LOGINعادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب
كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة. تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الباب المزدوج للجناح الشرقي لتسير من خلفه السيدة صفاء الكيلاني بكامل وقارها الأرستقراطي.و بجانبها.. كان يخطو هو.فارس الكيلاني.كان يرتدي حُلّته السوداء الصارمة، و معطفه الفاخر يتمايل مع خطواته العسكرية الحازمة المعهودة.كان الجمود و البرود يغلف جسده الفارع و عريض المنكبين، و عيناه الصقريتان القاتمتان تنظران إلى الأوراق التي يحملها بآلية.حولهم.. كان عدد من الخدم يتحركون بصمت مطبق لإرضاء العائلة الكبيرة.تصلب جسد ليان النحيل، و توقفت يدها فوق الكريستال، لكنها استجمعت وعيها الحديدي فوراً.انحنت برأسها الصغير باحترام شديد وأدب جمّ، و تنحت جانباً لتفسح لهما الممر كما تفعل الخادمات المطيعات.في تلك الثانية القاتلة.. رفع فارس رأسه ببطء.التقطت عيناه نظراتها الواسعة.تبادلا معاً نظرة صامتة، حادة، و عميقة خنقت الأكسجين في أروقة آشبورن الفسيحة.هي كانت تتعامل بأدب خادمة نكرة لا قيمة لها أمام والدته.و هو كان يتعامل بجفاف سيد بارد و جاحد لا يرى من هم دونه في المنزلة.لكن.. خلف تلك الأقنعة الزجاجية الباردة، كانت عيونهما تشتعل ب لهيب أسرار الليل الحارقة؛ لهيب الفراش الوثير، و الاعترافات الصادقة، والدفء الحميمي الذي جمع جسديهما قبل ساعات خلف الأبواب الموصدة.أدار فارس وجهه ببرود مذهل و تابع سيره، بينما أطلقت ليان أنفاسها المحبوسة ب صعوبة، مدركة عمق اللعبة التي تمارسها --- لكن ذلك المشهد الصامت لم يمر دون أن يلاحظه أحد. في نهاية الممر، كانت سهيلة تحمل سلة من المناشف النظيفة في طريقها إلى غرف الضيوف. توقفت خطواتها دون وعي عندما رأت ليان. في البداية لم يكن الأمر سوى فضول عابر. لكن شيئًا ما لفت انتباهها. ليان لم تعد كما كانت حين وصلت إلى القصر. لم تعد تلك الفتاة المرتبكة التي تخفض رأسها كلما تحدث إليها أحد. لم تعد تقف و كأنها تنتظر توبيخًا في أي لحظة. كان هناك شيء مختلف. شيء صغير يصعب وصفه. طريقة وقوفها. هدوء نظراتها. الثقة الخفيفة التي ظهرت في حركاتها. و كأنها تحمل سرًا لا يعرفه أحد. ضاقت عينا سهيلة قليلًا. ثم انتقلت نظراتها إلى فارس الذي مر بجوارها قبل لحظات. لم يحدث بينهما شيء واضح. لم يتحدثا. و لم يتبادلا سوى نظرات قصيرة. لكن سهيلة شعرت أن هناك أمرًا غريبًا. فمنذ متى يهتم السيد فارس بوجود خادمة من الأساس؟ و منذ متى يلتفت إليها أكثر من مرة؟ عضت سهيلة شفتها بضيق. كانت تكره الاعتراف بذلك حتى لنفسها. لكن الغيرة كانت تلتهمها. ليان كانت أجمل منها بكثير. و ربما كانت أذكى منها. رفضت سهيله الاعتراف بذلك ومع ذلك كانت ليان دائمًا محط أنظار الجميع منذ وصولها للقصر السيدة صفاء تعاملها بلطف. السيد يزيد يدافع عنها. و حتى الآن... بدأت تشعر أن السيد فارس نفسه يراقبها بطريقة مختلفة. خفضت سهيلة عينيها نحو الأرض و هي تضغط على حافة السلة بقوة. ثم تمتمت لنفسها: — لا بد أن هناك شيئًا لا أعرفه. نظرت مرة أخرى إلى ليان. كانت الفتاة منهمكة في عملها و كأن شيئًا لم يحدث.لكن تعلو علي وجهها ابتسامه وتنظر بعيدا كأنها في عالم اخر و هذا لم يطمئن سهيلة. بل جعل فضولها أكبر. فالأسرار الكبيرة و الفضائح دائمًا يسبقها هذا النوع من الهدوء. استدارت أخيرًا و أكملت طريقها في الممر. لكنها لم تنسَ ما رأته. و لا ذلك الشعور المزعج الذي استقر في صدرها. شعور يخبرها أن ليان تخفي شيئًا. وشعور آخر أكثر إزعاجًا... يخبرها أنها عليه ان تكتشفه يومًا ما ربما يومها ستجبرها علي الرحيل ضاقت عينا سهيلة بغلّ وحقد أسود أكل جوفها من الغيرة القاتلة.تذكرت كيف صَفعت ليان كبرياءها في المطبخ أمام الجميع من ايام ضاقت عيناها و قالت أقسم أنني سأراقب ظلكِ خطوة بخطوة، و نظرة بنظرة، ساكون ك ظلك حتى أهدم هذا القناع الزجاجي فوق رأسكِ وأقذف بكِ إلى المزابل مجدداً.ابتعدت سهيلة في الظلال لتبدأ بمراقبتها ب جشع أكبرانفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه
عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب
داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات
انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ
استقرت عربة آل الكيلاني الفاخرة في عتمة الزقاق المقابل لمنزل زينة.كانت الفوانيس الزيتية بالشارع تكاد تنطفئ.و الضباب يلتف حول العجلات الحديدية كأنه كفن رمادي.في داخل العربه كان فارس الكيلاني يجلس في عمق المقعد المخملي الداكن.كان متخفياً وراء الزجاج الأسود.و عيناه الصقريتان تراقبان البوابة الخشبية بثبات مرعب لا يلين.كان الغضب في صدره يغلي كالحمم البركانية.غضبٌ غدته الغيرة العمياء التي لم يعهدها في نفسه قط.و الشَّك المرير الذي بات يأكل عقله و روحه طوال الساعات الماضية.تذكر كلمات عوض في نادي النبلاء.تذكر ضحكات فهد الشامتة اللعينة.كل حرف نطقوا به كان يغرس خنجراً من النار في كبريائه.انفتحت البوابة الخشبية و أخيراً.و خطت ليان إلى الخارج بحذر شديد.تتلمس الطريق و تلتفت برأسها الصغير خوفاً من أشباح الأزقة و من جابر .لم تكد تخطو خطوتين في الهواء البارد حتى اعترض طريقها كرم.ظهر المعاون من بين الظلال كأنه قدر محتوم لعنه نفسها للمره الالف في هذا اليوم ما هذا الحظ و بنبرة جافة، حازمة، و آمرة أشار نحو باب العربة المفتوح:— اصعدي فوراً يا ليان.. السيد فارس بانتظاركِ في الداخل.انقب
في قاعة نادي النبلاء الفاخرة.كانت الأجواء تفوح برائحة السيجار الفاخر و الوقار الأرستقراطي الجافكان نادي النبلاء يعج بأصوات الموسيقى الخافتة و أحاديث التجارة و السياسة.جلس فارس الكيلاني في ركنه المعتاد مع رائد خلف طاوله خشبيه داكنه امامهم ملفات و عقود و اوراق كان النقاش جاداً و مركزاً.فجأة.. انقطع حبل الحديث التجاري الهادئ.تقدم فهد نحو الطاولة بخطوات لزجة، و بجانبه كان الشاب عوض كان فهد يحمل ابتسامة خبيثة و ساخرة تعلو وجهه الماكر.تبادل فارس و رائد نظرة سريعة.منذ حادثة الريف لم تعد الأمور كما كانت.لم يطردا فهد صراحة من دائرتهم.لكن وجوده بينهم أصبح بارداً و ثقيلاً.اقترب فهد مبتسماً ابتسامة مستفزة.ثم ربت على كتف عوض قائلاً:— أخبرهما بما أخبرتني به قبل قليل.نظر عوض إليهم بحماس واضح.دون أن ينتبه للتوتر الذي خيم على الطاولة.و قال بحماس :—رائد... فارس... لقد رأيت خادمتك الجميلة اليوم.تجمدت ملامح فارس فوراً.اختفى أي أثر للاسترخاء من وجهه.و انعقد فكه بقوة.رفع عينيه ببطء نحو عوض.و قال بصوت منخفض:— ماذا قلت؟ابتسم عوض معتقداً أن الأمر يثير فضولهم فقط و قال بحماس شديد — خادم







