ログインالاسم الذي لم يكتبه كاي :
لم تكن تلك الليلة عادية بالنسبة لألين، فمنذ اللحظة التي خرجت فيها من منزل كاي وهي تشعر أن حياتها تغيرت بطريقة لم تكن مستعدة لها. قبل ساعات قليلة فقط كانت تجلس في استوديو التصوير الخاص بها، تفكر في جلسة التصوير القادمة والمشاريع التي تعمل عليها، وكانت أكبر مشاكلها اختيار الزاوية المناسبة للصورة أو التعامل مع مواعيد العملاء، لكن الآن أصبحت تحمل سرًا لا تعرف كيف تتعامل معه، سرًا وضع اسمها في كتاب يحتوي على نهايات أشخاص لم يعد لهم وجود. جلست ألين أمام شاشة الحاسوب في منزلها، والساعة تجاوزت منتصف الليل، لكن النوم كان بعيدًا عنها. كانت الصور التي التقطتها للكتاب مفتوحة أمامها، تكبر صفحة وتغلق أخرى، تعود إلى أسماء الأشخاص الذين قرأت عنهم وتحاول أن تجد أي شيء يربط بينهم. كانت تريد أن تثبت لنفسها أن هناك تفسيرًا منطقيًا لكل ما يحدث، أن الكتاب مجرد خدعة غريبة، أو أن هناك شخصًا يحاول إخافتها، لكنها كلما بحثت أكثر كانت الحقيقة تصبح أكثر رعبًا. كل اسم موجود في الكتاب كان حقيقيًا. كل شخص كانت نهايته مكتوبة حدث له بالفعل. في البداية ظنت أن الأمر مجرد مصادفة، لكن المصادفات لا تكتب التفاصيل بهذه الدقة. كانت تتذكر إحدى الصفحات التي قرأتها، اسم ممثل معروف، ثم تفاصيل عن آخر أيامه، الأشياء التي حدثت قبل وفاته، والطريقة التي انتهت بها قصته. بحثت عنه في الإنترنت، ووجدت أن كل شيء مطابق لما كتب في الكتاب. وضعت ألين يدها على فمها وهي تحدق في الشاشة. "مستحيل..." قالتها بصوت منخفض، وكأنها تحاول إقناع نفسها أكثر من كونها تتحدث. لكن الشيء الذي لم تستطع تجاوزه كان الصفحة الأخيرة. صفحتها. اسمها. لماذا هي؟ لماذا كتب شخص اسمها في كتاب كهذا؟ --- في صباح اليوم التالي، لم تستطع ألين الانتظار أكثر. أمسكت هاتفها واتصلت بكاي. استغرق الرد عدة ثوانٍ، لكنها شعرت وكأنها انتظرت دقائق. "ألين." كان صوته هادئًا، لكنه لم يكن طبيعيًا. كان هناك تعب واضح في نبرته، كأنه لم ينم هو الآخر. قالت مباشرة: "أحتاج أن أقابلك." ساد صمت قصير. ثم سألها: "هل حدث شيء؟" نظرت إلى صورة الرسالة الموجودة على هاتفها. "نعم." لم يسألها أين أو متى. فقط قال: "سأرسل لك العنوان." بعد نصف ساعة كانت تجلس معه في مكان هادئ بعيد عن أعين الناس. لم يكن منزل كاي هذه المرة، ولم يكن هناك مكتب أو كتاب بينهما. فقط طاولة صغيرة وصمت طويل. أخرجت ألين هاتفها ووضعت الصورة أمامه. تغير وجه كاي بمجرد أن رأى الصورة. لم يكن التغير كبيرًا، لكنه كان واضحًا لشخص يعرفه جيدًا. قالت: "تعرف هذه المرأة." لم يرد. قالت مرة أخرى: "إنها والدتك، أليس كذلك؟" رفع عينيه إليها. "من أرسل لك هذا؟" لاحظت ألين أنه لم يسأل لماذا أرسلوها، بل سأل من فعل ذلك. قالت: "لا أعرف. وصلتني الرسالة فقط." بقي كاي صامتًا. كانت ألين تراقبه، تحاول قراءة تعابيره كما تفعل مع الأشخاص أمام الكاميرا. كان هناك خوف، لكن ليس خوف شخص انكشف أمره. كان خوف شخص يعرف أن شيئًا سيئًا قد يحدث. قالت: "كاي، أنا بحاجة إلى إجابات." مرر يده على وجهه بتوتر. "ألين..." قاطعت كلامه: "لا تقل لي ابتعدي فقط. لقد حاولت أن أفهم، بحثت عن الأسماء الموجودة في الكتاب، وكل شيء مكتوب هناك حدث فعلًا." رفع نظره إليها. "كنت أعرف أنك ستبحثين." توقفت. "كنت تعرف؟" أجاب بهدوء: "لأنك لست من الأشخاص الذين يتركون سؤالًا بدون إجابة." رغم خوفها، شعرت للحظة أنه يعرفها أكثر مما توقعت. لكنها عادت إلى السؤال الأساسي. "من هم؟" لم يجب. "من هي المنظمة التي تحدثت عنها؟" خفض كاي نظره. "كلما عرفتِ أكثر، أصبحتِ أقرب للخطر." قالت بغضب: "أنا بالفعل في الخطر يا كاي. اسمي موجود في كتابك." عندما قالت كلمة "كتابك" تغير وجهه. قال بسرعة: "ليس كتابي." نظرت إليه. "لكنك قلت إنك تكتب فيه." صمت. كانت تلك أصعب نقطة بالنسبة له. قال بعد لحظات: "أنا أكتب ما يريدونه مني، لكنني لم أختر هذه اللعبة." نظرت ألين إليه طويلًا. لأول مرة بدأت ترى الصراع داخله بوضوح. لم يكن رجلًا مرتاحًا بما يفعله. كان رجلًا يحمل شيئًا أثقل منه. --- بعد انتهاء اللقاء، قررت ألين ألا تخبر كاي بكل شيء. لم تخبره أنها احتفظت بنسخة من الصور. ولم تخبره أنها لاحظت العلامة الموجودة بجانب بعض الأسماء. كانت تريد أن تعرف الحقيقة بنفسها. عادت إلى منزلها وفتحت الصور مرة أخرى. بدأت تقارن بين الصفحات، تبحث عن أي اختلاف. وبعد وقت طويل، وجدت شيئًا. كل الأشخاص الموجودين في الكتاب كان بجانب أسمائهم وصف عن نهايتهم. لكن اسمها كان مختلفًا. لم يكن هناك وصف. لم تكن هناك تفاصيل. فقط: ألين وتحتها: النهاية. شعرت بقشعريرة. لماذا لم تُكتب الطريقة؟ هل لأن الأمر لم يحدث بعد؟ أم لأن الشخص الذي كتبها ينتظر شيئًا؟ --- في نفس الوقت، كان كاي في منزله يقف أمام الدرج الذي أخفى فيه الكتاب. أخرجه ببطء. لم يكن يريد فتحه، لكنه لم يستطع منع نفسه. جلس وبدأ يقلب الصفحات. مر على أسماء الأشخاص الذين يعرف مصيرهم. ثم وصل إلى الصفحة الأخيرة. صفحة ألين. ظل ينظر إليها طويلًا. ثم فتح درجًا صغيرًا بجانب مكتبه وأخرج ورقة قديمة. كانت ورقة تحمل نفس رمز الكتاب. نظر إليها، ثم إلى اسم ألين. ولأول مرة منذ سنوات، ظهر على وجهه شيء لم يظهر أمام أحد. الارتباك. لأن هناك حقيقة واحدة لم يفهمها حتى الآن. هو لم يكتب اسم ألين. --- في اليوم التالي، كانت ألين خارجة من منزلها عندما شعرت بشيء غريب. ذلك الإحساس الذي يأتي عندما تشعر أن أحدًا يراقبك. نظرت حولها. الشارع كان طبيعيًا. الناس يمشون. السيارات تمر. لكنها لم تستطع التخلص من الشعور. عندما وصلت إلى سيارتها، وجدت شيئًا موضوعًا على الزجاج الأمامي. ظرفًا صغيرًا. نظرت حولها قبل أن تفتحه. في الداخل كانت هناك صورة. صورة لها. لكنها لم تكن صورة عادية. كانت مأخوذة من بعيد. شخص ما كان يراقبها. قلبت الصورة. وفي الخلف كانت هناك جملة مكتوبة: "بعض القصص لا تبدأ عندما تُكتب... بل عندما يقرأها الشخص الخطأ." رفعت ألين رأسها ببطء. وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا واحدًا. هي لم تعد تبحث عن سر الكتاب فقط. الكتاب بدأ يبحث عنهامراقب المنظمةلم تكن الغرفة قد تغيّرت كثيرًا منذ اللحظة التي اجتمع فيها الأربعة حول الطاولة، لكن شيئًا في داخلها كان قد تغيّر بالفعل. لم تعد الأوراق المبعثرة أمامهم مجرد أدلة منفصلة، ولم يعد الدفتر الذي وضعه كاي بينهم مجرد الشيء الغامض الذي يطارده منذ بدأ كل شيء. صار لكل ورقة مكان محتمل داخل صورة أكبر، وصار لكل اسم احتمال أن يقود إلى اسم آخر، وكل تاريخ يمكن أن يخفي وراءه حدثًا لم يفهموه بعد.جلس كاي إلى جوار ألين، بينما جلس محمد عبد العزيز في الجهة المقابلة، وبقي أدريان واقفًا للحظات أمام الطاولة قبل أن يسحب الكرسي ويجلس. كان واضحًا أنه لم يعتد الجلوس مع أربعة أشخاص لمناقشة شيء كان طوال سنوات يحاول أن يخفيه عن العالم. وضع الملف أمامه، ثم بقيت يده فوقه دون أن يفتحه.قال محمد بهدوء: «قبل أن نبدأ، أريد أن أعرف شيئًا واضحًا.»رفع أدريان عينيه إليه.«ما طبيعة عملك داخل المنظمة؟»لم يجب أدريان مباشرة. نظر إلى كاي، ثم إلى ألين، ثم عاد بنظره إلى محمد.قال: «كنت مراقبًا.»كرر محمد: «مراقبًا؟»«نعم. لكن الكلمة أبسط من الحقيقة.»قال محمد: «إذن اشرح لنا الحقيقة.»فتح أدريان الملف أخيرًا، وأخرج من
أثر لا يزال حيًّالم يكن ظهور أدريان في نهاية الليلة السابقة يشبه أي شيء توقعه كاي أو ألين، فبعد أسابيع طويلة من البحث، وبعد أن أصبح اسمه مرتبطًا بكل خيط غامض ظهر أمامهما منذ بداية القضية، كانا يتوقعان أن العثور عليه سيكون بداية لسلسلة طويلة من الأسئلة، وربما مطاردة جديدة، وربما حتى خيبة أمل إذا وجداه وقد قرر أن يختفي إلى الأبد، لكنهما لم يتوقعا أن يقفا أمامه فعلًا، وأن يسمعا منه اسمه بصوته، وكأن الرجل الذي ظل مجرد أثر في الأوراق والصور والحديث المتقطع أصبح فجأة حقيقة تقف أمامهما. ولم يكن كاي وحده من كان يحاول استيعاب الأمر، فألين بقيت صامتة للحظات، تنظر إلى أدريان بحذر شديد، بينما كان محمد عبد العزيز يقف إلى جوارها، يراقب الرجل دون أن يظهر على وجهه مقدار المفاجأة التي شعر بها في داخله.كان المكان هادئًا بصورة جعلت الصمت أثقل من الكلام، والهواء البارد يتسلل من النافذة القديمة إلى الغرفة التي وجدوا فيها أدريان، بينما بقيت آثار السنوات واضحة على الجدران والأثاث البسيط. أدريان لم يتحرك من مكانه، ولم يحاول أن يقترب منهم، بل ترك بينهم مسافة واضحة، وكأنه يعرف جيدًا أن أربعة أشخاص لا يعرفون
الاسم الذي بقي خلف الصورةلم يكن كاي قد نام أكثر من ساعات قليلة منذ الليلة السابقة، ومع ذلك كان مستيقظًا قبل أن تشرق الشمس تمامًا. بقي مستلقيًا للحظات، يحدق في السقف دون أن يحاول العودة إلى النوم، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسه بطريقة لم يعد قادرًا على إيقافها. منذ أن خرجوا من الدائرة الأولى للأحداث، لم يعد الماضي بالنسبة إليه مجرد شيء حدث وانتهى، بل أصبح أشبه بظل طويل يمتد خلفهم أينما ذهبوا. كلما ظن أنه اقترب من نهايته، ظهر أمامه باب جديد، وخلف كل باب اسم أو صورة أو عنوان أو شخص كان موجودًا في مكان ما من القصة قبل أن يعرف كاي حتى أنه جزء منها. مد يده إلى هاتفه، نظر إلى الوقت، ثم جلس على حافة السرير. كان الهدوء في المنزل غريبًا، فالمدينة في الخارج بدأت تستعيد صوتها تدريجيًا، والسيارات تمر في الشوارع، والناس يخرجون إلى أعمالهم، لكن داخل المنزل كان كل شيء ساكنًا، وكأن المكان نفسه ينتظر شيئًا. التفت كاي نحو ألين، فوجدها نائمة على الأريكة القريبة من النافذة، وقد بقيت بعض الأوراق مبعثرة حولها بعد أن غلبها التعب في وقت متأخر من الليل. لم يوقظها مباشرة. اقترب منها، جمع الأوراق التي كانت ع
الذين لعبت بهم المنظمةبقيت النقطة المضيئة على الخريطة أمام عيني كاي لوقت أطول مما ينبغي، وكأنها لم تكن مجرد علامة تشير إلى مدينة أخرى، بل كانت إصبعًا خفيًا يمتد من مكان مجهول ليشير إليه مباشرة. كانت الغرفة هادئة، والضوء المنبعث من الشاشة ينعكس على وجهيهما، بينما بقيت ألين واقفة إلى جواره، تحدق في الخريطة التي لم تعد بالنسبة إليها مجرد مجموعة من المدن المتباعدة. باريس، دبي، القاهرة، نيروبي، جوهانسبرغ، الخرطوم، والمدينة الجديدة التي لم يعرفا بعد لماذا ظهرت في تلك اللحظة تحديدًا؛ كلها بدت كقطع متناثرة من صورة واحدة، صورة لم يكن أحد منهما قادرًا على رؤية حدودها كاملة.قالت ألين بصوت منخفض:— هل تعتقد أن هذه النقطة مرتبطة بالملف؟لم يجب كاي فورًا. مد يده وأعاد تكبير الخريطة، ثم راقب العلامة الجديدة وهي تتوسط مساحة صغيرة على الشاشة. كان عقله لا يزال عالقًا عند الكلمات الأخيرة التي تركها محمد عبد العزيز قبل أن يفارقهم، وعند الطريقة التي تحدث بها الرجل وكأنه يعرف أكثر بكثير مما سمح لهما بمعرفته. لم يكن كاي يثق به بصورة كاملة، لكنه لم يعد قادرًا على اعتباره مجرد شخص مجهول ظهر من العدم ليزيد ا
لم يكن الطريق إلى العودة يشبه الطريق الذي سلكه كاي وألين في بداية ذلك اليوم. كانت الشوارع نفسها، والمباني نفسها، والمدينة تواصل حركتها المعتادة دون أن تعرف أن شخصين يسيران فيها وهما يحملان الآن جزءًا من حقيقة أكبر بكثير مما توقعاه. كان كاي يقود بصمت، وعيناه ثابتتان على الطريق، بينما كانت ألين تجلس إلى جواره، وقد وضعت يديها فوق حقيبتها، كأنها تحاول أن تمنع أفكارها من التبعثر معها.لم يتحدث أيٌّ منهما خلال الدقائق الأولى.كان محمد عبد العزيز قد ترك وراءه من الأسئلة أكثر مما ترك من الإجابات، وربما كان ذلك مقصودًا. لم يكن الرجل يتحدث كمن يحاول إقناعهما بشيء، بل كمن يعرف أن بعض الحقائق إذا قيلت كاملة في وقت واحد تصبح أخطر من أن تُفهم. كان يعطيهما قطعة، ثم يتوقف. يترك فراغًا، وينتظر منهما أن يملآه بأنفسهما.قالت ألين أخيرًا، دون أن تنظر إليه:— أنت صامت منذ خرجنا.أجاب كاي:— أحاول أن أرتب ما قاله محمد.— وأنا أحاول الشيء نفسه.صمت قليلًا، ثم قال:— هل تصدقينه؟نظرت إليه.— لا أظن أن السؤال هو إن كنت أصدقه أم لا.— إذن ما السؤال؟— السؤال هو: كم جزءًا مما قاله كان يعرفه فعلًا، وكم جزءًا منه
كان الليل قد استقر فوق المدينة حين انتهت الرسالة الأخيرة، ولم يبقَ في الغرفة سوى ضوء المصباح الصغير المنعكس على حافة الطاولة، وعلى الهاتف الذي ظل مفتوحًا أمام الرجل الجالس في الطرف الآخر منها. لم يتحرك طويلًا. بقي يقرأ السطر الأخير مرة بعد أخرى، وكأن الكلمات القليلة التي ظهرت على الشاشة لم تكن مجرد رسالة، بل بابًا فُتح فجأة على شيء أكبر بكثير مما كان مستعدًا لمواجهته.رفع عينيه عن الهاتف، ونظر إلى الرجل الجالس أمامه.كان الآخر قد ظل صامتًا طوال الدقائق الماضية، يراقبه دون أن يسأله عن مضمون الرسالة. لم يكن بحاجة إلى السؤال؛ فقد كان يعرف أن الصمت في مثل هذه اللحظات أكثر فائدة من الفضول.قال الرجل الجالس أمامه أخيرًا:— إذن وصلت.أومأ الآخر ببطء.— وصلت.— وهل أجاب؟نظر إلى الهاتف مرة أخرى.— نعم.ساد الصمت.ثم قال الرجل:— ماذا قال؟تردد قليلًا قبل أن يجيبه:— يريد أن يعرف من أرسل الرسالة.رفع الرجل حاجبه.— وهذا متوقع.— وهناك شيء آخر.— ما هو؟أطفأ شاشة الهاتف ووضعه على الطاولة.— لن يأتي وحده.لم تتغير ملامح الرجل كثيرًا، لكنه أسند ظهره إلى الكرسي، ثم قال بهدوء:— هل هذا يزعجك؟— لا.







