LOGINداخل العربة الفاخرة المظلمة.
كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء. التفتت ليان نحو فارس بتوتر. و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا. عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة .وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة. نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر. خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة، لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته. منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر. أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا. كان يقضي معظم وقته في الحانات الرخيصة. يتشاجر يشرب ويحكي لكل من يقابله كيف سرقته ليان. كيف أهانته وكيف كانت سببًا فيما جرى له. لكن أكثر ما كان يحرقه... أنها نجت... بينما بقي هو غارقًا في الوحل. وفي هذا اليوم... كان يقف قرب الطريق المؤدي إلى قصر الكيلاني. لا لسبب محدد. فقط لأن الكراهية كانت تقوده إلى هناك كلما ضاق صدره. وقف تحت ظل شجرة كبيرة يراقب الأسوار العالية و البوابة الحديدي الضخمة. ثم بصق على الأرض ساخطًا. كان يختبئ بحذر يستند بجسده المصاب إلى جدار حجري متهالك.ملامحه مشوهة، و عينه المتورمة تلمع بحقد أعمى.طوال الأيام الماضية، لم يتوقف عن مراقبة البوابات.لم يستطع اقتحام القصر بسبب الحراسة المشددة.لكنه قرر دراسة كل حركة دخول و خروج.فجأة، تردد صدى حوافر الخيل في الزقاق.عربة فاخرة سوداء اقتربت بسرعة وئيدة.إنها عربة آل الكيلاني.مرّت العربة من أمام مخبأ سالم، و توجهت للمدخل.انفتحت البوابات الحديدية الضخمة ببطء، لتمر و تختفي.سالم كان يراقب بنظرات جائعة و متربصة.لم يكن يعلم من في داخل العربه ؛ فالنوافذ داكنة.مرّت دقائق ثقيلة، و عاد السكون للمكان مجدداً.و لكن.. انشق الضباب عن طيف مألوف.ظهر جسد نحيل ممشوق يسير بخطوات سريعة.إ ليان.كانت تضم رداءها، و تلتفت برأسها الصغير بحذر و تعلو علي وحهها الجميل ابتسامه صغيره بحذر خطت خطواتها الأخيرة ضاقت عيناه. ثم اتسعتا فجأة. ليان. تجمد في مكانه. كأن أحدهم صب الماء البارد فوق رأسه. كانت هي. بلا شك. تسير وحدها. هادئة و تبدو سعيدة و كأن شيئًا لم يحدث. و كأنها لم تترك خلفها حطامه. شعر بالدم يغلي في عروقه. تحرك خطوة للأمام. ثم توقف. كانت قريبة من البوابة الآن. قريبة جدًا. و لو صرخ... أو ركض نحوها... فسيراه الحراس فورًا. و لن يخرج حيًا من هناك. لذلك اكتفى بالمراقبة. و هو يضغط على فكيه بقوة حتى كاد يحطم أسنانه. أما ليان... فلم تكن تعلم شيئًا. لم تلتفت خلفها. و لم تر العيون التي تراقبها من بعيد. كل ما كانت تفكر فيه هو العودة قبل أن تلاحظ أمينة تأخرها. وصلت إلى البوابة. تبادل الحراس معها التحية. ثم فُتح الباب الحديدي الضخم. و دخلت. و اختفت خلف الأسوار. .ابتسم سالم ابتسامة خبيثة أظهرت أسنانه المشقوقة:— أيتها الأفعى.. تخرجين ليلاً و تعودين في الفجر. الي اين تذهبين ساعرف حتما ساعرف — ظننتِ أنكِ في أمان خلف هذه الأسوار؟— لقد كشفتُ سركِ اللعين، و قد اقترب وقت الحساب يا ليان بحلول المساء، كان سالم يجلس في خمارة قذرة.أمام طاولة خشبية مهتزة، كان يجلس جابر مراد.والد ليان كان مخموراً، وعيناه تفيضان بالحقد.ضرب جابر الطاولة بقبضته، وصاح بصوت أجش:— أين هي؟ ألم تقل أنك ستعود بها ؟اقترب سالم منه، و هبط بصوته كفحيح الأفاعي:— لقد رأيتها يا جابر.. رأيتها بعيني الفجر.— الفتاة تخرج من القصر نهارا .— تذهب لمكان مجهول، و تعود متسللة مع الفجر. اتسعت عينا جابر السكير بطمع و جشع مخيف:— و ماذا ننتظر إذن؟ ماذا سنفعل قال سالم، وعيناه تلمعان بشر:— القصر محصن، و الاقتراب منه يعني هلاكنا تماماً. عاد ل سالم ابتسامته و لكن هذه المره كانت اكثر ظلمه و اشد قسوه قال بنبره حاده — خطتنا ستكون أذكى بكثير.. سننصب لها كميناً.— في يوم راحتها القادم،ستضطر للخروج يوما ما سننتظرها خارج البوابة.— بمجرد أن تخطو خارج الأسوار، سننقض عليها.— ، و ستصبح ملكي، و ينتهي أمرها.قبض جابر على زجاجة خمره، و ضحك بموافقة:— اتفقنا يا سالم.. لينتهِ هذا الانتظار اللعين. انتهى الاجتماع الشيطاني، و وُلد الكمين المرعب.بينما كانت ليان بالداخل تظن أن أزمتها انفرجت..كان الخطر الخارجي يضيق الخناق حول عنقهاانفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه
عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب
داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات
انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ
استقرت عربة آل الكيلاني الفاخرة في عتمة الزقاق المقابل لمنزل زينة.كانت الفوانيس الزيتية بالشارع تكاد تنطفئ.و الضباب يلتف حول العجلات الحديدية كأنه كفن رمادي.في داخل العربه كان فارس الكيلاني يجلس في عمق المقعد المخملي الداكن.كان متخفياً وراء الزجاج الأسود.و عيناه الصقريتان تراقبان البوابة الخشبية بثبات مرعب لا يلين.كان الغضب في صدره يغلي كالحمم البركانية.غضبٌ غدته الغيرة العمياء التي لم يعهدها في نفسه قط.و الشَّك المرير الذي بات يأكل عقله و روحه طوال الساعات الماضية.تذكر كلمات عوض في نادي النبلاء.تذكر ضحكات فهد الشامتة اللعينة.كل حرف نطقوا به كان يغرس خنجراً من النار في كبريائه.انفتحت البوابة الخشبية و أخيراً.و خطت ليان إلى الخارج بحذر شديد.تتلمس الطريق و تلتفت برأسها الصغير خوفاً من أشباح الأزقة و من جابر .لم تكد تخطو خطوتين في الهواء البارد حتى اعترض طريقها كرم.ظهر المعاون من بين الظلال كأنه قدر محتوم لعنه نفسها للمره الالف في هذا اليوم ما هذا الحظ و بنبرة جافة، حازمة، و آمرة أشار نحو باب العربة المفتوح:— اصعدي فوراً يا ليان.. السيد فارس بانتظاركِ في الداخل.انقب
في قاعة نادي النبلاء الفاخرة.كانت الأجواء تفوح برائحة السيجار الفاخر و الوقار الأرستقراطي الجافكان نادي النبلاء يعج بأصوات الموسيقى الخافتة و أحاديث التجارة و السياسة.جلس فارس الكيلاني في ركنه المعتاد مع رائد خلف طاوله خشبيه داكنه امامهم ملفات و عقود و اوراق كان النقاش جاداً و مركزاً.فجأة.. انقطع حبل الحديث التجاري الهادئ.تقدم فهد نحو الطاولة بخطوات لزجة، و بجانبه كان الشاب عوض كان فهد يحمل ابتسامة خبيثة و ساخرة تعلو وجهه الماكر.تبادل فارس و رائد نظرة سريعة.منذ حادثة الريف لم تعد الأمور كما كانت.لم يطردا فهد صراحة من دائرتهم.لكن وجوده بينهم أصبح بارداً و ثقيلاً.اقترب فهد مبتسماً ابتسامة مستفزة.ثم ربت على كتف عوض قائلاً:— أخبرهما بما أخبرتني به قبل قليل.نظر عوض إليهم بحماس واضح.دون أن ينتبه للتوتر الذي خيم على الطاولة.و قال بحماس :—رائد... فارس... لقد رأيت خادمتك الجميلة اليوم.تجمدت ملامح فارس فوراً.اختفى أي أثر للاسترخاء من وجهه.و انعقد فكه بقوة.رفع عينيه ببطء نحو عوض.و قال بصوت منخفض:— ماذا قلت؟ابتسم عوض معتقداً أن الأمر يثير فضولهم فقط و قال بحماس شديد — خادم







