Share

part 20

last update publish date: 2026-06-10 23:34:21

"عدي الألفي."

وقعت عينا شهد على الاسم المكتوب فوق الملف المفتوح أمامها.

وفي اللحظة نفسها...

شعرت وكأن شيئًا ما انقبض بقوة داخل صدرها.

توقفت أنفاسها لثانية قصيرة، بينما ارتجفت أصابعها فوق حافة الورقة دون أن تنتبه.

عدي...

الاسم وحده كان كافيًا ليعيد إليها أسابيع طويلة حاولت فيها أن تهرب من كل شيء.

من الذكريات.

من الأسئلة.

من ذلك الشعور الذي ظل عالقًا داخلها رغم كل ما حدث.

رفعت رأسها ببطء، بينما كانت ضربات قلبها تتسارع بصورة أربكتها.

لا...

لا يمكن.

كيف وصل إلى هنا؟

ولماذا الآن تحديدًا؟

وكأن الحياة لم تكتفِ بما وضعته أمامها من اختبارات، فقررت أن تعيد إليها أكثر الأشخاص القادرين على هدم كل التوازن الذي بدأت تستعيده بصعوبة.

في المقابل...

كان سليم قد نهض من مقعده بهدوء.

أغلق الملف أمامه ثم رفع عينيه إلى الموظف.

سليم: خليه يتفضل.

خرج الموظف سريعًا.

أما شهد...

فشعرت أن الهواء داخل الغرفة أصبح أثقل من اللازم.

خفضت عينيها نحو الأوراق أمامها تحاول التركيز في أي شيء.

أي شيء غير الباب.

لكن عقلها كان يخونها.

يعيد إليها ملامح عدي كما تتذكرها.

صوته.

نظراته.

تلك الكلمات القليلة التي كانت دائمًا تأتي متأخرة.

وذلك الوجع الذي تركه خلفه دون أن يقصد.

شعرت بغصة صغيرة تستقر داخل حلقها.

فأبعدت وجهها نحو النافذة الزجاجية الكبيرة.

في الخارج كان البحر هادئًا بصورة غريبة.

أما داخلها...

فكانت عاصفة كاملة تستيقظ من جديد.

وفجأة...

صدر صوت طرقات خفيفة على الباب.

دقة واحدة فقط.

لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يقفز داخل صدرها.

سليم: اتفضل.

انفتح الباب ببطء.

ودخل عدي.

توقفت خطواته عند العتبة مباشرة.

كأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميه.

لأن آخر شيء كان يتوقعه...

أن يجد شهد هنا.

أمام عينيه.

حقيقية.

وليست صورة يبحث عنها بين الذكريات كل ليلة.

بقي ينظر إليها لثوانٍ طويلة.

ثوانٍ لم يشعر خلالها بشيء حوله.

لا المكتب.

ولا الصفقة.

ولا حتى سليم الجالس أمامه.

فقط هي.

كانت مختلفة قليلًا.

أكثر هدوءًا.

أكثر نضجًا.

لكن عينيها...

ما زالتا تحملان ذلك الحزن نفسه الذي رآه أول مرة.

أما شهد...

فكانت تنظر إليه هي الأخرى.

بصمت.

صمت طويل ومؤلم.

وكأن كليهما يحاول استيعاب أن الآخر يقف فعلًا أمامه.

بعد كل هذا الغياب.

بعد كل تلك الطرق التي فرّقتهما.

وبينما ظل الصمت يملأ المكان...

كان سليم ينقل بصره بينهما بهدوء.

ولأول مرة منذ تعرّف على شهد...

شعر أن هناك جزءًا كاملًا من حياتها لا يعرف عنه شيئًا.

جزءًا ما زال قادرًا على إطفاء النور داخل عينيها بمجرد ظهوره.

✨✨✨✨✨✨✨✨

ظلّ الصمت يخيّم على المكتب لثوانٍ طويلة.

ثوانٍ عادية في حساب الوقت...

لكنها بدت لكل واحدٍ منهم أطول مما ينبغي.

كان عدي ما يزال واقفًا عند الباب، بينما بقيت عيناه معلقتين بها بصورةٍ لم يستطع إخفاءها.

أما شهد...

فشعرت أن كل ما بنته داخل نفسها خلال الفترة الماضية بدأ يهتزّ فجأة.

لم تكن تتوقع أن تراه.

ليس الآن.

وليس هنا.

وليس بعد أن أقنعت نفسها مئات المرات أنها تجاوزت كل شيء.

لكن بعض الأشخاص لا يرحلون بسهولة من القلب، حتى عندما يغادرون الحياة.

تنحنح سليم أخيرًا وهو يشير إلى المقعد المقابل له.

سليم: اتفضل يا مستر عدي.

كأن صوته أعاد الجميع إلى الواقع.

أبعد عدي عينيه عنها بصعوبة، ثم تقدّم وجلس.

بينما خفضت شهد رأسها نحو الملفات أمامها محاولة إخفاء اضطرابها.

لكن الحقيقة...

أنها لم تكن ترى حرفًا واحدًا.

✨✨✨✨✨✨✨✨

بدأ الاجتماع.

تحدث سليم بهدوئه المعتاد.

كان يشرح بعض البنود الخاصة بالمشروع الجديد، بينما يتحرك بين الأوراق بثقة رجل اعتاد إدارة الصفقات الكبرى.

أما عدي فكان يجيبه بصورة طبيعية ظاهريًا.

لكن عقله لم يكن هنا بالكامل.

كيف يكون حاضرًا...

وهي تجلس أمامه؟

كانت على بعد أمتار قليلة فقط.

ومع ذلك بدت أبعد من أي وقت مضى.

لاحظ اختلافها.

لاحظ أن ملامحها أصبحت أكثر هدوءًا.

لكن ذلك الهدوء لم يكن راحة.

بل بدا كهدوء شخصٍ تعب من المقاومة.

شخصٍ تعلّم كيف يخفي وجعه جيدًا.

وفي لحظةٍ عابرة...

رفعت شهد عينيها من الملف.

فالتقت نظراتهما.

ثانية واحدة فقط.

لكنها كانت كافية ليشعر كلاهما بشيءٍ يهتز في داخله.

أسرعت شهد بإبعاد نظرها.

بينما ظلّ عدي ينظر إليها للحظة أطول قبل أن يعود للحديث.

ولم يفُت ذلك على سليم.

أبدًا.

✨✨✨✨✨✨✨✨

كان سليم يجلس في مكانه بهدوء.

يبدو منشغلًا بالأرقام والعقود.

لكن جزءًا منه كان يراقب.

منذ لحظة دخول عدي.

ومنذ اللحظة التي تغيّرت فيها ملامح شهد.

كان يرى كل شيء.

نظراتٍ قصيرة.

توترًا غير مفهوم.

وصمتًا يحمل أكثر مما يجب.

ولأول مرة...

شعر بشيءٍ غريب داخله.

شيء لم يختبره منذ سنوات.

لم يكن غضبًا.

ولا انزعاجًا.

بل شعورًا صغيرًا وثقيلاً في الوقت نفسه.

شعور رجل بدأ يهتم.

أكثر مما ينبغي.

أغلق الملف أمامه بهدوء.

ثم قال:

سليم: أعتقد كده الصورة بقت واضحة.

هز عدي رأسه موافقًا.

عدي: تمام.

سليم: يبقى نراجع التفاصيل النهائية خلال يومين.

عدي: مفيش مشكلة.

انتهى الاجتماع أخيرًا.

لكن أحدًا منهم لم يشعر بالارتياح.

✨✨✨✨✨✨✨✨

كانت شهد أول من نهض.

التقطت ملفاتها بسرعة أكبر مما ينبغي.

وكأنها تخشى أن يطول بقاؤها هنا.

شعرت أن الجلوس دقيقة إضافية أصبح فوق قدرتها.

كل شيء عاد فجأة.

الأسئلة القديمة.

المشاعر القديمة.

والوجع الذي ظنت أنها تركته في القاهرة.

اتجهت نحو الباب.

لكن قبل أن تفتحه...

جاءها صوته.

هادئًا.

منخفضًا.

ومؤلمًا أكثر مما توقعت.

عدي: شهد.

توقفت.

أغمضت عينيها للحظة قصيرة.

ثم استدارت ببطء.

كانت المسافة بينهما صغيرة.

لكنها بدت أطول من عمرٍ كامل.

نظر إليها عدي للحظات.

وكأنه يحاول تذكّر كل الكلمات التي أراد قولها يومًا.

ثم اكتشف أنه نسيها جميعًا.

فقال أبسط سؤال في العالم.

عدي: عاملة إيه؟

شعرت شهد بغصةٍ صغيرة تصعد إلى حلقها.

كم مرة كانت تتمنى أن يسألها هذا السؤال؟

وكم مرة احتاجت أن يهتم؟

لكن الوقت...

كان دائمًا يسبق الجميع.

ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.

شهد: الحمد لله.

ساد الصمت مجددًا.

صمتٌ متعب.

كأن كل كلمة تحتاج إلى شجاعة كبيرة لتخرج.

عدي: اختفيتي فجأة.

خفضت شهد عينيها قليلًا.

ثم قالت بهدوء:

شهد: كنت محتاجة أبعد.

تأملها طويلًا.

طويلًا جدًا.

ثم سأل بصوتٍ خافت:

عدي: وبعدتي؟

لم تعرف لماذا آلمها السؤال.

ربما لأنها لم تبتعد فعلًا.

الجسد فقط هو من سافر.

أما القلب...

فبقي عالقًا في أماكن كثيرة.

رفعت عينيها نحوه.

وقالت:

شهد: بحاول.

✨✨✨✨✨✨✨✨

في تلك اللحظة...

شعر سليم أن عليه التدخل.

لا لأنه منزعج.

بل لأن شيئًا في ملامح شهد أخبره أنها لم تعد تحتمل أكثر.

نهض من مكانه بهدوء.

ثم قال:

سليم: شهد... ممكن أشوف الملف الخاص بالعميل؟

التفتت إليه بسرعة.

وكأن صوته منحها فرصة للهروب.

شهد: أكيد.

اتجهت نحوه فورًا.

أما عدي...

فبقي واقفًا مكانه.

يراقبها فقط.

لأول مرة يشعر أن المسافة بينهما لم يصنعها الغياب وحده.

بل صنعها أيضًا كل ما لم يفعله حين كان يجب أن يفعل.

✨✨✨✨✨✨✨✨

بعد دقائق قليلة...

خرج عدي من المكتب.

بخطوات هادئة.

لكنه لم يكن هادئًا أبدًا.

كان يشعر أن شيئًا ما يُسحب من بين يديه ببطء.

شيئًا لم يمتلكه أصلًا.

لكنه خاف فجأة من فقدانه.

أما في الداخل...

فكانت شهد تحاول التركيز في الملفات.

لكن يدها كانت ترتجف قليلًا.

لاحظ سليم ذلك.

فأغلق الملف الذي أمامه.

ثم قال بهدوء:

سليم: تحبي نأجل الشغل النهارده؟

رفعت رأسها نحوه باستغراب.

شهد: ليه؟

ابتسم ابتسامة صغيرة.

سليم: عشان واضح إن دماغك مش هنا.

نظرت إليه للحظات.

ولأول مرة منذ بداية اليوم...

شعرت أن أحدًا يراها فعلًا.

يرى تعبها.

دون أن تطلب.

ويرى ارتباكها.

دون أن تشرحه.

خفضت عينيها مرة أخرى.

بينما قال سليم بهدوء:

سليم: مش لازم تحاربي كل حاجة لوحدك يا شهد.

تجمدت أناملها فوق الورق.

لأن الجملة أصابت مكانًا حساسًا داخلها.

مكانًا ظلت تخفيه طويلًا.

وشعرت فجأة...

أنها متعبة.

متعبة أكثر مما كانت تعترف لنفسها.

أما خارج الشركة...

فكان عدي يقف بجوار سيارته.

ينظر إلى المبنى بصمت.

وفي قلبه إحساس واحد فقط.

أنه وصل متأخرًا مرة أخرى.

ومتأخرًا جدًا هذه المرة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين عاد الماضي   last part

    في الظهيرة…كانت شهد في منزلها، وحور تلعب مع أمها في جو هادئ ودافئ، بينما سليم كان ما يزال نائمًا في الغرفة.شهد بابتسامة خفيفة: ـ إيه ده؟ هو سليم لسه نايم؟حور وهي تضحك: ـ أيوة!شهد: ـ طب روحي صحيه بقى يا حور، عشان هنرجع الإسكندرية تاني.حور بسرعة: ـ لا! أنا عايزة أقعد مع تيته.شهد بهدوء: ـ ومين قال هنسيب تيته؟ هي هتيجي معانا.أم شهد بتردد: ـ بس يا بنتي… أنا مش عايزة أسيب البيت.اقتربت شهد منها: ـ يا ماما إحنا لازم نبقى مع بعض… أنا مش هقدر أسيبك لوحدك.ثم نظرت لحور: ـ وبعدين شغلي هناك، وهأجر شقة ونبقى كلنا مع بعض.حور ببراءة: ـ يعني هتسيبيني أنا وسليم؟وفي اللحظة دي…كان سليم قد استيقظ، لكنه ظل مكانه، يسمع كل شيء بصمت، كأنه عايز يفهم قبل ما يتكلم.ثم نهض وخرج بهدوء.سليم: ـ وأنا مش موافق.التفتوا له.سليم بهدوء ثابت: ـ هتفضلي معانا… زي ما إنتِ وماما معانا.ثم نظر لأمها: ـ لو سمحتي يا أمي… عايز أتكلم مع شهد لوحدنا.أم شهد بابتسامة: ـ حاضر يا ابني.ثم أخذت حور: ـ يلا يا حور نسيبهم شوية.حور وهي خارجة: ـ ماشي…✨✨✨✨✨✨✨✨سكت المكان.سكون مختلف.مش سكون صمت… ده سكون قرار.شهد بصت له: ـ عاي

  • حين عاد الماضي   part 25

    في الليل… حيث السماء صافية والنجوم متناثرة كأنها تراقب بصمت، كانت القاهرة تبدو أكثر هدوءًا من المعتاد.لكن داخل هذا الهدوء… كانت هناك حركة خفيفة في أحد شوارعها.شهد، سليم، وحور كانوا يغادرون الفندق متجهين إلي بيت شهد.الطريق كان طويلًا… والزحام لا ينتهي.وحور من الخلف كانت لا تتوقف عن الكلام والضحك، كأنها ترفض أن تسمح لأي صمت أن يسيطر.أما شهد… فكانت تنظر من النافذة.لكن عينيها لم تكن ترى الطريق.كانت ترى ما هو أبعد.أبعد بكثير.✨✨✨✨✨✨✨✨بعد ساعة من الطريق…توقفت السيارة أمام منزل قديم مألوف.منزلها.نزلت شهد أولًا.وقفت أمام الباب لحظة.ثم ضغطت الجرس.صوت من الداخل:أم شهد: مين؟حور بسرعة من الخلف: ـ حور!توقفت الأم للحظة.ثم قالت بتعجب: ـ مين حور دي؟ثم فتحت الباب.✨✨✨✨✨✨✨✨وفي لحظة واحدة…تجمد كل شيء.الأم لم ترَ أحدًا في البداية.لم ترَ سليم.ولا حور.لم ترَ أي شيء.كانت ترى فقط ابنتها.شهد.وكأن العالم كله اختفى حولها.اندفعت نحوها بسرعة.واحتضنتها بقوة.أم شهد بصوت مخنوق: ـ وحشتيني يا حبيبتي…شهد ودموعها قريبة من العين: ـ وإنتِ كمان يا ماما…ظلت ثوانٍ طويلة في حضنها… كأنها تحاول

  • حين عاد الماضي   part 24

    كان صباح القاهرة مختلفًا عن أي صباح سابق…ليس في شكله، لكن في ثقله.كأن المدينة كلها واقفة على خبر واحد لم يُعلن بعد، لكنه موجود في الهواء.✨✨✨✨✨✨✨✨في الإسكندرية…كانت شهد مستلقية على ظهرها، عينيها مفتوحتين منذ وقت طويل.لم تنم.لم تغمضها حتى للحظة.كانت الساعات تمر ببطء شديد، وكأن الليل نفسه يرفض أن ينتهي قبل أن يثقل قلبها أكثر.كانت تفكر…بهدوء من الخارج، لكن باضطراب شديد في الداخل.في قصي.في اللقاء الذي لم يعد احتمالًا بل حقيقة.في اللحظة التي ستقابله فيها وجهًا لوجه.وتواجهه… دون هروب.تمتمت بصوت منخفض كأنها تحاول تثبيت نفسها: ـ المرة دي لازم أكون ثابتة…لكن قلبها لم يكن بنفس القوة.لأن بعض المواجهات… لا تحتاج قوة فقط.بل تحتاج قلبًا لم ينكسر من قبل.✨✨✨✨✨✨✨✨بعد لحظات طويلة من الصمت…نهضت.ببطء.كأنها تنتقل من تفكير إلى قرار.دخلت الحمام.توضأت.ووقفت أمام نفسها للحظة طويلة قبل أن تبدأ الصلاة.ركعتين.لكن داخلها لم يكن ساكنًا.كان هناك دعاء لا يُقال… وخوف لا يُفسَّر… وثقل لا يُرفع بسهولة.بعد الصلاة، جلست قليلًا، ثم ارتدت ملابسها بهدوء شديد.كأنها ترتدي يومًا كاملًا قبل أن تعيش

  • حين عاد الماضي   part 23

    كان المساء قد بدأ يمدّ ظلاله فوق مدينة الإسكندرية...والبحر في الخارج بدا هادئًا بصورةٍ غريبة، وكأنه لا يعلم أن أرواحًا كثيرة في تلك اللحظة كانت تخوض عواصفها الخاصة.داخل منزل سليم...كانت شهد تجلس في غرفة المعيشة بصمت.أمامها كوب الشاي الذي برد منذ وقت طويل.لكنها لم تلمسه.منذ عادت من الشركة وهي تشعر بثقلٍ غريب داخل صدرها.لا تعرف سببه.وكأن قلبها يلتقط إشارات لا يفهمها عقلها.رفعت رأسها عندما دخل سليم.بدا مرهقًا.لكن هدوءه المعتاد كان حاضرًا.جلس على المقعد المقابل لها.ثم قال بهدوء:سليم: ـ سرحانة؟ابتسمت ابتسامة باهتة.شهد: ـ شوية.نظر إليها للحظات.ثم قال:ـ لو تعبانة ارتاحي.أومأت برأسها.لكن قبل أن تتكلم...رن هاتفها.نظرت إلى الشاشة.رقم قديم.رقم لم تره منذ فترة طويلة.ترددت للحظة.ثم أجابت.شهد: ـ ألو؟جاءها صوتٌ مختنق بالبكاء.صوت تعرفه جيدًا. قُصي.وفي اللحظة التي سمعته..شعرت بشيءٍ سيئ يهبط داخل قلبها.شهد: ـ في إيه؟على الطرف الآخر...لم يكن هناك سوى بكاء.ثم خرجت الكلمات بصعوبة:ـ يوسف مات يا شهد......تجمد كل شيء.الصوت.الهواء.الزمن.حتى نبضات قلبها.حدقت أمامها

  • حين عاد الماضي   part 22

    في صباح اليوم التالي...استيقظت الإسكندرية على سماء رمادية ملبدة بالغيوم، وكأن البحر نفسه يشعر أن شيئًا ثقيلًا يقترب.كانت شهد تجلس في مكتبها داخل شركة الجنايني جروب، تحاول التركيز في الأوراق أمامها، لكن عقلها كان يهرب منها كل بضع دقائق.منذ لقاء عدي بالأمس...وقلبها لم يعد هادئًا كما كان.كانت تكره ذلك.تكره أن يعود شخص واحد ليبعثر كل التوازن الذي حاولت بناءه بصعوبة.تنهدت ببطء وهي تغلق الملف أمامها.وفي اللحظة نفسها...فُتح باب المكتب.دخلت حور كعادتها دون استئذان.حور: ـ شهد!رفعت شهد رأسها فورًا.ابتسمت رغمًا عنها.شهد: ـ نعم يا ست حور؟اقتربت الصغيرة وهي تحمل قطعة حلوى.ثم مدت يدها إليها.حور: ـ دي ليكي.ابتسمت شهد بحنان.شهد: ـ ليه؟رفعت حور كتفيها ببساطة طفولية.حور: ـ عشان لما بزعل بابا بيجيبلي شوكولاتة.إنتِ شكلك زعلانة.توقفت شهد للحظة.ثم شعرت بشيء دافئ يمر داخل قلبها.ربتت على شعرها برفق.شهد: ـ وأنا مين قالك إني زعلانة؟ضيقت حور عينيها الصغيرة.ثم قالت بثقة:ـ عشان عيونك....وقبل أن تستطيع شهد الرد...رن هاتف سليم بعنف.مرة.مرتين.ثلاث مرات.التقط الهاتف بسرعة.لكن ما إ

  • حين عاد الماضي   Part 21

    حلّ الليل بهدوئه المعتاد فوق مدينة الإسكندرية.كانت الأضواء المتناثرة على امتداد الكورنيش تنعكس فوق سطح البحر كخيوطٍ ذهبية طويلة، بينما امتزج صوت الأمواج البعيد بنسمات الهواء الباردة التي تسللت إلى شرفة المنزل.في الطابق العلوي...كانت شهد جالسة فوق المقعد الخشبي الصغير الموجود في الشرفة الملحقة بغرفتها.تضم قدميها إلى صدرها.وتنظر إلى الفراغ.منذ عودتها من الشركة وهي تحاول إقناع نفسها أن لقاء اليوم لم يؤثر فيها.أن ظهور عدي المفاجئ لم يوقظ شيئًا كانت تحاول دفنه.أن قلبها لم يرتبك عندما رأته.لكن الحقيقة...كانت أصدق من كل محاولاتها للكذب على نفسها.أغمضت عينيها ببطء.فعاد المشهد أمامها من جديد.نفس النظرة.نفس الطريقة التي نطق بها اسمها."شهد."وكأنه لم يمر كل ذلك الوقت.وكأن المسافات لا تعني شيئًا.تنهدت ببطء.ثم همست لنفسها:شهد: ليه رجعت دلوقتي؟لكن البحر وحده كان يسمع سؤالها.✨✨✨✨✨✨✨✨في الأسفل...كانت حور تدور في أنحاء غرفة المعيشة كإعصارٍ صغير.بينما كان سليم يحاول إنهاء بعض الملفات على الحاسوب.حور: سوليييي.سليم دون أن يرفع رأسه: نعم.حور: زهقانة.سليم: ربنا يكون في عوننا.حو

  • حين عاد الماضي   Part 11

    في مكانٍ بعيد عن ضجيج الشركة، وعن الهدوء المصطنع الذي تحاول شهد التمسك به كل يوم، كان قُصي يقف داخل مكتب والده الواسع، وملامحه مشدودة بصورةٍ واضحة.الهواء داخل الغرفة كان ثقيلًا، تختلط فيه رائحة القهوة بنبرة التوتر الصامت الذي يسبق أي مواجهة بينهما. أما والده، فكان يجلس خلف مكتبه بثباتٍ بارد، يقلب

  • حين عاد الماضي   part 10

    في مساءٍ هادئ بدا عاديًا من الخارج، كانت شهد تجلس بجوار والدتها في صمتٍ ثقيل، بينما التلفاز يعمل بصوتٍ منخفض لا تنتبه إليه أيٌّ منهما فعلًا. كانت تضم ساقيها إلى صدرها فوق الأريكة الصغيرة، وعيناها شاردتان في نقطةٍ بعيدة، كأن عقلها انفصل عن المكان منذ وقتٍ طويل. منذ عودة قُصي، وكل شيء داخلها فقد اتز

  • حين عاد الماضي   part 9

    في المساء، كان الهدوء يخيّم على الطابق العلوي من الشركة بعدما غادر أغلب الموظفين، ولم يبقَ سوى أضواء خافتة تنعكس فوق الأرضية اللامعة وصوت أجهزة التكييف الذي يملأ الفراغ بصمتٍ بارد.داخل مكتبه، كان عدي يجلس خلف طاولته بشرودٍ واضح، بينما بقيت عيناه معلقتين على الملف المفتوح أمامه دون أن يقرأ منه شيئً

  • حين عاد الماضي   part 8

    داخل قاعة الاجتماعات، كان الجو مشبعًا بالهدوء الرسمي المعتاد… شاشة العرض مضاءة، الأوراق موزعة فوق الطاولة الطويلة، وأصوات النقاش تدور بنبرة عملية ثابتة.أما شهد… فكانت تشعر أن الهواء نفسه يضغط فوق صدرها.جلست في مكانها بهدوءٍ ظاهري، بينما قبضتها تنغلق فوق القلم بين أصابعها دون أن تنتبه. عيناها لم ت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status