Share

ميزان العداله

last update publish date: 2026-06-04 09:01:55

انغلقت الأبواب الخشبية الثقيلة لمكتب القصر، حاجبة خلفها همسات الحركة الدؤوبة لخَدَم قصر آشبورن. في الداخل، لم يكن هناك صوت يكسر الصمت المتوتر سوى طقطقة الحطب في الموقد الضخم

.كان فارس الكيلاني واقفاً عند النافذة الزجاجية الطويلة، معطفه الأسود الفاخر يبدو ملائماً تماماً لبنيته القوية، و يداه متشابكتان خلف ظهره و هو يتطلع إلى الحديقة بالأسفل. كانت وقفته صارمة، جافة، و تحمل حزماً لا يلين

. و في المقابل، كان شقيقه الأصغر يزيد يجلس على مقعد جلدي، يبدو عليه عدم الارتياح، و يحاول تشتيت نظرات شقيقه الحادة بالعبث بقلم فضي بين أصابعه.

"لا يمكنها البقاء هنا يا يزيد"، تحدث فارس أخيراً. كان صوته عميقاً، هادئاً، و يحمل نبرة حاسمة كقطع السيف. لم يكلف نفسه عناء الالتفات لشقيقه

و تابع: "هناك شيء مريب و مثير للشكوك بشأن هذه الفتاة. فتاة من أحياء المداخن والفقر لا تتقاطع طرقها فجأة مع رجل أرستقراطي، و تسترد محفظة مسروقة من بلطجي معروف،

. الأمر مثالي زيادة عن اللزوم، و مخطط له بدقة".

استدار فارس ببطء.

— أدخلتها إلى القصر دون أن تعرف عنها شيئًا.

رفع يزيد حاجبه.

— أعرف ما يكفي.

— حقًا؟

اقترب فارس من المكتب.

— إذن أخبرني.

من هي؟

من أين جاءت؟

من هم أقاربها؟

من الذي يمكنه تأكيد قصتها؟

صمت يزيد.

فابتسم فارس ابتسامة قصيرة خالية من المرح.

— هذا ما ظننته.

نهض يزيد من مقعده.

بدأ الضيق يتسلل إلى صوته.

— ليست مجرمة يا فارس.

فارس ببرود — لا أعرف ذلك

.

ارتفع صوت يزيد قليلًا.

— انها كانت شجاعة بما يكفي لفعل الصواب

انتفض يزيد واقفاً بغضب واضح، و تشنجت ملامحه الوسيمة: "أنت ترى الأشباح و المؤامرات في كل مكان يا فارس! ليان خاطرت بحياتها من أجلي. لو لم تتدخل هي، لكانت دفاتر العائلة الرسمية و ختم جدي في أيدي حثالة المدينة الآن. والدها هدد بقتلها لأنها أعادت إليّ مالي! أين هو شعورك بالامتنان؟"

فارس بهدوء :أنا أحاول حماية هذه العائلة لقد كنت احمق بما فيه الكفاية لتذهب الي هذه الاماكن و بدون حراسه ايضا

أجاب فارس بصرامة.

ثم أضاف:

— هناك شيء لا تخبرنا به.

أنا متأكد من ذلك.

تقدم يزيد خطوة.

— و حتى لو كان هناك؟

هل نحاكم الناس لأن لديهم أسرارًا؟

نظر إليه فارس مباشرة.

— عندما يدخلون إلى بيتي؟ نعم.

صاح يزيد بصوت مرتفع، متخلياً عن هدوئه المعتاد و خطا خطوة نحو شقيقه بتحدٍّ: "ستبقى! لقد وعدتها بالأمان، و بصفتي من آل الكيلاني، فإن كلمتي لها وزنها ولن أتراجع عنها!"

ارتفعت حدة التوتر في الغرفة بشكل خانق. كزّ فارس على أسنانة،

و أظلمت عيناه و هو يستعد لسحق تمرد شقيقه الأصغر بأمر حاسم و صارم لا رجعة فيه.

كادت الغرفة أن تتحول إلى ساحة معركة، لولا أن انقطع حبل النزاع فجأة."هذا يكفي.. كلاكِما".

قطع ذلك الصوت الرنان و الصارم الأجواء المشحونة كشفرة من فضة.انفتح باب المكتب الجانبي بهدوء، و خطت إلى داخل الغرفة السيدة صفاء الكيلاني. على الرغم من تجاوزها الخمسين من عمرها، إلا أنها كانت لا تزال امرأة فائقة الجمال، تحمل جسداً ممشوقاً وهيبة أرستقراطية تجبر الجميع على الانحناء احتراماً.

في ملامحها الدقيقة، يمكن للمرء أن يرى المزيج الجيني الواضح لولديها؛ فهي تملك نظرات فارس الحادة و الصارمة كالفولاذ، لكن تحيط بها نبرة وجه دافئة و ناعمة تشبه يزيد.تراجع الشقيقان على الفور، و اعتدلت وقفتهما احتداماً و احتراماً لوجودها

.سارت صفاء نحو منتصف الغرفة، و ثوبها الحريري الفاخر يحدث حفيفاً ناعماً فوق السجاد الفارسي. نظرت إلى فارس ثم إلى يزيد، ملامحها هادئة تماماً لكنها تشع سلطة مطلقة.

و قالت بصوت هادئ، لكنه يحمل وزناً جعل الغرفة تبدو أصغر: "هل نسيتم من أنتم؟ تتشاجرون كصبيان الخمارات في الأزقة من أجل خادمة بسيطة؟

"بدأ يزيد الحديث بنبرة مستعطفة: "أمي، فارس يريد إلقاءها في الشارع و قد—" لكن صفاء رفعت يدها لتسكته فوراً.

التفتت إلى يزيد و قالت: " يا يزيد،لا تدع عاطفتك وسذاجتك تتحكمان في أمن هذا القصر".

ثم نقلت عينيها نحو فارس، و ضاقت نظراتها قليلاً: "و أنت يا فارس، تتجاوز حدودك و تتدخل فيما لا يعنيك".

عقد فارس حاجبيه و كاد أن يتحدث، لكن والدته خطت للأمام بكبرياء كسر حدة كلماته

: "إدارة قصر آشبورن، و تعيين الخدم، و شؤون هذا المنزل تخصني أنا وحدي.. لا شأن لكما أنتما الاثنان بهذا الأمر على الإطلاق. أنت يا فارس، ركز على إدارة أسطولنا التجاري و إمبراطوريتنا المالية. و أنت يا يزيد، التفت إلى دراستك. أنا من سيقرر مصير هذه الفتاة".

عقد فارس ذراعيه أمام صدره.

— لا أثق بها.

ردت والدته بهدوء:

— لم يمضِ على وجودها سوى ليلة واحدة

قالت صفاء أخيرًا:

— سأقابل الفتاة بنفسي.

و سأتخذ قراري بنفسي.

إذا كانت صادقة ستبقى.

و إذا كانت تكذب سترحل.

ببساطة.

تنفس يزيد براحة واضحة.

أما فارس فلم يبدُ مقتنعًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
Aser Nistro
.........
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • خلف اسوار اوزبروك    انفاس حاره

    انفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه

  • خلف اسوار اوزبروك    ظل اسود

    عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب

  • خلف اسوار اوزبروك    الكمين

    داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات

  • خلف اسوار اوزبروك    لحظات عذبه

    انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ

  • خلف اسوار اوزبروك    طوفان الرغبه و الشك

    استقرت عربة آل الكيلاني الفاخرة في عتمة الزقاق المقابل لمنزل زينة.كانت الفوانيس الزيتية بالشارع تكاد تنطفئ.و الضباب يلتف حول العجلات الحديدية كأنه كفن رمادي.في داخل العربه كان فارس الكيلاني يجلس في عمق المقعد المخملي الداكن.كان متخفياً وراء الزجاج الأسود.و عيناه الصقريتان تراقبان البوابة الخشبية بثبات مرعب لا يلين.كان الغضب في صدره يغلي كالحمم البركانية.غضبٌ غدته الغيرة العمياء التي لم يعهدها في نفسه قط.و الشَّك المرير الذي بات يأكل عقله و روحه طوال الساعات الماضية.تذكر كلمات عوض في نادي النبلاء.تذكر ضحكات فهد الشامتة اللعينة.كل حرف نطقوا به كان يغرس خنجراً من النار في كبريائه.انفتحت البوابة الخشبية و أخيراً.و خطت ليان إلى الخارج بحذر شديد.تتلمس الطريق و تلتفت برأسها الصغير خوفاً من أشباح الأزقة و من جابر .لم تكد تخطو خطوتين في الهواء البارد حتى اعترض طريقها كرم.ظهر المعاون من بين الظلال كأنه قدر محتوم لعنه نفسها للمره الالف في هذا اليوم ما هذا الحظ و بنبرة جافة، حازمة، و آمرة أشار نحو باب العربة المفتوح:— اصعدي فوراً يا ليان.. السيد فارس بانتظاركِ في الداخل.انقب

  • خلف اسوار اوزبروك    بركان صامت

    في قاعة نادي النبلاء الفاخرة.كانت الأجواء تفوح برائحة السيجار الفاخر و الوقار الأرستقراطي الجافكان نادي النبلاء يعج بأصوات الموسيقى الخافتة و أحاديث التجارة و السياسة.جلس فارس الكيلاني في ركنه المعتاد مع رائد خلف طاوله خشبيه داكنه امامهم ملفات و عقود و اوراق كان النقاش جاداً و مركزاً.فجأة.. انقطع حبل الحديث التجاري الهادئ.تقدم فهد نحو الطاولة بخطوات لزجة، و بجانبه كان الشاب عوض كان فهد يحمل ابتسامة خبيثة و ساخرة تعلو وجهه الماكر.تبادل فارس و رائد نظرة سريعة.منذ حادثة الريف لم تعد الأمور كما كانت.لم يطردا فهد صراحة من دائرتهم.لكن وجوده بينهم أصبح بارداً و ثقيلاً.اقترب فهد مبتسماً ابتسامة مستفزة.ثم ربت على كتف عوض قائلاً:— أخبرهما بما أخبرتني به قبل قليل.نظر عوض إليهم بحماس واضح.دون أن ينتبه للتوتر الذي خيم على الطاولة.و قال بحماس :—رائد... فارس... لقد رأيت خادمتك الجميلة اليوم.تجمدت ملامح فارس فوراً.اختفى أي أثر للاسترخاء من وجهه.و انعقد فكه بقوة.رفع عينيه ببطء نحو عوض.و قال بصوت منخفض:— ماذا قلت؟ابتسم عوض معتقداً أن الأمر يثير فضولهم فقط و قال بحماس شديد — خادم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status