تسجيل الدخولالفصل الثلاثون: طوق النجاة
استيقظت ليان مع خيوط الفجر الأولى. فتحت عينيها بشعور غريب يمزق صدرها. اليوم هو يوم عطلتها الأسبوعية المنتظرة. اليوم الذي ستبدأ فيه المقايضة السوداء. نهضت ببطء و توجهت نحو خزانة ملابسها. تخلصت من زي الخدمة الكحلي الصارم استحمت و ارتدت ملابسها العادية و النظيفة المخصصة للخروج. كانت ملابس بسيطة لكنها تبرز نقاء جسدها. ضمت حقيبتها الصغيرة بيدين ترتجفان من الرعب. كانت تستعد للذهاب إلى الشقة بالمدينة. المكان الذي ينتظرها فيه فارس الكيلاني. توجّهت نحو جناح الخدم لإبلاغ السيدة أمينة. لكن رئيسة الخدم استوقفتها بملامح جافة: — ليان، انتظري قليلا قبل خروجك — اذهبي أولاً لوضع طعام الإفطار للسيدة صفاء. — الخدمة مزدحمة هذا الصباح و عليكِ المساعدة. اجابتها ليان : حسنا يا سيدتي أومأت ليان مرغمة و تحركت نحو المطبخ. حملت صينية الفضة الثقيلة المليئة بالأطباق الفاخرة. و سارت بخطوات وئيدة نحو قاعة الطعام الكبرى. لم تصعد أبداً إلى هذا الطابق بملابس الخروج. كانت تشعر بالغرابة و هي تمشي دون زي الخدمة وسط زملائها الذين يرتدون الزي دفعت الباب الخشبي المحفور و دخلت القاعة. كانت السيدة صفاء تجلس علي راس الطاوله بهيبتها المعتاده و إلى جانبها كان أبناؤها الثلاثة يشاركونها المائدة. فارس الكيلاني بجموده الصارم المعتاد علي راس الطاوله الاخر و يزيد الكيلاني بملامحه الوسيمة الهادئة يجلس علي يمين صفاء و الصغيرة ملك الكيلاني تبتسم برقة. تقدمت ليان و وضعت الأطباق و الشموع بحذر. لم ترفع عينيها عن السطح الفضي المصقول. لكن السيدة صفاء لاحظت وجودها فوراً. تأملت ملابسها المدنية المختلفة عن بقية الخدم. ضاقت عيناها بتساؤل أرستقراطي مهذب و سألتها: — ما الأمر يا ليان؟ أرى أنكِ لستِ بزي العمل اليوم. انحنت ليان بأدب شديد و أجابت بصوت خفيض: — اليوم هو يوم عطلتي الأسبوعية يا سيده صفاء — كنتُ أهم بالخروج الآن لزيارة بعض أقاربي في المدينة. عندما طلبت مني السيده امينه ان اساعد اولا قبل الذهاب صمتت السيدة صفاء لثوانٍ و هي تحتسي رشفة من الشاي. تأملت الفتاة الواقفة، ثم قالت بنبرة حازمة و راجية: — ليان.. هل يمكنكِ تأجيل هذه العطلة؟ — أريد منكِ تأجيلها للغد أو بعد غد إن أمكن. تابعت السيدة صفاء وزهي تلتفت نحو أبنائها: — لقد دعوتُ بعض الأصدقاء المقربين الليلة على العشاء. — و أريد أن تكون الخدمة في القصر كاملة و مثالية ثم نظرت الي ابنائها الثلاثه لا اريد اعذار لاي منكم ايضا شاهدت ليان يزيد و هو يتنهد بعدم رضا و حبست ابتسامتها فورا ثم أدركت ما تطلبه منها صفاء هل هذا يعني..... توقف الوقت فجأة في قاعة الطعام الشاسعة. انقطع الأكسجين في صدر ليان من فرط المفاجأة. التفتت بغريزتها السريعة نحو زاوية الطاولة المقابلة. كان فارس الكيلاني يجلس هناك كالصخرة الصماء. كان ينتظر ردها بحدة و ثبات مرعب. ثبّت عيناه الصقريتان القاتمتين في عينيها مباشرة. كانت نظراته تحمل وعيداً صامتاً يأمرها بالرفض. كان يطالبها بالمغادرة فوراً لتنفيذ اتفاقهما السري الليلة. لكن ليان نظرت مجدداً نحو السيدة صفاء. رأتها في تلك اللحظة و كأنها منقذتها الوحيدة. رأتها طوق نجاة أُرسل لها من السماء ليحميها. درع حريري يؤجل سقوطها في فخ فارس ليوم آخر. تجاهلت نظرات فارس الحارقة و المهددة تماماً. و استجمعت كبرياءها و شجاعتها، و قالت فوراً: — بالطبع يا سيدتي .. أمركِ مطاع تماماً سأكون هنا — سأبقى اليوم لخدمة ضيوفكِ وأؤجل خروجي للغد او بعد غد قامت صفاء بلمس يدها و قالت اشكرك يا ليان ساعوض لكي ذلك أومأت ليان سعيده ثم انحنت ليان بسرعة و غادرت القاعة بخطوات خفيفة. خرجت و توجهت فوراً نحو جناح الخدم السفلي. بدأت تغير ملابسها و تعود لارتداء الزي الكحلي. كانت السعادة تتراقص في أعماق قلبها المحطم. ابتسمت بنصر صغير و هي تتنفس بحرية لأول مرة. لقد أفلتت من فارس لـ ٢٤ ساعة قادمة.. و رغم أنها تعلم أن غضب فارس القادم سيكون كالإعصار المدمر، إلا أن نجاتها الليلة كانت كافية لتعيد لروحها السلام. وفي الطابق السفلي... كان فارس الكيلاني يقف أمام نافذة مكتبه. يداه خلف ظهره. و عيناه تتبعان الحديقة الواسعة. دخل كرم بعد طرق خفيف. — سيدي. لم يلتفت فارس. — ماذا؟ قال كرم بحذر: — العربة أصبحت جاهزة. صمت طويل. ثم أجاب فارس ببرود: — أعد الخيول إلى الإسطبل. رفع كرم حاجبيه. — هل ألغي الرحلة؟ استدار فارس ببطء. كانت ملامحه جامدة تمامًا. هز راسه ب نعم و عينيه تومضان بشرر هل تتحداه الصغيرة تمتم ساخرا حسناشرارةٌ غريبةكانت ليان تجلس في زاوية معزولة من المطبخ تقاوم اجهادها ورغبتها في النوم .جلست تتناول فطورها البسيط ب كفين باردتين و عقل شارد.لم تكن تشعر بطعم الطعام؛ فجسدها مجهد وأفكارها معلقة بين أحضان فارس وكلمات زينة المسمومة.فجأة، اقتربت منها خطوات ناعمة و مألوفة.التفتت لتجد ميس وعد تقف أمامها بملامح يملأها القلق الدافئ.انحنت وعد قليلاً، وهَمست بنبرة عاتبة ورقيقة:ليان :كيف حالك ابتسمت ليان :بخير كيف حالك سالتها وعد — ليان.. لماذا لم تأتي إلى الدرس البارحة؟ لقد انتظرتكِ طويلاً و غلبني القلق عليكي .تجمدت لقمة الطعام في فم ليان، و اجتاحها ارتباك عارم صبغ وجنتيها بالحمرة.شغلتها أحضان فارس الساخنة في الغرفة المغلقة طوال الليل، و نسيت أمر الدرس تماماً.تعلثمت الكلمات على شفتيها، و حاولت اختراع عذر سريع:— أعتذر بشدة يا ميس وعد.. لقد.. لقد كنتُ متعكّرة و مجهدة للغاية البارحة، و لم أستطع صعود الدرج.و قبل أن تستطرد وعد في استجوابها الدافئ، أنقذتها السيدة أمينة بدخولها المفاجئ والصارم للمطبخ.صفقت رئيسة الخدم بيديها بحزم، و صاحت بصوت أجش ألجم الجميع:— انتبهنّ جميعاً و تحركنّ ب
تسللت ليان من بين ذراعي فارس الكيلاني مع خيوط الفجر الأولى الممتدة.كان جسدها يئن تحت وطأة إرهاق جسدي و نفسي عنيف طحن أعصابها.لم تذق طعم النوم الفعلي منذ تلك الليلة الساخنة الطويلة خلف الأبواب الموصدة.كان جسدها يتلقى الدفء الحميمي، لكن عقلها كان يغرق في التفكير والوجل.ارتدت زي الخدمة الكحلي الصارم بسرعة فائقة وبأصابع مرتعشة من الخوف.أغلقت الأزرار بعناية حتى الياقة البيضاء، لتخفي آثار أنفاسه الحارقة على عنقها والعلامات التي تركها علي جسدها احمرت خجلا عندما تذكرت وقفت تستعد للنزول للمطبخ و بدء يوم جديد من السخرة و العمل الشاق كم تحتاج الي النوم ليلتان لم تذق فيهم طعم النوم قضتهم معه .وفي غمرة التعب و الإنهاك، تذكرت زينة.عادت الكلمات التي نطقت بها زينه في ليلتها الماضية لترن في أذنها كالإعصار.تذكرت كيف وقفت زينة أمام النافذة الكبيرة المطلة على أزقة المدينة الصاخبة.كيف كانت تقص عليها مأساة حياتها بنبرة شجية عارية تماماً من التزييف.أعادت ليان صياغة الحوار في عقلها، حواراً دار بين روحين تبحثان عن مفر في الظلام.قالت زينة وهي تشير بسبّابتها نحو المارة الفقراء في الشارع
انفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه
عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب
داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات
انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ







