ANMELDENكان قصر آشبورن أشبه بخلية نحل هائجة.
أصوات الجلبة تتعالى في الممرات الطويلة و الفخمة. الخدم يركضون في كل اتجاه لوضع اللمسات الأخيرة. العشاء الأرستقراطي الكبير سيبدأ بعد ساعات قليلة. كانت ليان تقف في قاعة الطعام الكبرى.تتحرك بسرعة لتجهيز مائدة العشاء الشاسعة. حملت شمعداناً فضياً ثقيلًا و عملاقاً بحرص شديد. كان جسدها النحيل يئن تحت ثقل الفضة المصقولة. حاولت رفعه بجهد لوضعه في منتصف المائدة. — دعيني أساعدكِ في هذا يا ليان.انطلق الصوت هادئاً و نبيلاً من خلفها. التفتت ليان بسرعة لتجد يزيد الكيلاني. كان يرتدي حُلة رسمية أنيقة استعداداً لاستقبال الضيوف. تقدم نحو المائدة بخطواته الودودة المعتادة. و قبل أن تنطق بحرف.. امتدت يده القوية.أمسك بالطرف الآخر للشمعدان الثقيل و رفعه عنها بسهولة.وضعه في مكانه الصحيح فوق المائدة الفارسية. تراجعت ليان خطوة إلى الوراء وانحنت بأدب:— شكراً لك يا سيد يزيد.. لم يكن عليك فعل هذا شكرا حقا . ابتسم يزيد ابتسامة خفيفة، وحافظ على نبرته المهذبة:— الشمعدان ثقيل للغاية، و لا أظن أن كرم والدتي مع ضيوفها يقتضي أن تكسر خادمتنا ظهرها من أجل قطعة فضة. نظر إليها بوقار، و تابع يسألها باهتمام إنساني نقي:— هل حظيتِ ببعض الراحة بعد رحلة الريف الشاقة؟ أمينة أخبرتني أنكِ تبذلين جهداً مضاعفاً منذ الصباح. أجابت ليان و عيناها مثبتتان على الأرض باحترام:— أنا بخير تماماً يا سيد يزيد .. العمل هنا ينسي المرء التعب. كان يزيد يتحدث بنبله المعهود، يساعدها بآلية في تعديل الكؤوس الكريستالية القريبة منه، متصرفاً بطبيعته الشهمة التي ترفض رؤية الآخرين يعانون؛ خلال الفتره التي قاضتها ليان في القصر عرفت ان يزيد شخص طيب و نقي شخصيته تشبه وجهه الذي يمتلي ء بالبراءه يزيد وسيم للغايه و لكن وسامته تختلف عن وسامه فارس ف يزيد يحمل ملامح طفوليه بريئه اما فارس ملامحه الوسيمه حاده صارخه شعرت ليان بالدفء وهي تتحدث مع يزيد .لكن الدفء و النقاء في القاعة تبخرا بلمحة عين. انقطع الأكسجين في المكان فجأة. دوى رنين خطوات عسكرية حازمة و صارمة عند المدخل. التفتت ليان بجسد متشنج، لتجد فارس الكيلاني واقفاً عند الباب المزدوج. كان معطفه الأسود يحيط بقامته الشاهقة كالغيمة الدامسة. و عيناه الصقريتان القاتمتان كانت تشتعلان بغضب عارم، بارد، و مدمر. رأى شقيقه الأصغر يقف ملاصقاً لها و يساعدها بيده. و رأى ليان تتحدث بهدوء غاب عنه التوتر الذي يفرضه هو عليها. سحق فارس المسافة بينهما بخطوات ثقيلة هزت الأرض الرخامية. توقف أمام المائدة، وجمدت نظراته الحادة وجه شقيقه أولاً. انطلق صوته عميقاً، خفيضاً، و حاداً كالشفرة:— يزيد. رائد وبعض النبلاء وصلوا ويقتربون من بوابة القصر . تابع و عيناه لا ترحم اضطراب الهواء في القصر:— مكانك في الأعلى لاستقبال ضيوف والدتك.. و ليس هنا لتأدية مهام الخدم و تعديل الكؤوس. شعر يزيد بالتوتر من نبرة شقيقه الأكبر الصارمة. انحنى برأسه بآلية، ودقال بهدوء:— كنتُ أتفقد القاعة فقط يا فارس.. سأصعد فوراً. استدار يزيد و غادر القاعة الكبرى بسرعة. بقي فارس وحده مع ليان في المساحة الفسيحة.انتقل ب عروق عنقه البارزة و نظراته المشتعلة بالشك مباشرة نحو وجهها الشاحب. جمعت المخاوف في عقل ليان؛ و انتظرت أن يتقدم نحوها. انتظرت أن يفرغ غضبه الكامن، أو يملي عليها وعيده القاسي كالعادة. لكنه.. لم يفعل.و لم ينطق بحرف واحد.ظل واقفاً في مكانه بهيبته الطاغية، يحدق بها لثوانٍ طويلة حبست الأكسجين في صدرها. كانت نظرة فاحصة، حادة كالمقصلة، و جافة كالشتاء.نظرة وعيد صامت أخبرها فيها بكل شيء دون أن يحرك شفتيه الصارمتين .ثم.. و بمنتهى البرود الأرستقراطي، أدار وجهه عنها بآلية.و استدار بكامل قامته الشاهقة و عريضة المنكبين ليغادر القاعة نحو المكتب الرئيسي لاستقبال ضيوفه، و كأنها لم تكن موجودة في الغرفة أصلاً. أغلقت ليان عينيها ببطء، و استندت ب كفيها المرتجفتين على حافة المائدة الخشبية لتمنع جسدها من السقوط.كانت أنفاسها تتلاحق بعنف، و صوت ضربات قلبها يقرع بجنونشرارةٌ غريبةكانت ليان تجلس في زاوية معزولة من المطبخ تقاوم اجهادها ورغبتها في النوم .جلست تتناول فطورها البسيط ب كفين باردتين و عقل شارد.لم تكن تشعر بطعم الطعام؛ فجسدها مجهد وأفكارها معلقة بين أحضان فارس وكلمات زينة المسمومة.فجأة، اقتربت منها خطوات ناعمة و مألوفة.التفتت لتجد ميس وعد تقف أمامها بملامح يملأها القلق الدافئ.انحنت وعد قليلاً، وهَمست بنبرة عاتبة ورقيقة:ليان :كيف حالك ابتسمت ليان :بخير كيف حالك سالتها وعد — ليان.. لماذا لم تأتي إلى الدرس البارحة؟ لقد انتظرتكِ طويلاً و غلبني القلق عليكي .تجمدت لقمة الطعام في فم ليان، و اجتاحها ارتباك عارم صبغ وجنتيها بالحمرة.شغلتها أحضان فارس الساخنة في الغرفة المغلقة طوال الليل، و نسيت أمر الدرس تماماً.تعلثمت الكلمات على شفتيها، و حاولت اختراع عذر سريع:— أعتذر بشدة يا ميس وعد.. لقد.. لقد كنتُ متعكّرة و مجهدة للغاية البارحة، و لم أستطع صعود الدرج.و قبل أن تستطرد وعد في استجوابها الدافئ، أنقذتها السيدة أمينة بدخولها المفاجئ والصارم للمطبخ.صفقت رئيسة الخدم بيديها بحزم، و صاحت بصوت أجش ألجم الجميع:— انتبهنّ جميعاً و تحركنّ ب
تسللت ليان من بين ذراعي فارس الكيلاني مع خيوط الفجر الأولى الممتدة.كان جسدها يئن تحت وطأة إرهاق جسدي و نفسي عنيف طحن أعصابها.لم تذق طعم النوم الفعلي منذ تلك الليلة الساخنة الطويلة خلف الأبواب الموصدة.كان جسدها يتلقى الدفء الحميمي، لكن عقلها كان يغرق في التفكير والوجل.ارتدت زي الخدمة الكحلي الصارم بسرعة فائقة وبأصابع مرتعشة من الخوف.أغلقت الأزرار بعناية حتى الياقة البيضاء، لتخفي آثار أنفاسه الحارقة على عنقها والعلامات التي تركها علي جسدها احمرت خجلا عندما تذكرت وقفت تستعد للنزول للمطبخ و بدء يوم جديد من السخرة و العمل الشاق كم تحتاج الي النوم ليلتان لم تذق فيهم طعم النوم قضتهم معه .وفي غمرة التعب و الإنهاك، تذكرت زينة.عادت الكلمات التي نطقت بها زينه في ليلتها الماضية لترن في أذنها كالإعصار.تذكرت كيف وقفت زينة أمام النافذة الكبيرة المطلة على أزقة المدينة الصاخبة.كيف كانت تقص عليها مأساة حياتها بنبرة شجية عارية تماماً من التزييف.أعادت ليان صياغة الحوار في عقلها، حواراً دار بين روحين تبحثان عن مفر في الظلام.قالت زينة وهي تشير بسبّابتها نحو المارة الفقراء في الشارع
انفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه
عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب
داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات
انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ







