LOGINالفصل السادس: ليلة في الثامنة والعشرين
لم يغمض عبد الرحمن عينيه حتى الصباح. ظل جالسًا في مكتبه، والصورة القديمة أمامه، والورقة إلى جوارها. كلما حاول أن يبعد نظره عنهما، عاد إليهما. لم يكن يخاف من الماضي نفسه. كان يخاف مما قد يحمله الماضي إذا عاد. كانت الساعة تقترب من الخامسة صباحًا عندما سمع صوت الأذان من مسجد بعيد. أغلق عينيه. وفي تلك اللحظة، عاد إلى الثامنة والعشرين. لم تعد الذكرى صورة. بل أصبحت حياة كاملة. --- كان عبد الرحمن في الثامنة والعشرين من عمره. شابًا يعمل في القضاء، حديث العهد نسبيًا بالمكان الذي كان يخدم فيه. لم يكن ثريًا. ولم تكن حياته تشبه حياته الحالية. كان يعيش في بيت بسيط في الصعيد. والده كان لا يزال حيًا. وأمه كانت تنتظر عودته كل مساء. وكانت حياته وقتها أبسط بكثير. كان يذهب إلى عمله صباحًا. ويعود قبل الغروب. وفي بعض الليالي يجلس مع صديقه فؤاد في مقهى صغير بالقرب من الترعة. كان فؤاد وقتها طبيبًا شابًا. وكانت صداقتهما قد بدأت منذ سنوات. لم يكن أحدهما يتخيل أن تلك الصداقة ستستمر حتى يبلغ الاثنان منتصف العمر. في ذلك الوقت كانا يتحدثان عن المستقبل. قال فؤاد ذات مساء: — لما أبقى كبير، عايز أعيش في القاهرة. ضحك عبد الرحمن. — وأنا عايز أفضل هنا. — إنت مجنون. — ليه؟ — هنا مفيش حاجة. — هنا كل حاجة. نظر فؤاد إلى الحقول. — أنت بتحب المكان ده زيادة. — وأنت؟ — أنا بحبه، بس مش عايز أفضل فيه طول عمري. قال عبد الرحمن: — الإنسان لازم يعرف هو عايز إيه. أجابه فؤاد: — وإنت عارف؟ — أيوه. — إيه؟ ابتسم عبد الرحمن. — أبقى قاضي كويس. ضحك فؤاد. — بس؟ — وأتجوز. — وبعدين؟ — أخلف. — كام؟ فكر عبد الرحمن. — ثلاثة. ضحك فؤاد. — ثلاثة بالضبط؟ — أيوه. — ليه؟ — معرفش. ضحك الاثنان. لكن عبد الرحمن لم يكن يعلم أن القدر سيسجل الرقم. --- كانت تلك الفترة من حياته هادئة. حتى جاءت الليلة. ليلة لم يكن عبد الرحمن يريد أن يتذكر تفاصيلها. كان قد عاد من عمله متأخرًا. وجد والدته تنتظره. قالت: — اتأخرت. — الشغل. — أكلت؟ — لأ. وضعت الطعام أمامه. جلس. أكل بصمت. ثم قالت: — فؤاد كان هنا. رفع رأسه. — إمتى؟ — من شوية. — قال حاجة؟ — قال إنه عايزك. — ليه؟ — معرفش. بعد العشاء خرج عبد الرحمن. وجد فؤاد ينتظره. كان وجهه مختلفًا. سأله عبد الرحمن: — في إيه؟ قال فؤاد: — عايز أوريك حاجة. — حاجة إيه؟ — تعال. سارا معًا. لم يكن عبد الرحمن يعرف إلى أين يذهبان. كلما ابتعدا عن البيوت، أصبح الطريق أكثر ظلامًا. قال عبد الرحمن: — إحنا رايحين فين؟ — عند واحد. — مين؟ — عراف. توقف عبد الرحمن. — عراف؟ — أيوه. ضحك. — إنت مجنون؟ — اسمعني الأول. — أنا قاضي. — وأنا طبيب. — ورايحين لعراف؟ — مش عشان نصدق. — أمال؟ — عايز أعرف حاجة. نظر إليه عبد الرحمن. — إيه؟ لم يجب فؤاد. استمر في السير. --- وصلا إلى بيت صغير بعيد عن القرية. كان البيت قديمًا. بابه خشبي. وحوله أشجار كثيفة. طرق فؤاد الباب. فتح رجل مسن. نظر إليهما. ثم قال: — اتأخرتوا. توقف عبد الرحمن. لم يعجبه كلام الرجل. قال: — إحنا أول مرة نيجي هنا. ابتسم الرجل. — أول مرة بالنسبة لك. نظر عبد الرحمن إلى فؤاد. لكن فؤاد لم يتحدث. دخل الرجل. جلس في غرفة صغيرة. كانت الغرفة مضاءة بمصباح ضعيف. على الجدران أوراق قديمة. وفي أحد الأركان مبخرة. جلس الرجل أمامهما. نظر إلى فؤاد. ثم إلى عبد الرحمن. وبقي صامتًا. قال عبد الرحمن: — حضرتك طلبت نشوفك؟ هز الرجل رأسه. — لا. — أمال؟ — أنت اللي جيت. — مين قال لك عني؟ ابتسم الرجل. — مش مهم. قال فؤاد: — إحنا جايين نسأل سؤال. نظر إليه الرجل. — اسأل. قال فؤاد: — عن المستقبل. ضحك الرجل. — المستقبل مش بيتقال. قال عبد الرحمن: — أمال إحنا هنا ليه؟ نظر إليه العراف. ثم قال: — عشان الماضي. تجمد عبد الرحمن. لم يكن يعرف لماذا شعر بقشعريرة. قال: — ماضي إيه؟ رفع الرجل عينيه إليه. — حياتك هتتغير. — كل الناس حياتها بتتغير. — لكن مش كل الناس بتعرف إمتى. سكت عبد الرحمن. قال فؤاد: — يعني إيه؟ اقترب الرجل منهما. ثم قال: — أنت يا عبد الرحمن، هتعيش حياة طويلة. ابتسم عبد الرحمن بسخرية. — ربنا أعلم. — وهتتجوز. صمت. — وهتخلف. نظر فؤاد إلى عبد الرحمن. تابع الرجل: — ثلاثة. شعر عبد الرحمن بشيء غريب. ثلاثة. كان الرقم نفسه الذي قاله لفؤاد قبل أيام. لكن العراف لم يكن موجودًا. قال عبد الرحمن: — ثلاثة أولاد؟ لم يجب الرجل. بل قال: — ثلاثة أرواح. ثم سكت. قال فؤاد: — وبعدين؟ نظر الرجل إلى عبد الرحمن. وقال: — واحد منهم هيكون بعيد عنك. لم يهتم عبد الرحمن كثيرًا. فربما يسافر أحد أبنائه. ثم قال الرجل: — لكن الحكاية مش فيهم. رفع عبد الرحمن حاجبه. — أمال في إيه؟ اقترب العراف. ثم قال: — في كتاب. سأل عبد الرحمن: — كتاب؟ — أيوه. — إيه الكتاب؟ قال الرجل: — كتاب القدر. ضحك عبد الرحمن. — دي خرافات. لكن الرجل لم يضحك. قال: — أنت هتعرف. ثم أمسك يده. تغير وجهه. وظل ينظر إلى كفه طويلًا. ثم قال: — هتفتكر الليلة دي بعد سنين. سحب عبد الرحمن يده. — كفاية. لكن الرجل قال جملة أخيرة: — لما يكتب القدر كتابه... مش هتقدر تمزقه. ثم أطفأ المصباح. --- فتح عبد الرحمن عينيه. عاد إلى الحاضر. كان الفجر قد حل. نظر إلى يده. ثم ضحك ضحكة قصيرة. كان قد نسي كل شيء. أو أقنع نفسه أنه نسي. لكن الآن عادت الكلمات. ثلاثة. كتاب. وعد. وقدَر. نهض. ذهب إلى الحمام. غسل وجهه. ثم نظر إلى المرآة. كان وجهه شاحبًا. قال: — خرافات. لكن صوته لم يكن مقتنعًا. --- في الصباح، جاء فؤاد. كان وجهه متعبًا. دخل المكتب. وجد عبد الرحمن ينتظره. قال: — افتكرت. سكت فؤاد. ثم جلس. — كل حاجة؟ — تقريبًا. — العراف؟ رفع عبد الرحمن عينيه. — أيوه. ظل فؤاد صامتًا. قال عبد الرحمن: — إنت كنت عارف. — عارف إيه؟ — إن اللي قاله حصل. — بعضه. — ثلاثة أولاد. — أيوه. — واحد بعيد. — عمر. — بالضبط. ثم قال عبد الرحمن: — والكتاب؟ تغير وجه فؤاد. — ده اللي أنا مش فاكره. — أنا فاكره. — إيه؟ قال عبد الرحمن: — قال إن القدر لما يكتب كتابه، مش هقدر أمزقه. سكت فؤاد. ثم قال: — في حاجة تانية. — إيه؟ — قالها بعد ما خرجت من الغرفة. — قول. نظر فؤاد إلى الباب. ثم قال: — قال إنك هتنسى الليلة. تجمد عبد الرحمن. — إنت فاكر؟ — أيوه. — ليه ما قلتليش؟ — لأنك كنت محتاج تنسى. — وإنت؟ — وأنا كنت محتاج أفتكر. ظل عبد الرحمن ينظر إليه. قال: — كان لازم تقولي. — كنت صغير. — وإحنا دلوقتي؟ — دلوقتي لازم نعرف ليه رجع. --- في تلك اللحظة، رن هاتف عبد الرحمن. كان سليم. أجاب. — أيوه. — بابا، أنا محتاج أقول لك حاجة. — قول. — حصل موقف في النيابة. — إيه؟ — فيه واحد سأل عنك. تجمد عبد الرحمن. نظر إلى فؤاد. — مين؟ — معرفش. — قال إيه؟ — قال إنه يعرفك من زمان. صمت عبد الرحمن. ثم سأل: — اسمه؟ قال سليم: — ما قالش. — شكله؟ — راجل كبير. أغلق عبد الرحمن عينيه. كان نفس الوصف. قال سليم: — بابا؟ — أنا معاك. — أنت كويس؟ — أيوه. — متأكد؟ — متأكد. أغلق الهاتف. فؤاد قال: — بدأ. رد عبد الرحمن: — أيوه. --- في المساء، اجتمع أبناء عبد الرحمن في الفيلا. حسام وصل أولًا. وسليم بعده. وعمر كان حاضرًا عبر مكالمة فيديو. لم يخبرهم الأب بشيء. كان ينظر إليهم. ثلاثة أبناء. كما قال الرجل منذ سبعة وعشرين عامًا. كان سليم جالسًا إلى جواره. وحسام يضحك مع أمينة. وعمر يتحدث من الشاشة. كل شيء تحقق. لكن عبد الرحمن لم يكن يعرف ما الذي بقي من النبوءة. وهل كانت مجرد كلمات عراف؟ أم أن الرجل رأى شيئًا لم يره هو؟ قال عمر: — بابا، أنت سرحان. ابتسم. — بفكر فيكم. — تاني؟ ضحك حسام. — سيبه يا عمر. قال سليم: — بابا بقى حساس. ابتسم عبد الرحمن. لكن في داخله كان شيء آخر. كان يسمع صوت الرجل من الماضي: "ثلاثة أرواح." ثم صوتًا آخر: "لكن الحكاية مش فيهم." أراد أن يصدق ذلك. أراد أن يبعد أبناءه عن كل شيء. لكن القدر، إن كان قد كتب شيئًا بالفعل، لم يكن عبد الرحمن يملك القدرة على معرفة صفحته التالية. وفي نهاية الليل، عندما عاد الجميع إلى غرفهم، بقي عبد الرحمن وحده. فتح الدرج. أخرج الصورة. ثم أخرج ورقة بيضاء. كتب عليها بخط يده: "الليلة التي كنت فيها في الثامنة والعشرين." توقف. ثم كتب: "العراف." ظل ينظر إلى الكلمة. ثم أضاف: "ما قاله." لكن قبل أن يكمل، سمع صوتًا خارج الغرفة. خطوات. فتح الباب بسرعة. لم يجد أحدًا. عاد إلى الداخل. وكانت الورقة فوق المكتب. لكن شيئًا تغير. القلم الذي كان بجوار يده لم يعد في مكانه. وعلى الورقة، تحت الكلمات التي كتبها، ظهر سطر لم يكتبه: "لم تتذكر كل شيء بعد." تراجع عبد الرحمن خطوة. لم يلمس الورقة. ولم ينادِ أحدًا. فقط وقف ينظر إليها. وفي تلك اللحظة أدرك حقيقة واحدة: الماضي لم يعد ذكرى. لقد أصبح حاضرًا. والشخص الذي بدأ بإعادته إليه... كان يعرف عنه أكثر مما ينبغي. وكان يعرف أيضًا شيئًا لم يعرفه عبد الرحمن بعد. شيئًا يتعلق بليلة الثامنة والعشرين. وشيئًا سيجعل القاضي عبد الرحمن، بعد سبعة وعشرين عامًا من الهدوء، يكتشف أن بعض صفحات الحياة لا تُكتب مرة واحدة. بل تنتظر حتى يحين وقت قراءتها.الفصل 150 — حين اختار الأبناء قدرهمظل عبد الرحمن ينظر إلى الشاب الواقف أمامه.كان المطر قد توقف، لكن قلبه لم يهدأ.قال:— ابن حامد؟أومأ الشاب.— اسمي آدم.نظر عبد الرحمن إلى حامد.كان وجهه قد تغير تمامًا.قال عبد الرحمن:— كنت تعرف؟أجاب حامد بصوت منخفض:— نعم.— ولماذا أخفيته؟— لأنني كنت أحاول حمايته.ضحك عبد الرحمن بمرارة.— يبدو أن عائلتنا كلها كانت تحاول حماية أولادها بالكذب.قال آدم:— وأنا لم آتِ لأكذب عليك.أخرج المفتاح الذي يحمله.— جئت لأُنهي كل شيء.---اقترب محمود.— المفتاح ده بيفتح إيه؟قال آدم:— المكان الذي لم يصل إليه أحد من رجال المجلس.سأل يوسف:— وأين هو؟أجاب:— تحت بيت العائلة.تبادل الجميع النظرات.قال عبد الرحيم:— البيت القديم؟— نعم.قال عبد الرحمن:— لكننا فتشنا البيت.ابتسم آدم.— فتشتم البيت.ثم أضاف:— ولم تبحثوا تحته.---عادوا جميعًا إلى المنزل.قادهم آدم إلى الغرفة القديمة.وقف أمام صورة والد عبد الرحمن.ثم قال:— كان أبي يقول إن هذا الرجل لم يكن يريد أن يملك المجلس.قال عبد الرحمن:— ماذا كان يريد؟— أن ينهيه.— لماذا؟— لأن المجلس بدأ كفكرة لحماية
الفصل 149 — ما قبل النهايةكانت السماء تمطر بغزارة عندما توقفت السيارات أمام البيت القديم.نزل عبد الرحمن أولًا.وقف أمام الباب الخشبي الذي لم يفتحه منذ سنوات طويلة.كان البيت يبدو كما تركه والده؛ جدران باهتة، نوافذ مغلقة، وشجرة قديمة في الفناء تحركت أغصانها مع الريح.قال محمود:— متأكد إننا لازم ندخل؟أجاب عبد الرحمن:— طول عمري بهرب من المكان ده.ثم وضع يده على الباب.— المرة دي مش ههرب.فتح الباب.صدر صوت صرير طويل.دخل الجميع.---كان الغبار يغطي الأثاث.لكن شيئًا غريبًا لفت انتباه يوسف.— بصوا.أشار إلى الأرض.كانت هناك آثار أقدام حديثة.قال محمود:— حد سبقنا.رفع سلاحه.— الكل يبقى ورايا.تحركوا ببطء داخل البيت.وصلوا إلى غرفة أبي عبد الرحمن.كانت مغلقة.قال عبد الرحيم:— الباب ده ما كانش بيتفتح.سأله عبد الرحمن:— إزاي؟— أبوك كان يمنع أي حد يدخل.قال عبد الرحمن:— حتى أنا.أخرج المفتاح الذي وجده في السجل.وضعه في القفل.فتح الباب.---كانت الغرفة أصغر مما يتذكرها.مكتب خشبي.كرسي.خزانة.وصورة قديمة معلقة على الحائط.اقترب عبد الرحمن من الصورة.كان والده يقف أمام البيت.وبجوار
الفصل 148 — الحقيقة التي أخفاها الأبلم يتحرك أحد.ظل وجه حامد ظاهرًا على الشاشة المضيئة في آخر القاعة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل لحظات تدور في رأس عبد الرحمن:«اشتقت إليكم يا إخوتي.»إخوتي.لم تكن الكلمة موجهة إلى عبد الرحمن وحده.كانت موجهة إلى عبد الرحيم وسعيد أيضًا.اقترب عبد الرحمن من الشاشة، وعيناه لا تفارقان وجه حامد.— أنت... أخونا؟ابتسم حامد.— الآن فقط بدأت تفهم.قال سعيد بصدمة:— مستحيل.أما عبد الرحيم فكان أكثرهم اضطرابًا.تقدم خطوة.— أبي قال إننا ثلاثة.ضحك حامد.— أبوكم قال لكم ما أرادكم أن تعرفوه.قال عبد الرحمن:— لا تكذب.— ولماذا أكذب الآن؟ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.صورة لثلاثة أطفال يقفون أمام بيت ريفي قديم.عبد الرحمن.سعيد.عبد الرحيم.لكن خلفهم، وعلى مسافة قليلة، كان يقف طفل رابع.طفل أصغر منهم بقليل.تجمد عبد الرحمن.اقترب من الشاشة.— الصورة دي...قال حامد:— تعرفها؟— كانت في بيت أبي.— نعم.— لكن الطفل ده...ابتسم حامد.— أنا.---جلس سعيد على المقعد الخشبي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.— لا...هز رأسه.— لا يمكن.قال عبد الرحيم:— أبي قال إنك م
الفصل 147 — سقوط مجلس القدر خرج عبد الرحمن من المحكمة القديمة مع أول خيط من ضوء الفجر، لكنه لم يشعر أن الليل انتهى. كان يحمل الدفتر الأسود تحت ذراعه، بينما سار خلفه محمود ويوسف وسعيد وعبد الرحيم وأبناؤهم. لم يتحدث أحد. كانت الحقيقة أثقل من أن تُقال بسهولة. أربعون عامًا من الخوف، والشك، والرسائل، والاختفاءات، والنبوءة التي ظلت تطاردهم... بدأت الآن تتجمع في صورة واحدة. لكن عبد الرحمن كان يعرف شيئًا واحدًا: المعركة لم تنتهِ. وقف محمود بجواره وقال: — عبد الرحمن. — نعم؟ — إحنا لقينا السجل. — لقينا نسخة منه. نظر محمود إليه. — يعني إيه؟ أجاب عبد الرحيم: — السجل الذي أغلقناه ليس الأصل. التفت الجميع إليه. قال يوسف: — وأنت كنت تعرف؟ — نعم. غضب محمود. — وإنت ساكت ليه؟ أجاب عبد الرحيم بهدوء: — لأن الأصل أخطر من كل شيء وجدناه حتى الآن. سأل عبد الرحمن: — أين هو؟ نظر عبد الرحيم إلى الطريق أمامه. — في مقر مجلس القدر. ساد الصمت. قال عبد الرحمن: — المجلس له مقر حتى الآن؟ — نعم. — وأين؟ أخرج عبد الرحيم خريطة قديمة من جيبه. فتحها فوق مقدمة سيارة محمود. كانت هناك ثلاث ع
الفصل 146 — الرجل الذي كان عبد الرحمنلم ينطق عبد الرحمن.ظل ينظر إلى الورقة بين يديه، وكأن الحبر عليها لم يكن حبرًا، بل بابًا فُتح فجأة على أربعين عامًا من حياته.كان التوقيع توقيعه.نفس الحروف.نفس الطريقة التي كان يكتب بها اسمه.لكن الجملة لم تكن له.«إذا عرفت من كان والدك، فقد حان الوقت لتعرف من أنت.»اقترب محمود.— عبد الرحمن؟لم يرد.قال يوسف:— دي مش أول مرة تشوف خطك في حاجة مش فاكرها.رفع عبد الرحمن عينيه إليه.— أول مرة كانت إمتى؟صمت يوسف.ثم قال:— ليلة العراف.تغير وجه عبد الرحمن.قال سعيد:— وأنا أقدر أساعدك تفتكر.نظر إليه.— إزاي؟— لازم نرجع للمكان اللي بدأ فيه كل شيء.سأل محمود:— بيت العراف؟هز سعيد رأسه.— لا.ثم أضاف:— المحكمة القديمة.---كانت المحكمة القديمة في طرف القرية.مبنى حجريًا مهجورًا، نوافذه مكسورة، وأبوابه لم تُفتح منذ سنوات طويلة.لكن عبد الرحمن وقف أمامها كأن المكان ينتظره.قال:— أنا اشتغلت هنا؟أجاب سعيد:— قبل ما تبقى قاضي.— كنت متدربًا؟— أكثر من ذلك.دخلوا.كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان.مروا بممر طويل حتى وصلوا إلى قاعة صغيرة.على الج
الفصل 145 — قاتل الأبساد الصمت.كان حامد واقفًا عند الباب، يحمل مسدسه، بينما كان رحيم على الأرض يحاول التقاط أنفاسه.أما عبد الرحمن فلم يستطع أن يبعد عينيه عن حامد.قال بصوت خافت:— أنت حي.ابتسم حامد.— كنت دائمًا حيًا.اقترب محمود بحذر.— إنت اللي أطلقت النار؟— نعم.— ليه ما قتلته؟نظر حامد إلى رحيم.— لأن موته الآن أسهل من أن يعيش بالحقيقة.ثم أعاد نظره إلى عبد الرحمن.— وأنت تستحق أن تعرف.قال عبد الرحمن:— مين قتل أبويا؟أجاب حامد:— أخوك سعيد.تجمد الجميع.رفع عبد الرحمن عينيه نحو سعيد.— سعيد؟هز سعيد رأسه.— لا.قال حامد:— بلى.اقترب عبد الرحمن منه.— قول الحقيقة.صمت سعيد.قال حامد:— في تلك الليلة، كان والدك قد اكتشف كل شيء.— إيه؟— اكتشف أن العراف يستخدم النبوءة لإجبار العائلات على تسليم أبنائها.قال يوسف:— لكن لماذا قتل سعيد والده؟أجاب حامد:— لأنه كان يعتقد أن أباه سيقتل عبد الرحمن.تدخل سعيد:— لم أقتله!صرخ حامد:— لم تطلق النار عليه، صحيح.ثم أضاف:— لكنك أعطيته السم.تراجع سعيد.نظر إليه عبد الرحمن.— السم؟قال سعيد:— كنت أحاول إنقاذك.— فقتلت أبي؟— لم أكن أعر







