LOGINكان الطريق المؤدي إلى قرية السنديان طويلًا وهادئًا على نحو غريب. كأن العالم يتعمد أن يخفّف من سرعته هناك، بعيدًا عن ضجيج نيوفيرا وأبراجها الباردة. اصطفت الأشجار العالية على جانبي الطريق الترابي كحراس قدامى، تحرك الريح أغصانها وأوراقها اليابسة تحت سماء رمادية ثقيلة. وبين الحقول الخضراء، ظهرت البيوت الصغيرة متباعدة، بدت أكثر دفئًا وبساطة من أي مكان آخر عرفه علاء. خفف علاء سرعة سيارته تدريجيًا عندما دخل القرية وصلت إليه رائحة المطر المختلطة بدخان المواقد القديمة، فشعر بشيء يتحرك في أعماقه. ذكرى قديمة طفولة بعيدة ذلك الأمان البسيط الذي لا يُشترى بالمال، ولا تمنحه القصور مهما كانت فاخرة مرر عينيه فوق الشوارع الضيقة التي يعرفها جيدًا. المخبز القديم الذي كان يشتري منه الخبز مع والدته الدكان الصغير القريب من المسجد ثم وقعت عيناه على شجرة ضخمة ما زالت واقفة في مكانها. تلك الشجرة التي كان يتسلقها وهو طفل، رغم صراخ والدته المستمر وهي تطالبه بالنزول ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه للمرة الأولى منذ ليلة الأمس: ما زال هذا المكان كما هو» خرجت الجملة همسًا لكن الابتسامة سرعان ما اختفت لأن الرج
كان صباح نيوفيرا باردًا على نحو خانق بدت السماء منخفضة فوق المدينة، رمادية وثقيلة، وكأن المطر يفكر في العودة من جديد. عبرت السيارات الشوارع بسرعة، بينما غطى الضباب الخفيف أطراف الأبراج العالية، فأخفى قممها داخل غيمة رمادية ممتدة. لكن كلما ابتعد علاء بسيارته عن قلب نيوفيرا، بدأت تلك الأبراج تتلاشى خلفه تدريجيًا. حلّت محلها طرق طويلة غير معبّدة، وأشجار قديمة تتحرك أغصانها مع الرياح الباردة، وبيوت متباعدة تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم آخر عالم أبطأ. أهدأ. وأبعد بكثير عن صخب المدينة أما داخل السيارة، فكان الصمت أثقل من أي موسيقى. أبقى علاء إحدى يديه فوق المقود، بينما انعكست أضواء الطريق الباهتة على ملامحه المتعبة. كان شعره الأسود أكثر فوضوية من المعتاد، والهالات الداكنة تحت عينيه كشفت ليلة طويلة لم يعرف فيها النوم طريقًا إليه. حتى ابتسامته الساخرة، التي كانت نادرًا ما تفارقه، اختفت تمامًا بقي الملف الأسود فوق المقعد المجاور لم يفتحه. ولم يكن بحاجة إلى فتحه فكل ما قرأه بالأمس ما زال حيًا في ذاكرته لأول مرة في حياته، فهم لماذا كانت والدته تخاف من الظلام. لماذا كانت ترتجف عندما تسمع صر
لم يتوقف المطر فوق نيوفيرا كانت المدينة غارقة في ليلة طويلة، تتلألأ شوارعها تحت الماء والضوء، بينما أخذت السماء تمطر بلا رحمة، وكأنها تشارك هذه الليلة ثقل ما انكشف فيها من أسرار. وفي داخل مكتب نادر الجبوري، كان الضوء الخافت ينساب فوق الأثاث الداكن، ويرسم ظلالًا ثقيلة على الوجوه المتعبة أما علاء فكان جالسًا على الكرسي وكأن السنوات كلها سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة. كانت يداه لا تزالان مشدودتين حول الملف الأسود لم يعد يفتحه لم يعد بحاجة إلى ذلك فالكلمات التي سمعها من نادر كانت قد حفرت نفسها داخل رأسه، والصورة القديمة لوالدته بقيت معلقة أمام عينيه، مهما حاول أن يشيح بنظره عنها. تلك المرأة التي طالما رآها قوية رغم مرضها لم تكن قوية كما ظن كانت فقط تعرف كيف تخفي جحيمًا كاملًا خلف ابتسامة صغيرة. رفع علاء عينيه أخيرًا نحو نادر وللمرة الأولى منذ عرفه لم تكن هناك سخرية في عينيه ولا مزحة. ولا ذلك الاستفزاز الذي اعتاد أن يستخدمه كلما اقترب الحديث من منطقة تؤلمه خرج صوته أجش، كأن الكلمات مرت أولًا عبر شيء ثقيل داخل صدره: « هل كانت…» توقف لحظة، وكأنه لم يعرف كيف يسأل السؤال ثم أكمل: سعيدة معي
كان ليل نيوفيرا غارقًا بالمطر من جديد انهمرت القطرات فوق النوافذ والشرفات، وانعكست أضواء المدينة على الشوارع السوداء، حتى بدت نيوفيرا بأكملها وكأنها تغرق تحت سماء رمادية لا تنوي الرحيل. لكن داخل قصر الجبوري، كان كل شيء أكثر ثقلًا، لم يكن صوت المطر كافيًا لتخفيف ذلك الشعور الخانق الذي استقر في أرجاء المكان. دخل علاء خلف أحد الحراس، وخطواته هادئة على نحو غريب لا يشبهه. كانت الممرات طويلة وفاخرة، تزينها الثريات الضخمة والأثاث الباهظ، إلا أن كل ذلك لم يلفت انتباهه. كان يشعر وكأنه يمشي داخل مكان لا ينتمي إليه وكأن كل خطوة تقوده إلى جزء من ماضٍ لم يكن مستعدًا لمواجهته لكن أكثر ما أثقل يده وصدره في تلك اللحظة كان الملف الأسود الذي يحمله. توقف الحارس أمام باب المكتب، ثم فتحه كان نادر يقف أمام النافذة الزجاجية العملاقة، وظهره للغرفة، يحدق في المدينة المبتلة تحت المطر. فوق مكتبه، بقي فنجان قهوة بارد لم يلمسه منذ وقت طويل، قال دون أن يلتفت: اجلس. دخل علاء وألقى الملف فوق الطاولة بإهمال، ثم جلس على المقعد المقابل. لكن خفته المعتادة لم تكن موجودة هذه الليلة لا ابتسامة ساخرة. لا تعليق مضحك
كان صباح نيوفيرا هادئًا على غير عادته السماء الرمادية غطّت المدينة بالكامل، والضباب الخفيف تحرك بين الأبراج العالية، يحجب أجزاءً من المشهد كأنه يخفي أسرارًا لم يحن وقت ظهورها بعد. أما داخل فيلا الحمدي، فكان الهدوء مختلفًا أكثر دفئًا وأقل خوفًا من الأيام الماضية. جلست نور في غرفة الجلوس الواسعة، تلف أصابعها حول كوب الشاي دون أن تشرب منه منذ أن استيقظت والجملة نفسها لا تزال تدور داخل رأسها. «أنتِ حامل.» حتى الآن كانت تشعر أن الأمر يشبه الحلم طفل، طفل منها ومن إياد روح صغيرة ستأتي إلى عالم لم يكن هادئًا أصلًا. وضعت يدها فوق بطنها دون وعي، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة سرعان ما اختلطت بالقلق لم تكن تعرف أيهما أقوى داخلها الفرح، أم الخوف. قطع أفكارها صوت خطوات هادئة تقترب من الغرفة رفعت عينيها نحو الباب وفي اللحظة التالية دخلت أمل. كانت ترتدي فستانًا أنيقًا بلون كريمي، بينما انسدل شعرها الداكن بترتيب بسيط زاد من هيبتها الهادئة. كانت نظرتها تحمل ذلك النوع من الهدوء الذي لا يأتي من حياة سهلة… بل من امرأة رأت الكثير، وعرفت كيف تخفي آثار ما رأته خلف ابتسامة متزنة. نهضت نور فورًا:«أهلًا خال
بعد خروج الطبيب من الغرفة ساد هدوء غريب كان كل شيء في مكانه. الستائر البيضاء تتحرك ببطء أمام النافذة، وأشعة الصباح الشاحبة تنعكس فوق الأرضية اللامعة، بينما بقيت نور مستندة إلى وسادتها وعيناها معلقتين بالسقف. لكن ذلك الهدوء لم يكن حقيقيًا لأن جملة واحدة فقط كانت كافية لتغيير حياتهما بالكامل:«زوجتك حامل.» طفل كلمة بسيطة لكنها بدت لنور أكبر من أن يستوعبها عقلها في لحظة واحدة وضعت يدها فوق بطنها دون وعي. لم يكن هناك شيء يمكن رؤيته بعد ومع ذلك، شعرت أن شيئًا جديدًا بدأ يعيش داخلها شيء صغير جدًا لكنه يحمل معه مستقبلًا كاملًا. رفعت عينيها نحو إياد كان واقفًا قرب النافذة بصمت ظهره لها، ويداه في جيبي بنطاله، بينما انعكس ضوء المدينة البعيد فوق ملامحه من خلال الزجاج لم يتحرك ولم يقل شيئًا. كأنه للمرة الأولى منذ سنوات فقد القدرة على معرفة ما يجب أن يفعله الفرح كان موجودًا بالتأكيد كان موجودًا لكن الفرح لم يأتِ وحده جاء معه خوف ثقيل. طفل يعني حياة جديدة يعني نقطة ضعف جديدة روح صغيرة يمكن لأعدائه أن يستخدموها ضده. وإذا كان إياد قد اعتاد أن يخاطر بحياته دون أن يفكر مرتين فكيف يمكنه أن يفعل ا
لم يكن ما حدث في الصف أمرًا عابرًا… على الأقل بالنسبة لـ نور. منذ تلك اللحظة، أصبحت كل الأنظار تتبعها، وكل همسة وضحكة صغيرة خلف ظهرها كأنها سهم يصيب قلبها مباشرة. الطلاب يهمسون بهمسات خافتة: — "هاي هي…" — "اللي كانت تلاحق إياد…" — "واضح مو طبيعية…" لكن نور لم ترد. جلست في مكانها كعادتها،
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس







