LOGINكانت ظهيرة نيوفيرا ملبدة بغيومٍ رمادية ثقيلة بقايا المطر الذي هطل طوال الليل ما زالت تلمع فوق الشوارع، بينما انعكست واجهات الأبراج الزجاجية على الإسفلت المبتل، فتضاعفت برودة المدينة تحت ضوء شمسٍ شاحب لم يستطع اختراق الغيوم بالكامل. السيارات الفاخرة كانت تعبر الطرق الواسعة بانتظام، وأصوات المدينة تختلط بصفاراتٍ بعيدة وصفير الرياح وهي تتسلل بين الأبنية المرتفعة. كل شيء بدا طبيعيًا لكن السماء نفسها كانت توحي بأن عاصفةً أخرى لم تبدأ بعد. في الطرف الآخر من المدينة، فُتحت البوابة الحديدية الضخمة للفيلا ببطء. دخلت سيارة سوداء إلى الممر الطويل المحاط بالأشجار، ثم توقفت أمام المدخل الرئيسي. نزل إياد منها بصمت كان التعب واضحًا على وجهه هذه المرة هالات داكنة تحت عينيه، ملامح أكثر شحوبًا من المعتاد، وخطوات فقدت شيئًا من سرعتها رغم بقاء ذلك الثبات الذي يميزه. كان رامز قد نجا العملية انتهت الخطر المباشر تراجع قليلًا لكن شيئًا داخل صدره لم يهدأ كأن جسده عاد إلى الفيلا، بينما عقله ما زال عالقًا أمام باب غرفة العمليات. ما إن دخل حتى انحنى الخدم باحترام توقف عم حازم قرب المدخل، ونظر إليه بقلق وا
كان المطر لا يزال يهطل فوق شوارع نيوفيرا حين توقفت السيارة السوداء داخل أحد الأنفاق المهجورة الممتدة أسفل المدينة. كان المكان شبه خالٍ، لا يصل إليه سوى ضوء أبيض باهت صادر عن مصابيح قديمة معلقة في السقف، بينما انعكس صوت قطرات المطر القادمة من فتحات التهوية على الجدران الإسمنتية، فبدت الأجواء أكثر برودة مما ينبغي في المقعد الخلفي، كان رامز يجلس بصعوبة. يده تضغط على جانبه، وقميصه الأسود أصبح أكثر قتامة بسبب الدم الذي لطخه أما إياد فكان يقف خارج السيارة تحت الضوء الشاحب، وقد أخفى القناع الذهبي ملامحه بالكامل كان ساكنًا هادئًا لكن ذلك الهدوء لم يكن طبيعيًا كان هدوء رجل أنهى حربًا للتو، وما زال عقله عالقًا في تفاصيلها اقترب أحد الرجال التابعين له بسرعة. «سيدي.» مدّ إياد يده وبدأ بخلع قفازيه السوداوين ببطء ثم قال دون أن ينظر إليه:«السيارة والملابس والقناع... تخلّصوا منها.» أومأ الرجل فورًا: «أمرك.» ثم سلّمه حقيبة سوداء صغيرة فتحها إياد داخلها كانت هناك ملابس رسمية داكنة، ساعة سوداء فاخرة، ونظارات تخفي جزءًا من ملامحه أخذها بهدوء. ثم خلع القناع الذهبي لثوانٍ بدا وكأن شخصًا آخر خرج
في الطرف الشرقي من نيوفيرا، كان الليل مختلفًا الأمطار تهطل بعنف فوق المستودعات المهجورة القريبة من الميناء، والضباب الكثيف يزحف بين الأزقة الضيقة، يحجب معالم المكان ويبتلع الأضواء البعيدة حتى بدت المدينة من حوله باهتة ومشوّشة. كانت أصوات المطر تضرب الأسطح المعدنية بإيقاع متواصل، بينما كانت الرياح تعصف بين الحاويات القديمة، حاملةً معها رائحة البحر والحديد والرطوبة. وفي قلب ذلك الظلام، كان رامز يركض خطواته غير منتظمة، وأنفاسه متقطعة، ويده تضغط بقوة على جانبه الأيسر. الدم كان يتسرب من بين أصابعه، يختلط بمياه المطر وينساب على ملابسه قبل أن يسقط على الأرض المبتلة ويختفي بين البرك الصغيرة. كان يتألم. لكن التوقف لم يكن خيارًا قبل أقل من ساعة كان يعتقد أن المهمة ستكون بسيطة مراقبة فقط. إياد طلب منه تتبع نائب البرلمان السابق الذي اختفى بعد هروبه من السجن، بعدما بدأت الخيوط القديمة تقود إليه من جديد. لم يكن المطلوب القبض عليه ولا مواجهته فقط معرفة مكانه، ومعرفة الأشخاص الذين يتواصل معهم لكن رامز اكتشف متأخرًا أن المهمة لم تكن مراقبة من الأساس. كانت كمينًا وكانوا ينتظرونه التفت خلفه بعنف
كان ليل نيوفيرا هادئًا، هادئًا إلى درجة مخادعة السماء مغطاة بطبقات كثيفة من الغيوم الداكنة، تحجب معظم ضوء القمر، بينما كانت الطرقات شبه فارغة إلا من أضواء السيارات البعيدة التي تمر بين الأبراج الزجاجية الباردة. لكن خلف أسوار إحدى أكبر الفيلات في المدينة، كان هناك شيء آخر يتحرك في الظلام شيء لا يشبه هدوء الليل إطلاقًا. كان إياد يسير داخل الحديقة الخلفية بخطوات ثابتة لم يكن يحمل هاتفًا. لم يكن برفقة أحد وكانت ملامحه أكثر صمتًا من المعتاد امتدت الحديقة أمامه بمساحة تكاد تبدو غير حقيقية. أشجار طويلة اصطفت على جانبي الممر الحجري، وأغصانها تحركت ببطء مع الهواء الليلي البارد، بينما غطت الورود البيضاء والحمراء الداكنة والبنفسجية أطراف الممر. كانت قطرات الندى تلمع فوق الأوراق تحت ضوء المصابيح الأرضية، وفي المنتصف، كانت نافورة رخامية ضخمة ينساب منها الماء بصوت هادئ. كل شيء هنا كان جميلًا. مرتبًا، فاخرًا، وكأن المكان صُمم خصيصًا ليخفي شيئًا لا يجب أن يراه أحد. لكن إياد لم يتوقف واصل السير. حتى ابتعد عن الفيلا تمامًا ثم انعطف نحو ممر ضيق تحيط به الأشجار الكثيفة من الجانبين كلما تقدم، قل
داخل مكتب إياد في الطابق العلوي من شركة «الحمدي»، بقيت نور واقفة قرب الواجهة الزجاجية بعد انتهاء المكالمة. كانت نيوفيرا تتحرك في الأسفل كأن شيئًا لم يحدث سيارات تعبر الشوارع بسرعة منتظمة، أبواق بعيدة تتداخل مع أصوات المدينة، وموظفون يخرجون ويدخلون من المباني دون أن يعرف أيٌّ منهم أن عالم شخص واحد قد يتغير بالكامل في لحظة. لكن داخل المكتب، لم يكن شيء طبيعيًا عادت عينا نور نحو الباب المغلق إياد هو من أغلقه عليها بنفسه. هذه الفكرة وحدها بقيت عالقة داخل رأسها بثقل مزعج هي تعرف أنه خائف. رأت ذلك بوضوح في عينيه. لكن لماذا تشعر إذًا أن خوفه بدأ يلتف حولها شيئًا فشيئًا… حتى أصبح يشبه القيد؟ تنهدت بخفة، ثم ابتعدت عن النافذة وجلست على الأريكة القريبة وفي اللحظة نفسها، اهتز هاتفها فوق الطاولة الزجاجية. رسالة جديدة من لمى ترددت نور للحظات قبل أن تفتح المحادثة، لكن ما إن ظهرت الصورة أمامها حتى تجمدت عيناها قليلًا.📸 كانت صورة قديمة إياد ولمى يقفان معًا داخل مناسبة رسمية فاخرة، يرتديان ملابس رسمية أنيقة، وخلفهما عدد من رجال الأعمال والشخصيات المعروفة. بدا إياد أصغر سنًا قليلًا… لكن نظرته
بقيت نور واقفة قرب الواجهة الزجاجية لمكتب إياد، تراقب السيارات الأمنية المنتشرة أسفل الشركة بعد خروجه برفقة علاء لكن شيئًا في المكان تغيّر. قبل دقائق فقط، كان المكتب مجرد مساحة واسعة وهادئة تطل على نيوفيرا. الآن… بدا لها وكأنه غرفة مغلقة الجدران نفسها لم تتغير، والواجهة الزجاجية ما زالت تعكس أبراج المدينة، لكن الهدوء أصبح ثقيلًا إلى درجة جعلت أنفاسها تبدو أعلى من اللازم. في الأسفل، تحرك رجال الحراسة بسرعة غير معتادة، بعضهم يتحدث عبر أجهزة الاتصال، وآخرون يفتشون محيط المبنى بعناية، نور ضمّت ذراعيها إلى جسدها دون وعي. الرسالة التي وصلت إلى إياد اختفاء أحد رجال الحراسة التشويش الذي أصاب الكاميرات ثم تلك النظرة التي رأتها في عينيه قبل أن يغادر الخوف إياد لم يكن غاضبًا فقط كان خائفًا عليها. وهذا تحديدًا ما جعلها أكثر خوفًا، تنفست ببطء، ثم ابتعدت عن النافذة واتجهت نحو الباب ربما كان من الأفضل أن تخرج وتبحث عنه بنفسها. وضعت يدها على المقبض. أدارته لم يتحرك، توقفت، حدقت في الباب للحظات، ثم حاولت مرة أخرى. هذه المرة بقوة أكبر لكن القفل الإلكتروني لم يصدر حتى صوتًا، تراجعت خطوة اتسعت ع
مرّ أسبوع كامل، ثم أسبوع آخر، والتنمر لم يتوقف. بل، ازداد سوءًا مع كل يوم يمر. كانت أوراق نور تُخفي عن أعين الآخرين، وحقيبتها الرمادية تُرمى بلا رحمة على الأرض، وكرسيها في الصف يُكسر أحيانًا أمام زملائها، وأوراقها المهمة تُمزق أمام أعينها. كل مرة، كان يحدث نفس الشيء… صمتها كان الرد الوحيد. صمت ي
لم تبدأ القصة بضربة… بل بكلمات، ثقيلة، تنغرس في الصدر قبل أن تصل إلى الأذن، تهز المشاعر وتزرع الخوف قبل أي فعل. في نهاية الدوام، حين وقفت نور خارج المدرسة، كانت الشمس تتسلل بخجل بين الأشجار، تلقي بظلالها على الأرض، وشعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها برقة، يموج مع نسيم الصباح. طولها متوسط، وقوا
لم تكن جوليا من النوع الذي يترك الأمور للصدفة. منذ اللحظة التي رأت فيها نور تضع الرسالة، وهي تعرف أن هناك شيئًا مخفيًا… شيئًا لا تراه العيون بسهولة لكنه حاضر بقوة. ولهذا— بدأت جوليا تراقب وتبحث، تحلل كل حركة، كل ابتسامة، وكل نظرة. في صباح اليوم التالي، وقفت قرب بوابة المدرسة، تتأمل الطلاب وهم
في بعض الأحيان، لا تحتاج إلى ضربة لتسقط… كلمة واحدة تكفي. منذ أيام، شعرت نور بأن شيئًا يتغير حولها. لم يكن فقط تصرفات الآخرين، بل نظراتهم الثقيلة المليئة بالحكم والهمس. كل حركة، كل همسة، كانت كأنها سهم يصيب قلبها الصغير. لم تعرف سبب هذا التغيير، لكنها شعرت بثقل في صدرها، وكأن العالم أصبح أصغر







