LOGINالفصل العاشر: لماذا اخترتني؟
ظل عبد الرحمن واقفًا عند باب الفيلا بعد أن اختفى محمود السالمي في ظلام الشارع. لم يتحرك. كانت الرسالة لا تزال بين أصابعه، لكنه لم يفتحها مرة أخرى. كان يحدق في الطريق الذي اختفى فيه الرجل، وكأنه ينتظر أن يعود ويقول إن كل ما حدث مجرد لعبة سخيفة. لكن الشارع كان هادئًا. لا صوت لسيارة. لا خطوات. لا أحد. فقط هواء الليل البارد يتحرك بين أشجار الحديقة. جاء صوت سليم من خلفه: — بابا؟ لم يجب. — بابا، ادخل. استدار عبد الرحمن ببطء. نظر إلى أبنائه. كان سليم واقفًا في المقدمة، وعلى وجهه علامات القلق والغضب. وخلفه حسام، الذي بدا أكثر هدوءًا، لكنه كان يراقب والده بعين الطبيب الذي يلاحظ التفاصيل الصغيرة. أما أمينة فكانت تقف بعيدًا، وقد أدركت من ملامح زوجها أن شيئًا خطيرًا حدث. قالت: — مين الراجل ده؟ ظل عبد الرحمن صامتًا. ثم أغلق الباب. قال: — ادخلوا المكتب. لم يسأل أحد. ذهبوا خلفه. دخل فؤاد آخر واحد وأغلق الباب. جلس عبد الرحمن خلف مكتبه. وظل الثلاثة أمامه. أخرج الرسالة ووضعها على الطاولة. قال سليم: — دي رسالة من أبوك؟ — أيوه. — وإنت ما كنتش تعرف إنها موجودة؟ — لا. — ومحمود كان عنده إزاي؟ — معرفش. قال حسام: — طيب هو يقصد إيه لما قال إنك "المختار"؟ رفع عبد الرحمن عينيه إليه. — دي النقطة اللي مش فاهمها. قال سليم: — لكنه قال إن أبوك هو اللي اختارك. تدخل فؤاد: — لازم نفتكر حاجة. نظر إليه الجميع. قال: — إحنا لسه ما نعرفش كل اللي حصل قبل ليلة العراف. قال سليم: — وإنت تعرف أكتر مننا. صمت فؤاد. ثم قال: — أيوه. اقترب سليم منه. — يبقى اتكلم. نظر فؤاد إلى عبد الرحمن. كان القرار في يده. قال عبد الرحمن: — خلاص يا فؤاد. — متأكد؟ — أيوه. ثم نظر إلى أبنائه. — لازم تعرفوا جزء من الحقيقة. جلس سليم. جلس حسام. وبقي عبد الرحمن للحظات صامتًا. ثم قال: — لما كان عمري ثمانية وعشرين سنة، كنت لسه في بداية حياتي. — كنت شغال في الريف، زي ما تعرفوا. — وكانت علاقتي بأبويا قوية، لكنه كان رجل قليل الكلام. — ما كانش بيحكي عن شغله، ولا عن الناس اللي يعرفهم. توقف. ثم قال: — قبل الليلة اللي رحت فيها للعراف بيومين، حصل شيء غريب. قال سليم: — إيه؟ — أبويا طلب مني أقابله. — فين؟ — في المخزن القديم. سأل حسام: — لوحدك؟ — أيوه. — وقال لك إيه؟ أخذ عبد الرحمن نفسًا طويلًا. — قال لي إن حياتي هتتغير. قال سليم: — وبس؟ — لأ. تردد. ثم تابع: — قال لي إن فيه ناس هتدخل حياتي، وإن لازم أكون مستعد. سأل حسام: — مين الناس؟ — ما قالش. قال فؤاد: — وهنا بدأ كل شيء. نظر إليه عبد الرحمن. ثم أكمل: — أبويا سألني وقتها سؤال غريب. — قال لي: "لو عرفت إن حياتك مش ملكك لوحدك، هتعمل إيه؟" سليم قطب حاجبيه. — وإنت قلت له إيه؟ ابتسم عبد الرحمن بمرارة. — قلت له إن ده كلام مجانين. ضحك حسام ضحكة قصيرة. — واضح إنك كنت زي دلوقتي. نظر إليه عبد الرحمن. — كنت أصغر. ثم عاد إلى الذكرى. --- كان عبد الرحمن في الثامنة والعشرين. جلس أمام والده في المخزن القديم. كان المساء قد بدأ. وضوء الشمس يدخل من فتحة صغيرة في الجدار. قال الأب: — أنت عارف إني عمري ما طلبت منك حاجة من غير سبب. — عارف. — النهارده هطلب منك حاجة. — قول. — هتروح مع فؤاد لمكان. — فين؟ — هتعرف. — ليه؟ — لأن لازم تسمع كلام رجل. — مين؟ — مش مهم. — أمال ليه أروح؟ نظر الأب إليه طويلًا. — عشان مستقبلك. ضحك عبد الرحمن. — مستقبلي أنا أحدده. قال والده: — كنت أتمنى يكون الأمر بهذه السهولة. سكت عبد الرحمن. ثم قال: — إنت خايف من إيه؟ لم يجب والده. فقط قال: — لو سمعت شيئًا لا يعجبك، لا تسأل عن معناه. — ليه؟ — لأن بعض الأسئلة لها ثمن. --- عاد عبد الرحمن إلى الحاضر. كان أبناؤه ينظرون إليه. قال سليم: — وبعدها؟ — خرجت. — وقابلت العراف؟ — أيوه. — وحدك؟ — أنا وفؤاد. نظر سليم إلى فؤاد. — وأبويا كان عارف؟ قال فؤاد: — أيوه. قال حسام: — طب ليه أخفى ده كل السنين؟ أجاب عبد الرحمن: — لأنني طلبت منه. — إنت؟ — أيوه. — ليه؟ — لأنني كنت أريد أن أنسى. --- لم يقتنع سليم. قال: — بس فيه حاجة مش منطقية. — إيه؟ — لو الموضوع مجرد نبوءة، ليه محمود رجع بعد سبعة وعشرين سنة؟ لم يجب عبد الرحمن. قال حسام: — وليه يعرفنا؟ أضاف سليم: — وليه بعت لي الصورة؟ ثم نظر إلى أبيه مباشرة. — وليه قال إنك المختار؟ كانت الأسئلة تتوالى. ولم يكن لدى عبد الرحمن إجابة. قال فؤاد: — لأننا لم نصل إلى بداية الحكاية بعد. نظر إليه سليم. — وإنت تعرف البداية؟ — أعرف جزءًا منها. — قول. قال فؤاد: — والد عبد الرحمن لم يكن وحده في الموضوع. — كان مع مين؟ — مع ثلاثة رجال. قال عبد الرحمن: — محمود السالمي، الشيخ ناصر، وحسن الجبالي. سأل حسام: — الثلاثة كانوا يعرفوا بعض؟ — أيوه. — وإيه علاقتهم بأبويا؟ — دي اللي مش عارفها. قال سليم: — لازم نعرف. رد عبد الرحمن: — هنبدأ من السجلات القديمة. — فين؟ — في البلد. قال سليم: — هنروح. نظر إليه عبد الرحمن. — إنت لأ. — ليه؟ — لأنك عندك شغل. — أقدر آخذ إجازة. — سليم. — أنا مش طفل. سكت عبد الرحمن. ثم قال: — عارف. — يبقى خليني معاك. تدخل حسام: — وأنا كمان. نظر عبد الرحمن إلى الاثنين. — وإنتوا عايزين تدخلوا في الموضوع؟ قال حسام: — إحنا دخلنا بالفعل. كان عبد الرحمن يعرف أنه لا يستطيع منعهم. لكن قلبه كان يخبره بأن وجودهم معه قد يجعل الأمور أخطر. --- في اليوم التالي، بدأ عبد الرحمن البحث. لم يذهب إلى المحكمة. أخذ إجازة. واتفق مع فؤاد على السفر إلى القرية. لكن قبل أن يتحركوا، حدث شيء آخر. كان سليم قد بدأ بحثه من القاهرة. ذهب إلى أرشيف قديم، وطلب ملفات تخص والده في الفترة التي كان فيها في الثامنة والعشرين. لم يكن يبحث عن قضية. كان يبحث عن اسم. وجد أول خيط. محمود السالمي. ثم وجد اسمًا ثانيًا: حسن الجبالي. أما الشيخ ناصر، فلم يكن موجودًا في أي سجل رسمي. لكن في إحدى الأوراق القديمة ظهر اسم مختلف: ناصر عبد المولى. احتفظ سليم بالمعلومة. ثم وجد شيئًا جعله يتوقف. كان هناك محضر قديم يعود إلى العام نفسه. لم تكن القضية جنائية. كانت عبارة عن بلاغ غريب. اختفاء أوراق من منزل أحد كبار أعيان القرية. المحضر ذكر ثلاثة أسماء. محمود السالمي. حسن الجبالي. ورجل ثالث لم يذكر اسمه كاملًا. لكن المثير أن البلاغ أغلق بعد يوم واحد فقط. بدون تحقيق. بدون اتهامات. وبدون تفسير. رفع سليم الهاتف واتصل بحسام. — لقيت حاجة. — إيه؟ — قضية قديمة. — تخص بابا؟ — بشكل غير مباشر. — قول. أخبره. ثم قال: — أنا هروح البلد. — لوحدك؟ — أيوه. — استنى. — ليه؟ — لازم نقول لبابا. — مش هيرضى. — يبقى نروح من غير ما نقوله. ضحك سليم. — أول مرة تعمل حاجة متهورة. — اتعلمت من أخويا الكبير. --- في الوقت نفسه، كان عبد الرحمن وفؤاد في الطريق. قال فؤاد: — سليم عايز يروح. — عارف. — وحسام؟ — غالبًا معاه. — هتمنعهم؟ — حاولت. — ونجحت؟ ابتسم عبد الرحمن. — لأ. قال فؤاد: — عشان كده لازم نكون أسرع منهم. وصل الاثنان إلى القرية قبل الظهر. كان المكان قد تغير. بيوت جديدة. شوارع أوسع. لكن بعض الأشياء بقيت كما هي. الترعة. المسجد القديم. المقهى. والطريق الترابي المؤدي إلى البيت المهجور. قال عبد الرحمن: — هنا. أوقف السيارة. نزلا. نظر فؤاد إلى البيت. — تفتكر محمود كان عايش هنا؟ — لا. — أمال ليه الصورة كانت موجودة هنا؟ — مش عارف. دخل الاثنان. كان المكان خاليًا. لكن هذه المرة لم يكن الصمت طبيعيًا. لاحظ عبد الرحمن آثار أقدام حديثة على التراب. انحنى. قال: — حد كان هنا. اقترب فؤاد. — أيوه. تتبع الاثنان الآثار. وصلت إلى غرفة خلفية. كان الباب مفتوحًا. دخل عبد الرحمن. وجد على الأرض صندوقًا معدنيًا. فتحه. كان فارغًا. إلا من شيء واحد. مفتاح. قال فؤاد: — مفتاح إيه؟ قلبه عبد الرحمن بين أصابعه. كان عليه رقم محفور: 17 تغير وجهه. — الرقم ده... قال فؤاد: — إيه؟ — شفته قبل كده. — فين؟ — في الورقة القديمة. تذكر عبد الرحمن شيئًا. في ليلة العراف، كان هناك رقم قاله الرجل. لكنه لم يفهمه وقتها. سبعة عشر. لم يكن يعرف ماذا يعني. أخذ المفتاح. وفي اللحظة نفسها، سمع صوتًا خلفه. استدار. لم يكن هناك أحد. لكن الباب الذي دخلا منه كان مغلقًا. قال فؤاد: — عبد الرحمن... اقترب عبد الرحمن من الباب. حاول فتحه. لم يتحرك. ثم جاء صوت من الخارج: — المفتاح مش للباب ده. تجمد الاثنان. قال عبد الرحمن: — محمود؟ لم يرد الصوت. قال فؤاد: — مين؟ جاءت الإجابة: — الشخص اللي مستنيكم من سبعة وعشرين سنة. ثم سمعا خطوات تبتعد. فتح عبد الرحمن الباب بالقوة. خرج. لم يجد أحدًا. لكن على الحائط المقابل كان هناك سهم مرسوم بالفحم. يشير إلى جهة بعيدة. قال فؤاد: — نمشي وراه؟ نظر عبد الرحمن إلى المفتاح. — لازم. --- بعد ساعات، وصل سليم وحسام إلى القرية. لم يخبروا والدهما. لكنهم لم يكونوا يعرفون أنه سبقهم. دخلوا المقهى القديم. سأل سليم الرجل الجالس خلف الطاولة: — تعرف محمود السالمي؟ تغير وجه الرجل. قال: — ليه؟ — محتاج أعرف مكانه. — محدش يعرف مكانه. — من إمتى؟ — من سنين. تدخل حسام: — طيب الشيخ ناصر؟ سكت الرجل تمامًا. ثم قال: — مين قال لكوا الاسم ده؟ نظر سليم إلى حسام. قال: — حد يعرفه؟ خفض الرجل صوته. — امشوا من هنا. — ليه؟ — عشان سلامتكم. قال سليم: — إحنا مش هنمشي قبل ما نعرف. اقترب الرجل. وقال: — لو بتدوروا على اللي حصل زمان، دوروا في البيت القديم. سأل حسام: — أي بيت؟ — بيت الحاج عبد القادر. ثم ابتعد. قال سليم: — مين عبد القادر؟ لكن الرجل لم يرد. خرج الأخوان. قال حسام: — دي مش صدفة. — عارف. — نروح البيت؟ — أيوه. --- كان المساء قد بدأ عندما وصل عبد الرحمن وفؤاد إلى مكان السهم. كان يقودهما إلى مبنى قديم يقع بعيدًا عن القرية. بيت مهجور تحيط به أشجار كثيفة. وقف عبد الرحمن أمامه. قال: — أنا أعرف البيت ده. — إزاي؟ — أبويا كان بيمنعني أجي هنا. توقف فؤاد. — ليه؟ — كان بيقول إن المكان ده مش آمن. دخل عبد الرحمن. كانت الغرف فارغة. لكن في نهاية الممر وجد بابًا حديديًا. أخرج المفتاح رقم 17. وضعه في القفل. استدار فؤاد إليه. — لو فتح... قال عبد الرحمن: — هنشوف. أدار المفتاح. صدر صوت طقطقة. انفتح الباب. وراءه غرفة صغيرة. وفي منتصفها مكتب قديم. فوق المكتب كان هناك دفتر جلدي. اقترب عبد الرحمن. مد يده. ثم توقف. قال فؤاد: — افتحه. فتح الدفتر. كانت الصفحة الأولى تحمل اسم والده. "إلى ابني عبد الرحمن." تجمد. جلس. بدأ يقرأ. "إذا وصلت إلى هذا المكان، فهذا يعني أنني لم أستطع أن أخبرك الحقيقة وأنا حي." توقفت أنفاس عبد الرحمن. تابع: "لم أخترك لأنك الأقوى، ولا لأنك الأذكى." قلب الصفحة. "اخترتك لأنك الوحيد الذي يستطيع أن يحمل ما سيأتي بعدي." ثم صفحة أخرى. كانت تحمل جملة واحدة: "لا تثق بمحمود." رفع عبد الرحمن رأسه. قال فؤاد: — كمل. قلب الصفحة. لكن الصفحة التالية كانت ممزقة. صفحة كاملة اختفت. وبجانبها كانت هناك بقعة حبر كبيرة. قال عبد الرحمن: — حد شالها. ثم وجد في أسفل الدفتر تاريخًا. كان تاريخ اليوم نفسه. لكن قبل سبعة وعشرين عامًا. قال فؤاد: — يعني أبوك كان يعرف إنك هتوصل هنا. — أيوه. — لكن إزاي؟ لم يجب. فجأة سمعا صوت سيارة بالخارج. اقترب عبد الرحمن من النافذة. رأى سيارة سوداء تتوقف. ثم نزل منها رجلان. قال فؤاد: — مين دول؟ حدق عبد الرحمن. ثم قال: — مش عارف. لكن بعد ثوانٍ ظهر شخص ثالث. كان سليم. وخلفه حسام. اتسعت عينا عبد الرحمن. — أولادي! فتح الباب بسرعة. خرج. صرخ: — سليم! التفت ابنه. — بابا؟ اقترب عبد الرحمن. — إنتوا بتعملوا هنا إيه؟ قال سليم: — كنا بندور عليك. — ليه؟ — لأننا عرفنا عن البيت. ثم أشار إلى الرجلين. — لكن دول مين؟ استدار عبد الرحمن. كان الرجلان قد اقتربا. قال أحدهما: — إحنا مش جايين نتكلم معاك. ثم نظر إلى سليم. — إحنا جايين ناخد الدفتر. وقف عبد الرحمن أمام أبنائه. قال: — مش هتاخدوا حاجة. ابتسم الرجل. — يبقى هنضطر نخليكم تسيبوه. شد سليم ذراع أبيه. — بابا، إحنا لازم نمشي. لكن عبد الرحمن كان ينظر إلى الدفتر. ثم إلى المفتاح. ثم إلى ابنيه. وفي تلك اللحظة أدرك أن الأمر لم يعد يتعلق بماضيه وحده. لقد دخل أبناؤه بالفعل في القصة. والدفتر الذي أخفاه والده سبعة وعشرين عامًا يحمل سرًا قد يكون السبب في كل ما يحدث. قال عبد الرحمن: — سليم، خد الدفتر. — إيه؟ — خد الدفتر. أخذه سليم. ثم قال الأب: — مهما حصل، ما تفتحش الصفحة الأخيرة. نظر سليم إلى والده. — ليه؟ قال عبد الرحمن: — لأنني لا أعرف ماذا سيحدث لو قرأتها. وفي اللحظة نفسها انطفأت أنوار السيارة في الخارج. وساد الظلام. ثم جاء صوت من خلفهم: — متأخر يا عبد الرحمن. كان صوت محمود السالمي. وقال: — الصفحة الأخيرة اتفتحت بالفعل. تجمد الجميع. أما عبد الرحمن، فشعر لأول مرة أن النبوءة التي حاول دفنها سبعة وعشرين عامًا بدأت تتحول من كلمات إلى حقيقة. وكان يعرف شيئًا واحدًا فقط: الكتاب الذي بدأه والده لم يكن قد انتهى بعد.الفصل 150 — حين اختار الأبناء قدرهمظل عبد الرحمن ينظر إلى الشاب الواقف أمامه.كان المطر قد توقف، لكن قلبه لم يهدأ.قال:— ابن حامد؟أومأ الشاب.— اسمي آدم.نظر عبد الرحمن إلى حامد.كان وجهه قد تغير تمامًا.قال عبد الرحمن:— كنت تعرف؟أجاب حامد بصوت منخفض:— نعم.— ولماذا أخفيته؟— لأنني كنت أحاول حمايته.ضحك عبد الرحمن بمرارة.— يبدو أن عائلتنا كلها كانت تحاول حماية أولادها بالكذب.قال آدم:— وأنا لم آتِ لأكذب عليك.أخرج المفتاح الذي يحمله.— جئت لأُنهي كل شيء.---اقترب محمود.— المفتاح ده بيفتح إيه؟قال آدم:— المكان الذي لم يصل إليه أحد من رجال المجلس.سأل يوسف:— وأين هو؟أجاب:— تحت بيت العائلة.تبادل الجميع النظرات.قال عبد الرحيم:— البيت القديم؟— نعم.قال عبد الرحمن:— لكننا فتشنا البيت.ابتسم آدم.— فتشتم البيت.ثم أضاف:— ولم تبحثوا تحته.---عادوا جميعًا إلى المنزل.قادهم آدم إلى الغرفة القديمة.وقف أمام صورة والد عبد الرحمن.ثم قال:— كان أبي يقول إن هذا الرجل لم يكن يريد أن يملك المجلس.قال عبد الرحمن:— ماذا كان يريد؟— أن ينهيه.— لماذا؟— لأن المجلس بدأ كفكرة لحماية
الفصل 149 — ما قبل النهايةكانت السماء تمطر بغزارة عندما توقفت السيارات أمام البيت القديم.نزل عبد الرحمن أولًا.وقف أمام الباب الخشبي الذي لم يفتحه منذ سنوات طويلة.كان البيت يبدو كما تركه والده؛ جدران باهتة، نوافذ مغلقة، وشجرة قديمة في الفناء تحركت أغصانها مع الريح.قال محمود:— متأكد إننا لازم ندخل؟أجاب عبد الرحمن:— طول عمري بهرب من المكان ده.ثم وضع يده على الباب.— المرة دي مش ههرب.فتح الباب.صدر صوت صرير طويل.دخل الجميع.---كان الغبار يغطي الأثاث.لكن شيئًا غريبًا لفت انتباه يوسف.— بصوا.أشار إلى الأرض.كانت هناك آثار أقدام حديثة.قال محمود:— حد سبقنا.رفع سلاحه.— الكل يبقى ورايا.تحركوا ببطء داخل البيت.وصلوا إلى غرفة أبي عبد الرحمن.كانت مغلقة.قال عبد الرحيم:— الباب ده ما كانش بيتفتح.سأله عبد الرحمن:— إزاي؟— أبوك كان يمنع أي حد يدخل.قال عبد الرحمن:— حتى أنا.أخرج المفتاح الذي وجده في السجل.وضعه في القفل.فتح الباب.---كانت الغرفة أصغر مما يتذكرها.مكتب خشبي.كرسي.خزانة.وصورة قديمة معلقة على الحائط.اقترب عبد الرحمن من الصورة.كان والده يقف أمام البيت.وبجوار
الفصل 148 — الحقيقة التي أخفاها الأبلم يتحرك أحد.ظل وجه حامد ظاهرًا على الشاشة المضيئة في آخر القاعة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل لحظات تدور في رأس عبد الرحمن:«اشتقت إليكم يا إخوتي.»إخوتي.لم تكن الكلمة موجهة إلى عبد الرحمن وحده.كانت موجهة إلى عبد الرحيم وسعيد أيضًا.اقترب عبد الرحمن من الشاشة، وعيناه لا تفارقان وجه حامد.— أنت... أخونا؟ابتسم حامد.— الآن فقط بدأت تفهم.قال سعيد بصدمة:— مستحيل.أما عبد الرحيم فكان أكثرهم اضطرابًا.تقدم خطوة.— أبي قال إننا ثلاثة.ضحك حامد.— أبوكم قال لكم ما أرادكم أن تعرفوه.قال عبد الرحمن:— لا تكذب.— ولماذا أكذب الآن؟ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.صورة لثلاثة أطفال يقفون أمام بيت ريفي قديم.عبد الرحمن.سعيد.عبد الرحيم.لكن خلفهم، وعلى مسافة قليلة، كان يقف طفل رابع.طفل أصغر منهم بقليل.تجمد عبد الرحمن.اقترب من الشاشة.— الصورة دي...قال حامد:— تعرفها؟— كانت في بيت أبي.— نعم.— لكن الطفل ده...ابتسم حامد.— أنا.---جلس سعيد على المقعد الخشبي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.— لا...هز رأسه.— لا يمكن.قال عبد الرحيم:— أبي قال إنك م
الفصل 147 — سقوط مجلس القدر خرج عبد الرحمن من المحكمة القديمة مع أول خيط من ضوء الفجر، لكنه لم يشعر أن الليل انتهى. كان يحمل الدفتر الأسود تحت ذراعه، بينما سار خلفه محمود ويوسف وسعيد وعبد الرحيم وأبناؤهم. لم يتحدث أحد. كانت الحقيقة أثقل من أن تُقال بسهولة. أربعون عامًا من الخوف، والشك، والرسائل، والاختفاءات، والنبوءة التي ظلت تطاردهم... بدأت الآن تتجمع في صورة واحدة. لكن عبد الرحمن كان يعرف شيئًا واحدًا: المعركة لم تنتهِ. وقف محمود بجواره وقال: — عبد الرحمن. — نعم؟ — إحنا لقينا السجل. — لقينا نسخة منه. نظر محمود إليه. — يعني إيه؟ أجاب عبد الرحيم: — السجل الذي أغلقناه ليس الأصل. التفت الجميع إليه. قال يوسف: — وأنت كنت تعرف؟ — نعم. غضب محمود. — وإنت ساكت ليه؟ أجاب عبد الرحيم بهدوء: — لأن الأصل أخطر من كل شيء وجدناه حتى الآن. سأل عبد الرحمن: — أين هو؟ نظر عبد الرحيم إلى الطريق أمامه. — في مقر مجلس القدر. ساد الصمت. قال عبد الرحمن: — المجلس له مقر حتى الآن؟ — نعم. — وأين؟ أخرج عبد الرحيم خريطة قديمة من جيبه. فتحها فوق مقدمة سيارة محمود. كانت هناك ثلاث ع
الفصل 146 — الرجل الذي كان عبد الرحمنلم ينطق عبد الرحمن.ظل ينظر إلى الورقة بين يديه، وكأن الحبر عليها لم يكن حبرًا، بل بابًا فُتح فجأة على أربعين عامًا من حياته.كان التوقيع توقيعه.نفس الحروف.نفس الطريقة التي كان يكتب بها اسمه.لكن الجملة لم تكن له.«إذا عرفت من كان والدك، فقد حان الوقت لتعرف من أنت.»اقترب محمود.— عبد الرحمن؟لم يرد.قال يوسف:— دي مش أول مرة تشوف خطك في حاجة مش فاكرها.رفع عبد الرحمن عينيه إليه.— أول مرة كانت إمتى؟صمت يوسف.ثم قال:— ليلة العراف.تغير وجه عبد الرحمن.قال سعيد:— وأنا أقدر أساعدك تفتكر.نظر إليه.— إزاي؟— لازم نرجع للمكان اللي بدأ فيه كل شيء.سأل محمود:— بيت العراف؟هز سعيد رأسه.— لا.ثم أضاف:— المحكمة القديمة.---كانت المحكمة القديمة في طرف القرية.مبنى حجريًا مهجورًا، نوافذه مكسورة، وأبوابه لم تُفتح منذ سنوات طويلة.لكن عبد الرحمن وقف أمامها كأن المكان ينتظره.قال:— أنا اشتغلت هنا؟أجاب سعيد:— قبل ما تبقى قاضي.— كنت متدربًا؟— أكثر من ذلك.دخلوا.كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان.مروا بممر طويل حتى وصلوا إلى قاعة صغيرة.على الج
الفصل 145 — قاتل الأبساد الصمت.كان حامد واقفًا عند الباب، يحمل مسدسه، بينما كان رحيم على الأرض يحاول التقاط أنفاسه.أما عبد الرحمن فلم يستطع أن يبعد عينيه عن حامد.قال بصوت خافت:— أنت حي.ابتسم حامد.— كنت دائمًا حيًا.اقترب محمود بحذر.— إنت اللي أطلقت النار؟— نعم.— ليه ما قتلته؟نظر حامد إلى رحيم.— لأن موته الآن أسهل من أن يعيش بالحقيقة.ثم أعاد نظره إلى عبد الرحمن.— وأنت تستحق أن تعرف.قال عبد الرحمن:— مين قتل أبويا؟أجاب حامد:— أخوك سعيد.تجمد الجميع.رفع عبد الرحمن عينيه نحو سعيد.— سعيد؟هز سعيد رأسه.— لا.قال حامد:— بلى.اقترب عبد الرحمن منه.— قول الحقيقة.صمت سعيد.قال حامد:— في تلك الليلة، كان والدك قد اكتشف كل شيء.— إيه؟— اكتشف أن العراف يستخدم النبوءة لإجبار العائلات على تسليم أبنائها.قال يوسف:— لكن لماذا قتل سعيد والده؟أجاب حامد:— لأنه كان يعتقد أن أباه سيقتل عبد الرحمن.تدخل سعيد:— لم أقتله!صرخ حامد:— لم تطلق النار عليه، صحيح.ثم أضاف:— لكنك أعطيته السم.تراجع سعيد.نظر إليه عبد الرحمن.— السم؟قال سعيد:— كنت أحاول إنقاذك.— فقتلت أبي؟— لم أكن أعر