هناك رجل ضخم يصرخ في وجه الجميع، محاولًا منعهم من الصعود. «لا أحد يدخل! المبنى غير آمن!» أجابه سليم: «الماء سيصل إلى هنا خلال دقائق. إن بقيتم في الشارع فلن يهم إن كان المبنى آمنًا أم لا.» «ومن أنت حتى تقرر؟» «شخص يحاول إبقاءك حيًا. تحرك!» لم ينتظر الرجل طويلًا. ابتعد أخيرًا، وصعد سليم أولًا ليتأكد من سلامة الدرج. كانت درجاته متشققة، وبعض أجزاء الجدار قد انهارت، لكنه بدا قادرًا على تحمل عدد من الأشخاص. صعدت ليان خلفه، ثم نادر. وعندما وصلوا إلى الطابق الأخير، وجدوا بابًا معدنيًا يؤدي إلى السطح. كان مقفلًا بسلسلة سميكة. ضرب سليم الباب بكتفه. «مغلق!» اقترب نادر وأخرج قطعة معدنية صغيرة من جيبه. «ابتعد.» حاول فتح القفل، لكن يديه كانتا ترتجفان. «أسرع يا نادر!» «أعرف، أعرف!» في الأسفل، ارتفعت أصوات المياه. شعروا بالاهتزاز في الجدران، ثم سمعوا صوت ارتطام هائل جعل الدرج يرتجف تحت أقدامهم. استدار سليم. «نادر!» «لحظة واحدة!» انكسر القفل أخيرًا، واندفع الباب إلى الخارج. خرجوا إلى السطح، وتبعهم عدد من الناجين الذين كانوا خلفهم. كانت الرياح قوية، والضوء الأبيض في السماء ينعكس على سطح البحر المتقدم، فيجعل المشهد أقرب إلى كابوس لا يمكن للعين أن تستوعبه. اقترب سليم من الحافة. كانت إسطنبول تختفي أمامه. الشوارع التي عرفها، المتاجر الصغيرة، محطات الحافلات، والمباني التي ظلت واقفة لعقود، تحولت إلى أشكال غارقة تحت المياه. كانت موجة ضخمة تتقدم نحو الداخل، تحمل معها السيارات وأجزاء من المباني والأشجار. رأى حافلة تنقلب فوق جانبها، ثم تختفي. ورأى أشخاصًا يحاولون التشبث بإشارات المرور قبل أن تجرفهم المياه. أبعد نظره. لم يكن يستطيع إنقاذهم جميعًا. كان يعرف ذلك، لكنه لم يستطع منع نفسه من الشعور بأنه يتركهم يموتون. اقتربت ليان منه. «لا تنظر طويلًا.» قال بصوت منخفض: «هناك أطفال.» «أعرف.» «كان يمكننا الوصول إليهم.» «لم يكن بإمكاننا ذلك.» التفت إليها بعينين متعبتين. «أنا مسعف. من المفترض أن أساعد الناس.» أجابت بهدوء: «وأنت تساعدهم الآن. إذا فقدت حياتك هنا، فلن تستطيع مساعدة أحد.» لم يجد ردًا. اكتفى بالنظر إلى المدينة الغارقة في زاوية السطح، كانت الطفلة إليف تجلس إلى جوار والدها. يضمها الرجل بقوة، بينما كانت تحدق في السماء البيضاء. اقترب سليم منهما. «هل تستطيع ابنتك الوقوف؟» أومأ الرجل. «نعم. لكنها خائفة جدًا.» جلس سليم على ركبته أمامها. «أتذكرين ما قلته لكِ؟» نظرت إليه دون أن تجيب. «سنحاول أن نعيد كل شيء إلى طبيعته. لكننا نحتاج إلى مساعدتك الآن. هل تستطيعين البقاء مع والدك وعدم الابتعاد عنه؟» هزت رأسها ببطء. «هل ستأتي أمي؟» شعر سليم بأن الكلمات تختنق في حلقه. «سأساعدك في البحث عنها عندما يصبح ذلك ممكنًا.» لم تكن إجابة حقيقية، لكنه لم يستطع أن يمنحها وعدًا لا يضمنه. عاد إلى نادر، فوجده جالسًا قرب الجدار، يراقب شاشة الجهاز. «هل ما زال يصدر الإشارة؟» «نعم.» «هل يمكنك تحديد مصدرها؟» ليس بدقة. لكنها لا تأتي من الأقمار الصناعية، كما كنت أعتقد.» «من أين إذن؟» رفع نادر رأسه. «من مكان قريب. ربما من إحدى المحطات الأرضية، أو من جهاز بث مستقل.» «وهل تستطيع معرفة مكانه؟» أشار إلى خريطة صغيرة ظهرت على الشاشة. كانت خطوطها مشوشة، لكن نقطة حمراء تومض قرب الجزء الشمالي من المدينة. «الإشارة تتحرك.» اقترب سليم. «كيف تتحرك؟» «لا أعرف. ربما يتغير مصدر البث، أو أن الجهاز يلتقط أكثر من إشارة في الوقت نفسه.» نظر سليم إلى الكلمات التي ظهرت قبل قليل. SUBJECT 01: SALEEM AL-RAWI. «أريد أن أعرف لماذا اسمي هناك.» أغلق نادر الشاشة. «ليس الآن.» «أنت تعرف شيئًا.» «أعرف أن هناك أشياء لم يكن يجب أن أراها قبل سنوات. وأعرف أن ظهور اسمك على هذا الجهاز ليس مصادفة.» «إذن أخبرني.»جاءه صوت ضعيف: «هنا...» انحنى، فرأى امرأة عالقة بين المقعد الخلفي والباب. كانت واعية، لكنها لا تستطيع الحركة. «لا تحاولي الخروج. سأساعدك.» أمسك بمقبض الباب، لكنه كان عالقًا. حاول مرة، ثم ثانية، دون فائدة. ارتفع منسوب الماء قليلًا، وبدأت السيارة تتحرك ببطء. صرخ سليم: «أحتاج إلى مساعدة!» وصل أحد الناجين وربط الحبل حول جزء من السيارة. ثم اقترب رجل آخر وساعده في فتح الباب بالقوة. تمكن سليم أخيرًا من إخراج المرأة، وحملها حتى وصل إلى الرصيف. كانت ترتجف بشدة. قالت بصوت متقطع: «ابني... كان معي...» نظر سليم إلى السيارة. «أين ابنك؟» أشارت إلى صندوق السيارة الخلفي. «كان هناك. أخرجته قبل أن تنقلب السيارة، لكنه ركض...» لم يكن هناك وقت للتفكير. بدأ ينادي الطفل، حتى سمع صوت بكاء قادمًا من مدخل متجر قريب. ركض نحوه، فوجد صبيًا صغيرًا مختبئًا خلف رفوف مكسورة. حمله وعاد به إلى أمه. احتضنته المرأة وهي تبكي، بينما كان سليم يحاول إقناع نفسه بأن إنقاذ شخصين لا يعني أن الآخرين قد نجوا. عاد إلى المجموعة، فوجد ليان قد أوقفت النزيف عند الرجل المصاب. قالت له: «أنت لا تعرف متى تتوقف، أليس كذل
لم يتحرك سليم.ظل واقفًا في منتصف السطح، والهاتف في يده، بينما كانت كلمات الصوت الأخير تتردد في رأسه كأنها لم تنتهِ بعد.«عائلتك كانت تنتظر هذه اللحظة أيضًا.»لم يكن ذلك مجرد تهديد. كان أسوأ من التهديد، لأنه فتح بابًا ظل سليم يغلقه طوال ثلاث سنوات. بابًا أقنع نفسه بأنه لا يستحق العودة إليه، وأن البحث خلفه لن يعيد شيئًا مما فقده.عائلته ماتت.كان هذا ما أخبره به الأطباء والشرطة والتقارير الرسمية. هذا ما دفنه في ذاكرته، رغم أنه لم ينجح يومًا في دفن الألم نفسه.لكن نادر قال إن أسماءهم اختفت من سجلات الضحايا.والصوت قال إنهم ينتظرون.استدار سليم نحوه.«من أين جاء الصوت؟»أخرج نادر جهاز الاستقبال وفحصه، ثم ضغط عدة أزرار. بقيت الشاشة سوداء.«لا أعرف. الجهاز لم يكن متصلًا بأي شبكة عندما ظهرت الرسالة.»«أريد إجابة واضحة.»«لا أملكها.»اقترب منه سليم وأمسكه من سترته.«أنت قلت إنك تعرف شيئًا عن عائلتي. ماذا رأيت في تلك السجلات؟»لم يقاوم نادر، لكنه نظر إلى يدي سليم ثم رفع عينيه إليه.«اتركني أولًا.»أفلت سليم سترته ببطء.قال نادر:«قبل ثلاث سنوات، كنت أعمل على مراجعة بيانات قديمة مرتبطة بمشروع
تردد نادر، ثم قال: «قبل ست سنوات، تلقيت تكليفًا بالعمل على نظام اتصالات احتياطي تابع لمشروع ORION. لم يكن المشروع مجرد شبكة إنذار. كانت هناك قواعد بيانات منفصلة، وسجلات لأشخاص جرى تصنيفهم وفق معايير لم يشرحها أحد لنا.» «أي أشخاص؟» «مدنيون. أطباء، مهندسون، عسكريون سابقون، أشخاص يعملون في قطاعات حساسة. لم تكن لدينا صلاحية لمعرفة سبب اختيارهم.» «وهل كان اسمي بينهم؟» نظر نادر إليه. «لا أذكر أنني رأيته.» «لكن الجهاز يعرفني.» «هذا ما يخيفني.» قبل أن يتابع حديثه، اقتربت ليان منهما. «هناك مصابون في الجهة الأخرى من السطح. نحتاج إلى مساعدتكما.» تحرك سليم فورًا. وجد رجلًا مسنًا يعاني صعوبة في التنفس، وشابًا مصابًا بجرح في ساقه، وامرأة فقدت الوعي بعد ارتطام رأسها بأحد الأبواب. بدأ يفحصهم، بينما تولت ليان تنظيم ما تبقى من الإمدادات الطبية. لم تكن حقيبة الإسعافات كافية لمواجهة كارثة بهذا الحجم. كانت الضمادات محدودة، والمحاليل قليلة، ولم يكن لديهم أي وسيلة لمعرفة ما إذا كانت المستشفيات لا تزال تعمل. قالت ليان وهي تضغط على جرح الشاب: «نحتاج إلى مضادات حيوية، ومسكنات، وما
لم يكن هناك وقت لفهم ما ظهر على شاشة جهاز نادر. كان البحر يقترب. ركض سليم خلف ليان، بينما كان نادر يحاول اللحاق بهما وهو يضم جهاز الاستقبال إلى صدره. خلفهم، ارتفعت أصوات الناس حتى تحولت إلى صرخة واحدة طويلة. كانت السيارات تُدفع من أماكنها، وتصطدم ببعضها، ثم تختفي داخل المياه التي اجتاحت الشوارع الساحلية. لم يعد بالإمكان تمييز الطرق من الأرصفة؛ كل شيء صار سطحًا متحركًا من الماء والحطام والزجاج. «لا تتوقفوا!» صرخ سليم. «واصلوا الصعود!» كان الطريق المؤدي إلى التلة مزدحمًا بالناجين. رجل يحمل طفله على كتفيه، امرأة تسند أمها المسنة، وشاب يركض حافي القدمين وقد ترك حذاءه في مكان ما خلفه. لم يكن أحد يعرف إلى أين يذهب بالضبط، لكن الجميع فهموا أن البقاء في الأسفل يعني الموت. تعثرت ليان بحجر كبير، وكادت تسقط. أمسك سليم بذراعها قبل أن ترتطم بالأرض. «هل أنتِ بخير؟» «نعم. تابع!» «أنتِ تنزفين.» نظرت إلى كفها، فوجدت جرحًا طويلًا قرب الرسغ. لم يكن عميقًا، لكنها لم تبدِ اهتمامًا به. «ليس الآن.» واصلوا الصعود حتى وصلوا إلى ساحة صغيرة أمام مبنى حجري قديم. كان المكان أعلى من الشوارع ا
«أنت لا تفهم. ليست المشكلة في النظام وحده.» «ماذا تقصد؟» اقترب نادر من الطاولة وأخرج جهازًا صغيرًا من حقيبته. كان جهاز استقبال محمولًا، قديمًا بما يكفي ليبدو غير مفيد وسط المعدات الحديثة. «قبل أن تنطفئ الشاشات، التقط هذا الجهاز إشارة غريبة. ليست من شبكة الطوارئ ولا من أي تردد مدني أعرفه.» «وماذا قالت؟» تردد نادر قليلًا. «لم تقل شيئًا. كانت مجرد نبضات متكررة.» «إذن لماذا تبدو كأنك تعرفها؟» لم يجب فورًا. أدار الجهاز، فظهرت إضاءة حمراء صغيرة، ثم بدأ يصدر صوتًا منتظمًا. ثلاث نبضات قصيرة. توقف. نبضتان طويلتان. ثم ثلاث نبضات قصيرة من جديد. حدق سليم في الجهاز. «هل هذا رمز استغاثة؟» «لا. إنه نمط متكرر، لكنه ليس عشوائيًا. رأيته مرة واحدة فقط، منذ سنوات، في ملف تقني لم يكن من المفترض أن يصل إليّ.» «أي ملف؟» خفض نادر صوته. «ملف مشروع ORION.» لم يكد الاسم يخرج من فمه حتى عادت إلى ذهن سليم العبارة التي ظهرت على الشاشة قبل انقطاع الكهرباء: ACTIVATION CONFIRMED. «ما علاقة مشروعك بما يحدث؟» «لم يكن مشروعي. كنت واحدًا من المهندسين الذين عملوا على جزء صغير من نظام مراقبة الاتصالات
وفجأة، ظهر خط ثانٍ بجانبه. ثم ثالث. شعر سليم ببرودة تسري في ظهره. «نادر... هل ترى ذلك؟» اقترب الرجل من النافذة. ظل ينظر دون أن يتكلم. وفي اللحظة التالية، انطفأت جميع الشاشات في المركز. توقفت أجهزة الاتصال. وساد صمت ثقيل لم يستمر سوى ثوانٍ، قبل أن تبدأ الهواتف بالرنين في وقت واحد. صرخ أحد الموظفين: «لقد فقدنا الاتصال بالمحطة الرئيسية!» ورد آخر: «أنظمة الملاحة الجوية تتعطل! هناك بلاغات عن طائرات فقدت الاتصال!» عاد سليم إلى مكتبه بسرعة، وأمسك سماعة الاتصال الاحتياطية. «هل يسمعني أحد؟ مركز الطوارئ، هل هناك أحد على الخط؟» لم يصله سوى تشويش حاد. ثم ظهر صوت بعيد، متقطع، بدا كأنه صادر من جهاز قديم. «...المرحلة الأولى... بدأت...» تجمد سليم. رفع السماعة إلى أذنه أكثر. «من المتحدث؟ أعد رسالتك.» جاء الصوت مجددًا، أكثر وضوحًا هذه المرة: «لا تثقوا بالملاجئ... لا تذهبوا إلى...» ثم اختفى. نظر سليم إلى نادر. كان الرجل يحدق في الجهاز بوجه شاحب. «هل سمعت ما سمعته؟» لم يجب نادر. فقد كان ينظر إلى شاشة صغيرة عادت للعمل للحظة واحدة، وظهرت عليها نافذة سوداء تتوسطها كلمات بيضاء.







