LOGINالفصل الثالث عشر: الاسم الذي لم يولد
لم يستطع أحد أن يتكلم. ظل الدفتر مفتوحًا فوق الطاولة القديمة، والصفحة الأخيرة أمام أعينهم جميعًا. ثلاثة أسماء. سليم. حسام. يوسف. وتحتها العبارة التي بدت كأنها كتبت خصيصًا لهذه اللحظة: "أما الثالث... فسيعود عندما يكتب القدر كتابه." كان عمر أول من كسر الصمت. قال بصوت منخفض: — أنا مش يوسف. نظر الشيخ ناصر إليه طويلًا. ثم قال: — أعرف. — أمال مين يوسف؟ لم يجب الشيخ. تقدم عبد الرحمن خطوة. كان الغضب يسيطر عليه الآن أكثر من الخوف. — أنا سألتك سؤالًا. رفع الشيخ ناصر عينيه إليه. — وأنت تعرف أن بعض الإجابات لا تأتي قبل أوانها. قال عبد الرحمن: — كفاية كلام غامض. — لم يعد هناك وقت للغموض. — يبقى اتكلم. نظر الشيخ إلى محمود السالمي. ثم إلى فؤاد. وقال: — أنت يا عبد الرحمن كنت تظن أن الليلة التي قابلتني فيها وأنت في الثامنة والعشرين كانت بداية الحكاية. — أيوه. — لكنها لم تكن البداية. — أمال كانت إيه؟ قال الشيخ: — كانت اللحظة التي تم فيها تسليمك الدور الذي بدأه أبوك. تجمد عبد الرحمن. قال: — أي دور؟ — دور الحارس. ضحك عبد الرحمن بمرارة. — حارس إيه؟ أجاب الشيخ: — الكتاب. نظر سليم إلى الدفتر. — أي كتاب؟ قال الشيخ: — الكتاب الذي لم تره بعد. تدخل حسام: — وإيه علاقته بعمر؟ نظر الشيخ إليه. — ليس بعمر وحده. ثم أشار إلى الأسماء الثلاثة. — أنتم الثلاثة جزء منه. قال سليم: — إحنا إخوات. — أعرف. — وأبونا هو أبونا. — أعرف. — يبقى إيه الغريب؟ قال الشيخ: — أن أسماءكم لم تُكتب بعد أن وُلدتم. سكت الجميع. قال عبد الرحمن: — يعني إيه؟ — أسماء أولادك كانت موجودة قبل ولادتهم. نظر عبد الرحمن إلى الدفتر. — مستحيل. — والدك لم يكن يكتب ما حدث. — أمال كان بيكتب إيه؟ — ما كان سيحدث. ساد صمت ثقيل. قال فؤاد: — يعني أنت بتقول إن والد عبد الرحمن كان يعرف المستقبل؟ ابتسم الشيخ ناصر. — لا. — أمال؟ — كان يعرف الطريق فقط. --- اقترب عمر من الطاولة. كان وجهه يحمل ارتباكًا واضحًا. قال: — أنا عايز أعرف حاجة واحدة. نظر إليه الشيخ. — اسأل. — ليه الاسم يوسف موجود بدل اسمي؟ — لأن الاسم الذي تحمله الآن ليس الاسم الذي كُتب أولًا. — مين سماّني عمر؟ نظر الشيخ إلى عبد الرحمن. كان السؤال موجّهًا إليه. قال عبد الرحمن: — أنا. — ليه؟ — لأن اسم عمر كان الاسم اللي اخترته قبل ما تولد. — وما كانش فيه يوسف؟ — لا. قال الشيخ: — لكن أبوك كان يريد أن يسميك يوسف. التفت عمر إلى والده. — صحيح؟ ظل عبد الرحمن صامتًا. كان هناك شيء منسي في ذاكرته. شيء لم يفكر فيه منذ أكثر من عشرين عامًا. قال: — أيوه. اتسعت عينا عمر. — ليه ما قلتليش؟ — لأن أمك رفضت الاسم. نظر إلى فؤاد. قال: — فاكر؟ ابتسم فؤاد بحزن. — فاكر. قال عمر: — وأنا ما أعرفش الكلام ده؟ قال عبد الرحمن: — كنت صغيرًا جدًا. — بس إيه علاقة ده بالموضوع؟ قال الشيخ: — العلاقة أن الاسم لم يختفِ. — أمال راح فين؟ — بقي محفوظًا. — فين؟ أشار إلى الدفتر. — هنا. --- أخذ عمر الدفتر. قلب صفحاته. كان يبحث عن اسمه. وجد اسم سليم. ثم حسام. ثم الصفحة التي تحمل اسم يوسف. قال: — مكتوب يوسف عبد الرحمن. — أيوه. — مش يوسف ابن عبد الرحمن؟ قال الشيخ: — لا. — أمال؟ — يوسف عبد الرحمن. صمت عمر. قال سليم: — يعني الاسم مكتوب بطريقة مختلفة. أجاب الشيخ: — لأن يوسف ليس اسم شخص فقط. نظر إليه الجميع. — أمال إيه؟ قال: — عهد. تدخل فؤاد: — وضح. قال الشيخ: — منذ زمن بعيد، كانت هناك عائلة تحفظ هذا الكتاب. — أي كتاب؟ — كتاب القدر. ابتسم سليم بسخرية. — كتاب القدر؟ نظر إليه الشيخ. — أنت رجل قانون. — أيوه. — وستظل تبحث عن الدليل المادي. — طبيعي. — لكن بعض الأدلة لا تُرى. قال سليم: — أنا لا أؤمن بهذه الأشياء. — لا يهم. — إزاي؟ — لأن الإيمان لا يغير الحقيقة. تدخل عبد الرحمن: — سيبك منه. ثم قال للشيخ: — أنا عايز أعرف عن أبويا. هنا تغير وجه الشيخ. قال: — أبوك كان آخر رجل حمل الكتاب قبلك. تجمد عبد الرحمن. — أنا؟ — أيوه. — ومحمود؟ — كان الحارس الثاني. نظر عبد الرحمن إلى محمود. — وإنت كنت تعرف؟ قال محمود: — من البداية. — ليه ما قلتليش؟ — لأن أباك طلب مني ألا أخبرك إلا عندما تبلغ الخامسة والخمسين. — لماذا؟ قال محمود: — لأن هذا كان شرط العهد. --- جلس عبد الرحمن على الكرسي. كان رأسه يدور. خمسة وخمسون. الرقم الذي ظل يسمعه في الأيام الأخيرة. قال: — أبويا كان عارف إني هبلغ خمسة وخمسين. — نعم. — وعارف إني هخلف ثلاثة. — نعم. — وعارف إن الثالث هيرجع من الخارج. — نعم. — وعارف إن المفتاح هيكون معاه. — نعم. رفع عبد الرحمن عينيه. — طيب عرف منين؟ سكت الشيخ. قال عبد الرحمن: — عايز إجابة. أجاب الشيخ: — لأنه لم يكن يتنبأ. — أمال؟ — كان ينفذ ما كُتب قبله. قال فؤاد: — يعني فيه شخص قبله؟ — نعم. — مين؟ نظر الشيخ إلى الباب. ثم قال: — جد عبد الرحمن. تغير وجه عبد الرحمن. — جدي؟ — نعم. قال: — أنا ما أعرفش عنه حاجة. — وهذا ما أراده. قال سليم: — ليه؟ — لأن كل جيل كان يعرف جزءًا فقط. قال حسام: — ومين اللي كان بيكتب الكتاب؟ قال الشيخ: — لم نعرف. ساد الصمت. ثم قال عمر: — يعني أنت نفسك مش عارف؟ ابتسم الشيخ. — أنا أعرف ما يكفيني. — وإحنا؟ — أنتم ستعرفون ما تحتاجون إلى معرفته. قال عمر: — وأنا مش هقبل. — ستقبل. — ليه؟ قال الشيخ: — لأن الأمر بدأ قبل أن تولد. --- خرجوا من المخزن بعد دقائق. كان عبد الرحمن في المقدمة. فؤاد إلى جواره. وخلفهما أبناؤه. أما الشيخ ناصر ومحمود فلم يخرجا معهم. قبل أن يغادر عبد الرحمن، التفت إلى الشيخ. قال: — هتقابلني تاني؟ قال الشيخ: — بالتأكيد. — إمتى؟ — عندما تجد الباب الذي لا يفتح بالمفتاح. قال عبد الرحمن: — مش فاهم. ابتسم الشيخ. — ستفهم. ثم أغلق الباب. --- في الطريق إلى القاهرة، لم يتحدث أحد. كان كل واحد منهم غارقًا في أفكاره. حتى عمر ظل ينظر من نافذة السيارة. كان اسم يوسف يلاحقه. يوسف عبد الرحمن. الاسم الذي كان والده قد اختاره له قبل أن يولد. الاسم الذي رفضته أمه. والاسم الذي ظهر الآن في دفتر عمره عشرات السنين. كان الأمر مرعبًا. لكنه لم يكن أكثر شيء يخيفه. كان هناك شيء آخر. في الصورة القديمة، الرجل الذي يحمل اسم يوسف كان يشبهه بشكل يكاد يكون مستحيلًا. لم يستطع إخراج الصورة من ذهنه. --- عندما وصلوا إلى القاهرة، دخل عمر مباشرة إلى غرفته. أغلق الباب. فتح حقيبته. بدأ يبحث بين أشيائه. أخرج الأوراق القديمة الخاصة بجامعته. قلبها. ثم وجد الملف الذي كان قد لاحظ فيه اسم يوسف. كان قد ظن سابقًا أنه خطأ في الأوراق. فتح الملف. قرأ: يوسف عبد الرحمن. ثم تحت الاسم: المشروع رقم 17. وتاريخ المشروع كان قديمًا جدًا. أقدم من عمره. أعاد قراءة التاريخ. كان قبل ولادته بسنوات. قال لنفسه: — مستحيل. قلب الورقة. وجد عنوانًا. "المبنى رقم 17 — المرحلة الأولى." وتحت العنوان اسم مهندس: يوسف عبد الرحمن. ثم توقيع. كان التوقيع مشابهًا لتوقيع عمر. تراجع عن المكتب. أخذ هاتفه. اتصل بأخيه سليم. — سليم. — نعم؟ — تعال عندي. — ليه؟ — لقيت حاجة. --- بعد عشر دقائق، دخل سليم. قال: — إيه؟ أعطاه عمر الأوراق. قرأها. ثم رفع رأسه. — دي مش أوراقك. — عارف. — طيب إزاي موجودة في ملفك؟ — مش عارف. — مين جابها؟ — مش عارف. — بابا لازم يعرف. قال عمر: — لا. — ليه؟ — عايز أعرف الأول. — إنت بتلعب بالنار. — وأنا مش عايز أفضل طول عمري مستني بابا يقول لي نص الحقيقة. نظر سليم إليه. ثم قال: — معاك حق. قال عمر: — أنت وكيل نيابة. — أيوه. — ساعدني. أخذ سليم الأوراق. — هنبدأ من الجامعة. — إزاي؟ — نشوف أصل الملف. — ولو لقينا إن الاسم موجود فعلًا؟ — ساعتها هنسأل مين يوسف. قال عمر: — ولو كان أنا؟ رفع سليم عينيه. — أنت عمر. — ده اللي أعرفه. --- في صباح اليوم التالي، ذهب سليم إلى مكتب والده. كان عبد الرحمن جالسًا وحده. قال: — بابا. — اتفضل. وضع سليم الأوراق أمامه. نظر إليها عبد الرحمن. تغير وجهه. — دي فين؟ — مع عمر. — إنت عارف دي إيه؟ — لا. — دي أخطر مما تتخيل. — يبقى لازم أعرف. أخذ عبد الرحمن الورقة. قرأ الاسم. ثم التاريخ. توقف عند التوقيع. قال: — ده توقيع أبويا. تجمد سليم. — إيه؟ — توقيع أبويا. — بس الورقة تخص مشروع هندسي. — أيوه. — قبل ما عمر يتولد. — أيوه. — وجدك كان يعرف هندسة؟ — كان مهندسًا قبل أن يترك العمل. قال سليم: — أول مرة أعرف. قال عبد الرحمن: — لأنه لم يكن يتحدث عن حياته القديمة. ثم أضاف: — لكن فيه حاجة أخطر. — إيه؟ — المشروع رقم 17 لم يكن مشروعًا هندسيًا عاديًا. — كان إيه؟ نظر عبد الرحمن إلى ابنه. — كان بناءً لمكان. — فين؟ — في القرية. صمت سليم. قال: — المكان اللي في الخريطة؟ — أيوه. — المخزن؟ — لا. — أمال؟ قال عبد الرحمن: — المكان الذي لم نعرفه بعد. --- في المساء، اجتمعت الأسرة كلها. جلس عبد الرحمن مع أبنائه وفؤاد. قال: — لازم نعرف حقيقة يوسف. قال عمر: — أنا مش يوسف. — عارف. — طيب ليه كل حاجة بتقول غير كده؟ — لأن فيه شخص كان اسمه يوسف. — مين؟ أخرج عبد الرحمن الصورة القديمة. وضعها أمامهم. قال: — الشخص ده. نظر عمر إليها. ثم قال: — هو مين؟ قال فؤاد: — لا أحد يعرف. قال سليم: — لكن اسمه مكتوب. — أيوه. قال حسام: — طيب ليه يشبه عمر؟ لم يجب أحد. قال عمر: — أنا عايز أقابل الشيخ ناصر. رفض عبد الرحمن فورًا. — لا. — ليه؟ — لأننا مش عارفين هو مين. — لكنه يعرف. — عشان كده بالضبط. قال عمر: — لو هو يعرف، لازم أسأله. قال عبد الرحمن: — مش هتروح لوحدك. — أنا ما قلتش لوحدي. قال سليم: — وأنا معاه. وأضاف حسام: — وأنا كمان. نظر عبد الرحمن إلى فؤاد. قال الطبيب: — وأنا. تنهد عبد الرحمن. ثم قال: — وأنا طبعًا. --- في تلك الليلة، لم يستطع عبد الرحمن النوم. خرج إلى الحديقة. جلس وحده. كانت السماء صافية. تذكر نفسه وهو في الثامنة والعشرين. تذكر العراف. تذكر الغرفة الصغيرة. تذكر الكلمات التي سمعها. كان العراف قد قال له يومها: "سيأتي يوم تنظر فيه إلى أبنائك، وتعرف أن واحدًا منهم لم يكن لك وحدك." وقتها ظن أن المقصود مسؤولية الأب. لم يخطر بباله أن المعنى سيكون حرفيًا. سمع صوتًا خلفه. التفت. كانت أمينة. جلست بجواره. قالت: — فاكر لما قلت لك إن اسم يوسف كان اختياري؟ نظر إليها. — فاكر. — أنا ما رفضتش الاسم عشان مش عاجبني. تغير وجه عبد الرحمن. — أمال؟ قالت: — لأنني حلمت حلمًا. — إمتى؟ — قبل ولادة عمر بشهر. — وما قلتيليش؟ — كنت خايفة. — من إيه؟ نظرت إلى الظلام. — شفت طفل واقف في مكان غريب. — وبعدين؟ — كان ماسك مفتاح. تجمد عبد الرحمن. — رقم كام؟ قالت: — سبعة عشر. لم يتكلم. أكملت: — وكان فيه رجل واقف خلفه. — مين؟ — ما شفتش وجهه. — وقال إيه؟ أجابت: — قال لي: "لا تسميه يوسف." وقف عبد الرحمن. — ليه؟ قالت أمينة: — لأنه إذا حمل هذا الاسم، سيعود كل شيء. ظل عبد الرحمن واقفًا. قال: — وإنتي ما قلتيليش ده من سبعة وعشرين سنة؟ — لأنني خفت أن أكون أتخيل. — لكن المفتاح ظهر. — أيوه. نظر عبد الرحمن إلى الفيلا. ثم قال: — يبقى الحلم ما كانش حلم. قالت أمينة: — وأنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي. --- في صباح اليوم التالي، وجد عمر شيئًا أمام باب غرفته. لم يكن ظرفًا. ولا رسالة. كان مفتاحًا آخر. نفس الرقم. 17. لكن هذه المرة كان المفتاح مربوطًا بخيط أسود، وفيه ورقة صغيرة: "إذا أردت أن تعرف من هو يوسف، افتح الباب الذي لم يولد بعد." قرأ عمر الجملة أكثر من مرة. ثم شعر بشيء غريب. كان هناك صوت خافت يأتي من داخل غرفته. اقترب من المكتب. كان حاسوبه مفتوحًا رغم أنه أغلقه قبل النوم. على الشاشة ظهرت خريطة. خريطة للقرية. وفي وسطها نقطة مضيئة. وتحتها كلمة واحدة: يوسف. دخل سليم الغرفة. — إيه اللي حصل؟ أشار عمر إلى الشاشة. اقترب سليم. ثم اتصل بعبد الرحمن فورًا. بعد دقائق، كان الجميع داخل الغرفة. نظر عبد الرحمن إلى الخريطة. تغير وجهه. قال: — أنا أعرف المكان ده. — فين؟ — خلف الأرض القديمة. — فيه مبنى هناك؟ — لا. — يبقى إيه؟ قال عبد الرحمن: — ما فيش حاجة. قال فؤاد: — يمكن ده هو المقصود. نظر إليه عبد الرحمن. — الباب الذي لم يولد بعد. قال حسام: — يعني باب لم يُبنَ؟ — يمكن. قال سليم: — والمشروع رقم 17؟ أجاب عبد الرحمن: — يمكن كان بداية البناء. نظر الجميع إلى عمر. قال عمر: — وأنا ليه؟ لم يجد عبد الرحمن جوابًا. لكن هاتف عمر أصدر صوتًا. رسالة جديدة. من رقم مجهول. فتحها. كانت تحتوي على صورة واحدة. صورة حديثة. لعمر نفسه. كان يقف أمام جامعته في الخارج. والصورة التقطت من بعيد. تحتها جملة: "عد إلى القرية قبل أن يكتمل البناء." رفع عمر رأسه. قال: — حد كان بيراقبني وأنا بره. نظر عبد الرحمن إلى أبنائه. ثم قال: — هنرجع القرية. قال سليم: — إمتى؟ أجاب عبد الرحمن: — الليلة. تدخل فؤاد: — متأكد؟ نظر عبد الرحمن إلى صورة ابنه. ثم قال: — المرة دي مش هنستنى القدر يكتب لنا. سكت لحظة. — هنروح ونقرأ الكتاب بأنفسنا. لكن عبد الرحمن لم يكن يعرف أن في القرية، وفي مكان لم تطأه قدمه منذ سبعة وعشرين عامًا، كان هناك شخص آخر ينتظر عودته. شخص يحمل نسخة أقدم من الدفتر. ونسخة من الصورة. ومفتاحًا ثالثًا. وكان يعرف الحقيقة كاملة. حقيقة يوسف.الفصل 150 — حين اختار الأبناء قدرهمظل عبد الرحمن ينظر إلى الشاب الواقف أمامه.كان المطر قد توقف، لكن قلبه لم يهدأ.قال:— ابن حامد؟أومأ الشاب.— اسمي آدم.نظر عبد الرحمن إلى حامد.كان وجهه قد تغير تمامًا.قال عبد الرحمن:— كنت تعرف؟أجاب حامد بصوت منخفض:— نعم.— ولماذا أخفيته؟— لأنني كنت أحاول حمايته.ضحك عبد الرحمن بمرارة.— يبدو أن عائلتنا كلها كانت تحاول حماية أولادها بالكذب.قال آدم:— وأنا لم آتِ لأكذب عليك.أخرج المفتاح الذي يحمله.— جئت لأُنهي كل شيء.---اقترب محمود.— المفتاح ده بيفتح إيه؟قال آدم:— المكان الذي لم يصل إليه أحد من رجال المجلس.سأل يوسف:— وأين هو؟أجاب:— تحت بيت العائلة.تبادل الجميع النظرات.قال عبد الرحيم:— البيت القديم؟— نعم.قال عبد الرحمن:— لكننا فتشنا البيت.ابتسم آدم.— فتشتم البيت.ثم أضاف:— ولم تبحثوا تحته.---عادوا جميعًا إلى المنزل.قادهم آدم إلى الغرفة القديمة.وقف أمام صورة والد عبد الرحمن.ثم قال:— كان أبي يقول إن هذا الرجل لم يكن يريد أن يملك المجلس.قال عبد الرحمن:— ماذا كان يريد؟— أن ينهيه.— لماذا؟— لأن المجلس بدأ كفكرة لحماية
الفصل 149 — ما قبل النهايةكانت السماء تمطر بغزارة عندما توقفت السيارات أمام البيت القديم.نزل عبد الرحمن أولًا.وقف أمام الباب الخشبي الذي لم يفتحه منذ سنوات طويلة.كان البيت يبدو كما تركه والده؛ جدران باهتة، نوافذ مغلقة، وشجرة قديمة في الفناء تحركت أغصانها مع الريح.قال محمود:— متأكد إننا لازم ندخل؟أجاب عبد الرحمن:— طول عمري بهرب من المكان ده.ثم وضع يده على الباب.— المرة دي مش ههرب.فتح الباب.صدر صوت صرير طويل.دخل الجميع.---كان الغبار يغطي الأثاث.لكن شيئًا غريبًا لفت انتباه يوسف.— بصوا.أشار إلى الأرض.كانت هناك آثار أقدام حديثة.قال محمود:— حد سبقنا.رفع سلاحه.— الكل يبقى ورايا.تحركوا ببطء داخل البيت.وصلوا إلى غرفة أبي عبد الرحمن.كانت مغلقة.قال عبد الرحيم:— الباب ده ما كانش بيتفتح.سأله عبد الرحمن:— إزاي؟— أبوك كان يمنع أي حد يدخل.قال عبد الرحمن:— حتى أنا.أخرج المفتاح الذي وجده في السجل.وضعه في القفل.فتح الباب.---كانت الغرفة أصغر مما يتذكرها.مكتب خشبي.كرسي.خزانة.وصورة قديمة معلقة على الحائط.اقترب عبد الرحمن من الصورة.كان والده يقف أمام البيت.وبجوار
الفصل 148 — الحقيقة التي أخفاها الأبلم يتحرك أحد.ظل وجه حامد ظاهرًا على الشاشة المضيئة في آخر القاعة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل لحظات تدور في رأس عبد الرحمن:«اشتقت إليكم يا إخوتي.»إخوتي.لم تكن الكلمة موجهة إلى عبد الرحمن وحده.كانت موجهة إلى عبد الرحيم وسعيد أيضًا.اقترب عبد الرحمن من الشاشة، وعيناه لا تفارقان وجه حامد.— أنت... أخونا؟ابتسم حامد.— الآن فقط بدأت تفهم.قال سعيد بصدمة:— مستحيل.أما عبد الرحيم فكان أكثرهم اضطرابًا.تقدم خطوة.— أبي قال إننا ثلاثة.ضحك حامد.— أبوكم قال لكم ما أرادكم أن تعرفوه.قال عبد الرحمن:— لا تكذب.— ولماذا أكذب الآن؟ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.صورة لثلاثة أطفال يقفون أمام بيت ريفي قديم.عبد الرحمن.سعيد.عبد الرحيم.لكن خلفهم، وعلى مسافة قليلة، كان يقف طفل رابع.طفل أصغر منهم بقليل.تجمد عبد الرحمن.اقترب من الشاشة.— الصورة دي...قال حامد:— تعرفها؟— كانت في بيت أبي.— نعم.— لكن الطفل ده...ابتسم حامد.— أنا.---جلس سعيد على المقعد الخشبي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.— لا...هز رأسه.— لا يمكن.قال عبد الرحيم:— أبي قال إنك م
الفصل 147 — سقوط مجلس القدر خرج عبد الرحمن من المحكمة القديمة مع أول خيط من ضوء الفجر، لكنه لم يشعر أن الليل انتهى. كان يحمل الدفتر الأسود تحت ذراعه، بينما سار خلفه محمود ويوسف وسعيد وعبد الرحيم وأبناؤهم. لم يتحدث أحد. كانت الحقيقة أثقل من أن تُقال بسهولة. أربعون عامًا من الخوف، والشك، والرسائل، والاختفاءات، والنبوءة التي ظلت تطاردهم... بدأت الآن تتجمع في صورة واحدة. لكن عبد الرحمن كان يعرف شيئًا واحدًا: المعركة لم تنتهِ. وقف محمود بجواره وقال: — عبد الرحمن. — نعم؟ — إحنا لقينا السجل. — لقينا نسخة منه. نظر محمود إليه. — يعني إيه؟ أجاب عبد الرحيم: — السجل الذي أغلقناه ليس الأصل. التفت الجميع إليه. قال يوسف: — وأنت كنت تعرف؟ — نعم. غضب محمود. — وإنت ساكت ليه؟ أجاب عبد الرحيم بهدوء: — لأن الأصل أخطر من كل شيء وجدناه حتى الآن. سأل عبد الرحمن: — أين هو؟ نظر عبد الرحيم إلى الطريق أمامه. — في مقر مجلس القدر. ساد الصمت. قال عبد الرحمن: — المجلس له مقر حتى الآن؟ — نعم. — وأين؟ أخرج عبد الرحيم خريطة قديمة من جيبه. فتحها فوق مقدمة سيارة محمود. كانت هناك ثلاث ع
الفصل 146 — الرجل الذي كان عبد الرحمنلم ينطق عبد الرحمن.ظل ينظر إلى الورقة بين يديه، وكأن الحبر عليها لم يكن حبرًا، بل بابًا فُتح فجأة على أربعين عامًا من حياته.كان التوقيع توقيعه.نفس الحروف.نفس الطريقة التي كان يكتب بها اسمه.لكن الجملة لم تكن له.«إذا عرفت من كان والدك، فقد حان الوقت لتعرف من أنت.»اقترب محمود.— عبد الرحمن؟لم يرد.قال يوسف:— دي مش أول مرة تشوف خطك في حاجة مش فاكرها.رفع عبد الرحمن عينيه إليه.— أول مرة كانت إمتى؟صمت يوسف.ثم قال:— ليلة العراف.تغير وجه عبد الرحمن.قال سعيد:— وأنا أقدر أساعدك تفتكر.نظر إليه.— إزاي؟— لازم نرجع للمكان اللي بدأ فيه كل شيء.سأل محمود:— بيت العراف؟هز سعيد رأسه.— لا.ثم أضاف:— المحكمة القديمة.---كانت المحكمة القديمة في طرف القرية.مبنى حجريًا مهجورًا، نوافذه مكسورة، وأبوابه لم تُفتح منذ سنوات طويلة.لكن عبد الرحمن وقف أمامها كأن المكان ينتظره.قال:— أنا اشتغلت هنا؟أجاب سعيد:— قبل ما تبقى قاضي.— كنت متدربًا؟— أكثر من ذلك.دخلوا.كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان.مروا بممر طويل حتى وصلوا إلى قاعة صغيرة.على الج
الفصل 145 — قاتل الأبساد الصمت.كان حامد واقفًا عند الباب، يحمل مسدسه، بينما كان رحيم على الأرض يحاول التقاط أنفاسه.أما عبد الرحمن فلم يستطع أن يبعد عينيه عن حامد.قال بصوت خافت:— أنت حي.ابتسم حامد.— كنت دائمًا حيًا.اقترب محمود بحذر.— إنت اللي أطلقت النار؟— نعم.— ليه ما قتلته؟نظر حامد إلى رحيم.— لأن موته الآن أسهل من أن يعيش بالحقيقة.ثم أعاد نظره إلى عبد الرحمن.— وأنت تستحق أن تعرف.قال عبد الرحمن:— مين قتل أبويا؟أجاب حامد:— أخوك سعيد.تجمد الجميع.رفع عبد الرحمن عينيه نحو سعيد.— سعيد؟هز سعيد رأسه.— لا.قال حامد:— بلى.اقترب عبد الرحمن منه.— قول الحقيقة.صمت سعيد.قال حامد:— في تلك الليلة، كان والدك قد اكتشف كل شيء.— إيه؟— اكتشف أن العراف يستخدم النبوءة لإجبار العائلات على تسليم أبنائها.قال يوسف:— لكن لماذا قتل سعيد والده؟أجاب حامد:— لأنه كان يعتقد أن أباه سيقتل عبد الرحمن.تدخل سعيد:— لم أقتله!صرخ حامد:— لم تطلق النار عليه، صحيح.ثم أضاف:— لكنك أعطيته السم.تراجع سعيد.نظر إليه عبد الرحمن.— السم؟قال سعيد:— كنت أحاول إنقاذك.— فقتلت أبي؟— لم أكن أعر







