LOGINدخل فارس الكيلاني مكتبه بخطوات بطيئة أثقلها صباح طويل من الاجتماعات، و الحديث الذي لم ينتهِ مع والدته عن موعد الزفاف . أغلق الباب خلفه، و خلع معطفه الأسود بإرهاق، ثم ألقاه فوق الأريكة الجلدية القريبة قبل أن يمرر يده على مؤخرة عنقه محاولاً التخلص من صداع بدأ يضغط على رأسه منذ ساعات. تقدم نحو مكتبه الخشبي العريض كعادته، لكن خطوته توقفت فجأة. كان هناك ظرف أبيض. لم يكن يحمل ختم آل الكيلاني، و لا شعار أي شركة، و لا حتى اسم المرسل. مجرد ظرف وُضع في منتصف المكتب بعناية، كأنه ينتظر وصوله وحده. انعقد حاجباه ببطء. من المستحيل أن يدخل أحد هذا المكتب دون علم كرم أو الحراس. مد يده، التقط الظرف، و قلبه بين أصابعه للحظات قبل أن يفتحه بهدوء. أخرج الورقة المطوية. و جلس خلف مكتبه. بدأ يقرأ. في البداية، لم يرَ سوى كلمات عادية، فظن أنها رسالة مجهولة يقصد صاحبها العبث أو إثارة الفوضى قبل الزفاف. لكن... كلما انتقلت عيناه إلى سطر جديد، بدأ شيء ما يتغير داخله. اختفى الإرهاق من ملامحه. و اختفى معه آخر أثر للهدوء. توقفت عيناه عند كلمة واحدة. **"...حامل..."** ظل يحدق
خرجت ليان من الجناح الشرقي بخطوات هادئة، بينما كانت الرسالة المطوية داخل جيب ثوبها تبدو أثقل من حجرٍ يضغط فوق صدرها. لم تستطع أن تطرد من رأسها الكلمات التي قرأتها قبل ساعات؛ كانت تتردد في أذنها كأنها لُعنة.حملت فريدة طفلاً من فهد...وأرادت أن تمنحه اسم فارس.أغمضت عينيها للحظة و هي تتابع السير في الرواق الطويل، تحاول أن تستعيد هدوءها قبل أن يفضحها وجهها المرتبك أمام أحد.لكنها لم تبتعد كثيراً.توقفت فجأة.كانت فريدة تقف عند مدخل قاعة الاستقبال، تتحدث مع السيدة أمينة و كأن شيئاً لم يحدث. ارتدت ثوباً فاتح اللون، و بدت أمام الجميع تلك الفتاة الهادئة الرقيقة التي يعشقها أهل القصر.وحين وقعت عيناها على ليان...ابتسمت.ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كافية لتجعل ليان تشعر بقشعريرة تسري في جسدها كله.التفتت السيدة أمينة إليها و قالت بلهجتها العملية المعتادة:— ليان... تعالي.اقتربت ليان بصمت.قالت أمينة وهي تقلب بعض الدفاتر بين يديها:— من اليوم سيزداد العمل في الجناح الشرقي. أريد كل شيء جاهزاً دون أي تقصير.توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة لا تخلو من الحماس:— السيد فارس حدد موعد الزفاف
راقبت ليان فريده لعده ايام الا ان راتها تكرر الامر و تعطي للصبي رساله جديده كررت مافعلته في المره السابقة حتي حصلت على الرساله قبل أن تشرع ليان في القراءة، شعرت بأن الغرفة كلها تضيق عليها. كان الإبريق النحاسي فوق الموقد الصغير يطلق فحيحاً مكتوماً، متسبباً في تصاعد خطوط كثيفة من البخار الساخن الذي تفوح منه رائحة المعدن الصدئ و الغبار القديم. في تلك الغرفة العلوية المهجورة، كان الهواء خانقاً و ثقيلاً، و لم يكن هناك من ضياء سوى وميض مصباح زيتي يترنح، فيعكس ظلالاً شوهاء متطاولة على الجدران المتآكلة .لم تكن أنامل ليان ترتجف هذه المرة؛ فقد طحن الخوفَ داخلها إصرارٌ بارد و جعل حركاتها دقيقة كشفرة جراح . قرّبت الظرف السميك من فوهة البخار المتصاعد ، مراقبة الختم القرمزي الذي يحمل شعار فريدة وهو يلين ببطء، متحولاً من درع شمعي صلب إلى قطرة دم مسكوبة تكاد تبكي. و بحذر شديد يقطع الأنفاس، مررت الشفرة الرقيقة تحت حافة الشمع اللين. انزلق الورق الفاخر بنعومة مستسلماً، و انفتح الجوف المطوي دون أن يتفتت الشمع أو يترك أثراً واحداً يكشف العبث.
في صباح اليوم التالي، كان الصالون الملكي في قصر آشبورن يغرق في هدوء ثقيل، لا يقطعه سوى صوت احتراق الحطب داخل المدفأة الحجرية، و ضوء الشمس الشاحب المتسلل عبر النوافذ العالية. وقف فارس الكيلاني أمام النافذة، شامخ القامة، يضم يديه خلف ظهره، و عيناه معلقتان بحدائق القصر الممتدة أمامه، بينما بدت ملامحه جامدة كأنها نُحتت من الصخر. دخلت السيدة صفاء بخطوات هادئة تحمل وقار سنوات طويلة من إدارة هذه العائلة، و توقفت خلفه لبرهة، ثم قالت بصوت منخفض، لكنه لا يعرف التردد: — إلى متى ستظل تؤجل يا فارس؟ لم يجب. بقي ينظر إلى الخارج، و كأنه لم يسمع شيئًا. تابعت بهدوء أكبر: — آل الفاروق ينتظرون جوابنا النهائي، و الناس بدأوا يتساءلون عن سبب هذا التأخير. لقد تمت الخطبة منذ أشهر ، و استمرار المماطلة لا يليق باسم آل الكيلاني. ظل صامتًا. ثم قال أخيرًا دون أن يلتفت إليها: — قلت لكِ من قبل... لا أريد هذا الزواج. ساد الصمت للحظات. لكن صفاء لم تكن من النساء اللاتي يرفعن أصواتهن حين يملكن اليقين. قالت بثبات: — و ما تريده أنت لا يغيّر شيئًا. استدار إليها ببطء. كانت عيناه ت
لم يكن غضب فريدة في ذلك الصباح مجرد انفعال عابر، بل كان رسالة واضحة فهمتها ليان منذ اللحظة الأولى؛ لقد انتهى دوري بالنسبة إليها.وقفت خلف الستارة الثقيلة في الجناح الشرقيو انا اياعدهت أراقبها بصمت، بينما كانت تقف عند الشرفة تحت أشعة الشمس، تتأمل الحديقة و كأن شيئًا لم يحدث. بعد لحظات استدعت أحد الصبية الجدد الذين التحقوا بخدمة القصر قبل أيام، فتقدم إليها بخجل و احترام.أخرجت من درج الطاولة ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر، ناولته له، ثم مالت نحوه و همست ببضع كلمات حتي لا أسمعها. لكنني رأيت حركة يدها و هي تشير إلى البوابة الخارجية، ورأيت الصبي يومئ برأسه .زفرت ببطء.إذًا... لم تتوقف الرسائل.كل ما حدث أنها استبدلتني بذلك الصغير.راقبته حتى اختفى بين الأشجار، ثم عدت بعيني إلى فريدة. كانت تبتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة شخص يظن أنه أغلق جميع الأبواب خلفه.تمتمت في سري:
في ذلك المساء، خيّم هدوء ثقيل على قصر آشبورن . كانت الرياح الباردة تضرب النوافذ الطويلة بين الحين و الآخر، بينما انعكس ضوء المصابيح الزيتية على الجدران الخشبية العتيقة فملأ المكان بدفء خافت. جلست ليان إلى الطاولة الصغيرة في غرفة الدراسة الملحقة بالمكتبة، و أمامها دفاتر الكتابة التي كانت ميس وعد تصر على أن تتدرب عليها يومياً. لكن عقلها لم يكن مع الحروف. كانت تسمع شرح وعد، بينما أفكارها تدور حول فريدة و فهد و ما تخفيه تلك الرسائل التي تتنقل بينهما في الظل. حركت قلمها فوق الورق بشرود، ثم وقعت عيناها على مجموعة رسائل موضوعة فوق المنضدة الجانبية. كانت مختومة بعناية بالشمع الأحمر و تحمل أختاماً أنيقة تدل على أصحاب نفوذ و مكانة. توقفت للحظة. و بهدوء شديد، وكأن الأمر لا يعنيها، سألت: — ميس وعد... هل صحيح أن بعض الناس يستطيعون فتح الرسائل المختومة دون أن يلاحظ صاحبها؟ رفعت وعد رأسها عن الكتاب.— لماذا تسألين؟ هزت ليان كتفيها بلا مبالاة. — لا أعلم... تذكرت شيئاً من الحي القديم فقط. ابتسمت وعد بخفة.— فضولكِ لا ينتهي. ثم أضافت وعد و هي تعود بذاكرتها إلى الماضي: —
وقفت الحركة تماماً في الممر الشجري المظلم.لم ينطق فارس الكيلاني بحرف واحد.ظل واقفاً كالجبل الصلد، و عيناه الصقريتان تشتعلان بغضب مدمر، بارد، ورمرعب كالمقصلة.كانت نظراته مثبتة على يد فهد التي لا تزال تقبض على كتف ليان الممزق.بجانب فارس، اندفع رائد للأمام، ملامحه الودودة اختفت تماماً و حلّت محلها
وصلت خيول الضيوف و عرباتهم مع غياب الشمس خلف تلال الريف.تعالت أصوات الضحكات الصاخبة و الخليعة في فناء المنزل الهادئ.كان حشداً يرتدي الحرير والذهب المبالغ فيه، و يعلن عن وصول الطبقة الأرستقراطية.تسللت ليان خلف الستائر لتراقبهم بحذر.ترجل الرجال والنساء من العربات، و تقدم في مقدمتهم شاب ذو ملامح
كان الضباب الصباحي لا يزال يلف قصر آشبورن عندما وقفت ليان في الفناء الخارجي.كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب.أمامها.اصطفت العربات الفاخرة المجرورة بالخيول الأصيلة.اصوت صهيل الخيل و حركة الخدم السريعة لترتيب الحقائب كان يملأ المكان بجلبة متواصلة.كانت ليان ترتدي رداء السفر البسيط الخاص ب
كان المساء قد بدأ يفرض ظلاله على قصر الكيلاني عندما دخل كرم إلى مكتب فارس... وقف أمام المكتب باحترام لم ينطق بكلمه حتي يأذن له طوال سنوات عمله الطويله مع السيد فارس الكيلاني كان دائما الخادم الامين كان فارس الكيلاني يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بهيبته المعهوده فالرجل يفرض حضوره في اي مكان و يجعل اي







