ログインظل أصيل واقفاً في مكانه لعدة ثوانٍ، يراقب المشهد الذي يمزق أحشاءه. كان يشعر وكأن هناك خنجراً من الجليد انغرس في صدره وهو يرى ماريا، زوجته بموجب عقد قانوني وورقة رسمية، تبحث عن الأمان في صدر رجل آخر. تذكر في تلك اللحظة اتفاقهما؛ ذلك العقد البارد الذي وقعاه لعام واحد، حيث تعاهدا أن يكون زواجاً صورياً، بلا مشاعر، بلا تدخلات، وبلا حب. كان هو من وضع تلك القواعد، وكان هو من أصرّ على أن يعيش كل منهما في عالمه الخاص. لكن القدر كان يسخر منه الآن؛ فقد اكتشف أن الجدار الذي بناه حول قلبه قد انهار في صمت، وأن تلك الفتاة التي ظنها مجرد "شريكة عقد" قد تسللت إلى أعماقه واستوطنتها، لدرجة أنه بات يتنفس وجودها.تحرك أصيل أخيراً، كانت خطواته ثقيلة، مثقلة بمزيج من الكبرياء الجريح والغيرة القاتلة. اقترب منهما ببطء، محاولاً استعادة قناعه البارد، لكن عينيه كانت تفضحانه. توقف على بُعد خطوة واحدة منهما، ونظر إلى ماريا بنبرة حاول أن يجعلها هادئة ومسيطرة، لكنها خرجت مشروخة:"ماريا.. انتهى كل شيء الآن. يمكنكِ التوقف عن هذا العناق.. لقد عدتِ في أمان".رفعت ماريا رأسها قليلاً، نظرت إلى أصيل بعينين دامعتين، لكنها لم
لم يستسلم أمير بسهولة؛ فقد كان يرى في هذا الموقف إهانة لكرامته التي بناها على أنقاض الآخرين. استشاط غضباً، وبدلاً من التراجع، تراجع خطوة للخلف وهو يضحك ضحكة هستيرية هزت أرجاء القاعة، صرخة من الغرور تحاول مداراة الرعب الكامن في أعماقه. صرخ في وجه رجال الأمن بنبرة متعالية: "هل تعرفون من أنا؟ هل تدركون حجم النفوذ الذي أحمله في قبضة يدي؟ مكالمة واحدة مني ستمحو وجودكم جميعاً من السجلات! أنا لست مجرد مصمم، أنا القوة التي تحرك خيوط هذه الصناعة في هذه المدينة!".كان يحاول استغلال سلطته كدرع أخير، موجهاً نظراته نحو القادة الأمنيين، ظناً منه أن الرتب العسكرية ستنحني أمام سطوته المالية. لكن عماد لم يرمش له جفن، بل ظل واقفاً كالجبل، يحيط ماريا بذراعه، مما جعل أمير يشعر بالعجز التام لأول مرة. وفي لحظة يأس مباغتة، التفت أمير نحو ماريا، وصرخ بصوت حاد مليء بالسم: "تظنين أنكِ نجوتِ يا ماريا؟ تظنين أن هذا الرجل سيحميكِ من الجحيم الذي أعددته لكِ؟ تذكري أن كل خيط في هذا الفستان، وكل تفصيلة في نجاحكِ اليوم، هي ملكي أنا! إذا سقطتُ، سأجركِ معي إلى القاع، وسأجعل العالم كله يعرف أنكِ لم تكوني سوى دمية في يدي!
انتقلت المسابقة إلى مرحلتها الأكثر تعقيداً وخطورة؛ مرحلة التجسيد المادي. تحولت القاعة إلى ورشة عمل عملاقة، حيث وُزعت طاولات قص ضخمة، وماكينات خياطة من أحدث الطرازات، وأمتار من أفخم أنواع الحرير، والشيفون، والمخمل التي تتراص بألوانها الساحرة. كان الوقت يداهم الجميع، والتوتر وصل إلى ذروته، حيث تحولت المنافسة من مجرد رسومات على ورق إلى صراع حقيقي مع القماش والزمن.في تلك اللحظة، حدث تحول غريب في كيان ماريا. بمجرد أن لمست أصابعها ملمس القماش البارد، وبدأت في قص أول قطعة من الحرير الأسود القاتم، شعرت وكأن عالماً موازياً قد انفتح أمامها. تلاشت وجوه الحراس، واختفت نظرات أمير المتربصة، ونسيت حتى صوت قيودها الوهمية التي تلتف حول معصميها. دخلت ماريا في حالة من "الاندماج الكلي"، تلك الحالة التي يغيب فيها الفنان عن وعيه بالزمن والمكان، ولا يرى سوى العمل الذي بين يديه.بدأت تخيط بجدية مفرطة، كانت إبرتها تتحرك بسرعة مذهلة ودقة متناهية، وكأنها تعزف سيمفونية من الألم والأمل على جسد القماش. كانت تضع في كل غرزة دمعة خفية، وفي كل ثنية من ثنايا الفستان صرخة مكتومة. لم تعد تخيط فستاناً للمشاركة في مسابقة،
عقد نيكولاس حاجبيه في عبوس حاد، وازدادت نظراته قسوة وكأنه يحاول اختراق قناع أمير المستفز. لم يتزحزح إنشاً واحداً، بل أجابه بنبرة جليدية، قصيرة وقاطعة كحد السيف:"لا شأن لك بها.. ولا شأن لك بما أختاره لشركتي".اتسعت ابتسامة أمير، ومال برأسه قليلاً إلى الجانب في حركة توحي بالسخرية المطلقة. ضحك ضحكة خافتة في البداية، ثم تحولت إلى ضحكة مسموعة، مستفزة، تردد صداها في أرجاء السجادة الحمراء، وكأنه يسخر من جدية نيكولاس المفرطة. قال أمير وهو يضغط على يد ماريا مجدداً:"أوه، لا تقل لي أنك، العظيم نيكولاس، ستترك كبرياءك جانباً وتشارك في هذه المسابقة بنفسك هذه المرة؟ سيكون ذلك حدث القرن! أن يتنافس 'الإمبراطور' مع الهواة".رد نيكولاس ببرود تام، دون أن ترمش له عين:"أنا لا أنافس الهواة، ولا أهدر وقتي في مسابقات. هذه المسابقة مخصصة للجيل الجديد، لدمج الدماء الشابة في عالم الموضة. لذلك، وظفتُ واحدة من مبدعي شركتي لتمثيلنا. فشركتي، كما تعلم، تزخر بالموهوبين الذين لا يحتاجون إلى أقنعة ليثبتوا وجودهم".انفجر أمير ضاحكاً بصوت عالٍ هذه المرة، ضحكة مجلجلة حملت في طياتها الكثير من الاحتقار والغموض. هز رأسه وه
لم يترك أمير لماريا مجالاً للتنفس أو حتى لوداع أخيرة لعماد الذي اختفى خلف أبواب الطائرة الموصدة. سحبها من معصمها بقسوة جعلت عظامها تكاد تئن، وجرّها خلفه عبر الممر البارد وكأنها مجرد قطعة أثاث يمتلكها. كانت خطواته سريعة، واثقة، ومستبدة، بينما كانت هي تتعثر خلفه، ودموعها قد جفت من فرط الصدمة، تاركةً خلفها قلباً ممزقاً ورجلاً يحاول الصراخ في وجه قدرٍ لا يرحم.عندما وصلا إلى الخارج، كانت سيارة "رولز رويس" سوداء فاحمة تنتظر في صمت مهيب، كأنها تابوت فاخر يتأهب لابتلاعها. فتح الحارس الباب بآلية مفرطة، ودفعها أمير إلى المقعد الخلفي بقوة، ثم ارتمى بجانبها، ليغلق الباب ويحول السيارة إلى زنزانة معزولة عن العالم. ساد صمت ثقيل داخل السيارة، لم يقطعه سوى صوت أنفاس ماريا المتهدجة وصوت محرك السيارة الذي انطلق بسلاسة قاتلة يشق شوارع لندن الضبابية.كانت ماريا تنظر من النافذة إلى الأضواء الباهتة والوجوه العابرة، تشعر بأنها غريبة عن هذا العالم، وأنها تساق إلى مصيرها وهي حية. التفت إليها أمير، وكانت ملامحه قد استعادت ذلك الهدوء المرعب، أخرج من الحقيبة الجلدية بجانبه قناعاً أسوداً فاخراً، مرصعاً بتفاصيل دق
ساد صمتٌ جنائزي داخل تلك المساحة الضيقة، صمتٌ كان أثقل من الجبال وأكثر حدة من النصال. شعرت ماريا بأن الهواء قد سُحب تماماً من الغرفة، وأن الجدران البيضاء الباردة بدأت تضيق عليها حتى كادت تخنقها. كان صوت أمير لا يزال يتردد في أذنيها، ليس كصوت بشري، بل كفحيح أفعى تقترب من فريستها التي حاصرتها في زاوية لا مخرج منها.تصلبت ماريا في مكانها، وارتجفت شفتاها وهي تنظر إلى الباب، ثم التفتت إلى عماد. رأت في عينيه شعلة من الغضب والتحدي، لكنها رأت أيضاً شيئاً من القلق الذي حاول إخفاءه. كان عماد يشد قبضتيه، وعروق رقبته بارزة، مستعداً لمواجهة الموت في سبيلها، لكن ماريا كانت تعلم أن القوة البدنية لا تعني شيئاً أمام رجل مثل أمير، رجل لا يقاتل بيده بل يقاتل بالعقول، وبالنفوذ، وبالرعب الذي يزرعه في القلوب.همس عماد في أذنها بصوت خافت جداً، محاولاً طمأنتها رغم الموقف: "لا تخافي.. أنا هنا. لن يلمسكِ مرة أخرى".لكن ماريا لم تشعر بالأمان، بل شعرت برعب مضاعف. كانت تعلم أن وجود عماد هنا، في هذه اللحظة بالذات، قد حوّل رحلة هروبهما المحتملة إلى حكم بالإعدام. فكرت في الورقة السرية المخبأة، وفكرت في أصيل، وفي كل







