Mag-log inعند سيليا، كانت أنغام الموسيقى الصاخبة تملأ أركان المطبخ، ممتزجة بصوت حركتها وهي تتنقل بخفة بين الأواني وتعد الطعام بانسجام تام. تماهت مع اللحن لدرجة فصلتها عن العالم الخارجي، فلم تسمع رنين جرس الباب، ولا الخطوات الهادئة التي تسللت لداخل البيت.
وفجأة، انشقت الأرض خلفها عن صوت رجولي عميق ودافئ، داهم سكون خلوتها قائلاً بمرح - لا طلعتي بتعرفي تطبخي أهو يا سيليا.. يعني كده طمنيني، مش هجوع معاكي انتفضت سيليا من مكانها وجفلت صراخاً إثر المفاجأة، والتفتت بحركة سريعة لتجده واقفاً يستند بكتفه على إطار الباب؛ إنه خالد ابن خالتها والمتقدم لخطبتها. تجمدت سيليا في مكانها، واتسعت عيناها بذهول تطلعت به إليه بفم مفتوح وعقل مشلول يحاول استيعاب وجوده المفاجئ في هذا المكان وبتلك الجرأة، كأنما تحولت في ثوانٍ إلى تمثال شمعي لا حراك فيه. لم يستطع خالد كبت قعقعة ضحكاته الرجولية وهو يتأمل هيئتها الطفولية العفوية؛ فقد كانت مصففة شعرها على هيئة ضفيرتين منسدلتين على كتفيها، وترتدي فستاناً منزلياً قصيراً يبرز صغر سنها، وتقف حافية القدمين تماماً بلا حذاء. كانت عيناه تلمعان بإعجاب صريح ودافئ بهذه اللوحة الفطرية التي لم تتجمل له. تحت تأثير نظراته الفاحصة، خفضت سيليا بصرها بآلية لتلقي نظرة على نفسها، وفي تلك اللحظة الصاعقة، استوعبت حقيقة الهيئة المتحررة والطفولية التي تظهر بها أمامه. اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل الفاضحة، ودون أن تنطق بحرف واحد، دارت حول نفسها وفرت هاربة بأقصى سرعتها نحو غرفتها، بينما كانت ضحكاته الرجولية الواثقة تلاحق خطوتها المتعجلة، لتدق في صدرها دقات غريبة لم تعهدها من قبل. ✨✨✨✨✨✨✨ في زاوية منعزلة من تلك الحديقة الغناء، حيث تتوارى المقاعد الخشبية خلف ستر من الشجيرات المتشابكة، كان الوقت يبدو وكأنه استقر في نقطة خارج الزمن. جلس أحمد بزيّه العسكري المهيب، الذي يضفي على قامته صرامة ورجولة طاغية، وبجواره كانت تجلس "نور"؛ تلك الفتاة التي أقل ما يقال عنها أنها قطعة غُزلت من خيوط البراءة والنقاء. كانت تحيط بهما هالات غير مرئية من العشق الخالص، تمازجت بعطر الزهور الفواح الذي يملأ الأرجاء، وبات الفضاء من حولهما دافئاً بفعل أنفاسهما القريبة الملتهبة. أطبق أحمد كفه القوية الحانية على كفها الصغير، يخلل أصابعه بين أصابعها كمن يغلق قفلاً للأبد. ظل الإثنان يتطلعان إلى الأفق، صامتين، وكأن الكلمات في حضرة هذا القرب تفقد معناها، فالصمت بين عاشقين هو أبلغ اللغات. بلطف، مالت نور برأسها لتستند على كتفه العريض، ذلك المرفأ الآمن الذي يقيها تقلبات الدنيا. وبحركة تلقائية مشحونة بالرغبة في الحماية، رفع أحمد ذراعه ليحيط كتفيها ويضمها إلى صدره، ليصبحا كجسد واحد لا تفصل بينهما سوى نبضات قلبيهما المتسارعة وأصوات أنفاسهما العاشقة التي تعزف لحناً سرياً في السكون. رفعت نور رأسها ببطء، وتطلعت إلى ملامحه الرجولية الحادة بدموع متحجرة في مآقيها، كانت عيناها تلمعان ببريق وجداني جارف، وكأنها تحاول في تلك اللحظات الثمينة أن تحفر أدق تفاصيل وجهه في مقلتيها لتستعين بها على وحشة الأيام القادمة. تأمل غدير الدموع في عينيها، فاندفعت في صدره موجة من الحنان الطاغي، وقال بنبرة هادئة يقطر منها العشق - كل مرة يا نور.. كل مرة بكون مسافر فيها مأمورية بتعملي فيا وفي نفسك كده؟ أمسكت بملابسه العسكرية، وشددت من احتضانه كأنها تخشى أن يختفي من بين يديها إن هي أرخت قبضتها، وقالت بصوت متهدج يرتجف من لوعة الفراق - لأنك كل مرة بتروح فيها مأمورية، بتاخد روحي معاك يا أحمد.. إنت ما تعرفش الثواني والدقائق بتعدي عليا إزاي وإنت بعيد عني، البيت بيبقى ضلمة، والدنيا بتفضى من الناس. انحنى أحمد وطبع قبلة عميقة وطويلة على رأسها، بث فيها كل وعود الأمان والعودة، وضغط على جسدها الضئيل يغيبه داخل ضلوعه لفترة، قبل أن يبعدها عن صدره قليلاً محاولاً تخفيف وطأة الشجن؛ التمعت عيناه ببريق مشاكس، وقال بمرح دافئ - طب قولي الحقيقة بقى.. قولي إنك عاوزاني أرجع بسرعة عشان نتجوز ونكتب الكتاب، وخلاص مش قادرة تبعدي عن حضنى مكشوفة على فكرة تطلعت إلى عينيه الضاحكتين، وسرت في أوصالها عدوى مرحه العذب، فقالت بنبرة دلّ غنوج لم تخلُ من الصدق الجارف - وأنكر ليه؟ أيوة مش قادرة.. ده اليوم اللي بتمناه طول عمري يا أحمد، اليوم اللي أصحى فيه الصبح وتكون إنت أول حاجة تلمحها عيوني في الدنيا. تسمرت الكلمات في حلق أحمد، ولم يجد أمام هذا السيل من المشاعر الفطرية ما يفعله سوى أن رفع كفها الصغيرة المرتعشة إلى شفتيه، ليطبع عليها قبلة حارة ونقية. إن عشق نور لم يكن مجرد مشاعر عابرة، بل كان دماءً تجري في عروقه وتنبض بها مضغته لتغذي جسده وروحه. لقد ولد هذا الحب معه منذ أن كانت هي وليدة بين يديه وهو طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره؛ راقب نموها خطوة بخطوة، وحين بلغت الخامسة عشرة من عمرها، انتقلت أسرتها إلى مكان آخر، وظن الجميع أن البعد سيطمس الملامح، لكن القلوب ظلت مترابطة بأوتاد لا تقبل الاقتلاع. قاوم وصبر وتحدى المسافات حتى استطاع أخيراً أن ينال غايته، ويصبح على بعد خطوة واحدة من حلمه؛ فعقد قرانهما وزفافهما مؤجلان بانتظار عودته المظفرة من هذه المأمورية الأخيرة. ✨✨✨😔😔✨ اجتمعت الفتيات الثلاث في غرفتهن المعتادة، فبدت الجلسة كلوحة متناقضة من المشاعر. كانت وتين تجلس في المنتصف، تدير رأسها تارةً نحو ريهام الغارقة في عالم آخر، تطلق التنهيدة تلو الأخرى وعيناها شاردتان في ملامح خفية لا يراها غيرها، وتارةً أخرى نحو سيليا الثائرة، التي كان صدرها يعلو ويهبط من فرط الغيظ والاحتقان. كانت سيليا تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، وهي تهمهم بكلمات غاضبة متلاحقة، تستنكر فيها بحدة مبالغة دلوف "خالد" عليها في المطبخ بتلك الطريقة المباغتة، ناهيك عن كلماته الجريئة والمستهزئة التي وجهها إليها وهي بتلك الهيئة الطفولية. وسط هذا الطوفان من الانفعال، قطعت ريهام صمتها، والتفتت إلى سيليا بعينين يغلفهما سحر الهيام، وقالت بنبرة هادئة ورخوة - في إيه يا سيليا؟ طب ما تديله فرصة وتسمعيه.. يمكن لما تقربي منه تغيري رأيك وتكتشفي إنه حد حنين وتثقي فيه. في تلك اللحظة، توقفت حركة سيليا تماماً، والتفتت نحوها وتين ببطء؛ وتلاقت أعين الفتاتين شاخصتين نحو ريهام بذهول وتعجب عارم وكأنهما تستمعان للغة فضائية.... أحست ريهام بوطأة نظراتهما المستجوبة التي تطالبها بتفسير هذا التحول المفاجئ في موقفها من الرجال، فارتبكت واشتعلت وجنتاها حمرة. ولتتهرب من الحصار، التقطت هاتفها بيد مرتعشة وأخذت تقلب في شاشته بعشوائية وإرتباك فاضح، مدعية الانشغال الشديد. زفرت سيليا بحنق، وجلست بقوة على المقعد لتضرب بكفها على المنضدة الخشبية التي أمامها، وقالت بغيظ يقطر من حروفها - سيبكم من ريهام دلوقتي.. المصيبة مش هنا.... المصيبة إن تيتة مصممة وقالتها قاطعة إن الفرح لازم يبقى آخر الشهر ده انتفضت ريهام ووتين واقفين في نفس اللحظة كمن مستهما نار، وصرختا باعتراض قاطع وعالٍ - لأ طبعاً.... آخر الشهر إزاي؟ مستحيل تأثرت سيليا بردة فعلهما العنيفة، وتسلل الخوف والوجل إلى نبضات قلبها، فظنت أنهما تشعران بالشفقة عليها لسرعة التخلي عن حريتها، وقالت بنبرة يملؤها الحزن والترقب - يعني إنتو كمان شايفين إن كده بسرعة قوي؟ صح.. مش كده؟ تلاقت أعين الفتاتين مجدداً، ثم التفتتا إلى سيليا وهتفتا بصوت واحد وعفوية تامة - فعلاً كده بسرعة.. إحنا كده مش هنلحق نفصل فساتين الفرح والخطوبة بتاعتنا تسمرت سيليا في مكانها لثوانٍ، وتضاعفت شحنة الغيظ في صدرها حتى كادت تنفجر؛ فبينما كانت تبحث عن الدعم النفسي لمواجهة مصيرها، كان كل ما يشغل بال صديقتيها هو مظهر أثوابهما! انتفضت من مقعدها كالبركان، ورفعت وسادة صغيرة وهرعت تركض خلفهما في أرجاء الغرفة تود ضربهما، بينما انطلقت ضحكات وتين وريهام الصاخبة تملأ المكان، لتكسر مؤقتاً جدار الهموم المحيط بهن.تحولت أيام سندس التالية إلى حلقة مفرغة، رتيبة، مملة، وخالية تماماً من أي شغف؛ باتت تتحرك في أرجاء شقتها الواسعة كآلة صماء تُنفذ الأوامر دون روح. وما زاد الطين بلة، هو ذلك الدوار المفاجئ الذي بات يجتاح رأسها في الأيام الأخيرة، ويجعل الدنيا تدور من حولها كلما بذلت أدنى مجهود. التفتت سندس بوجل، وأطلقت تنهيدة ثقيلة يملؤها الأسى عقب سماعها لصوت حركة المفتاح المألوفة في قفل الباب الخارجي؛ لقد وصل جلادها. نهضت بآلية تامة متوجهة نحو المطبخ لتحضير طعام العشاء، وهي تقبض بيدها على حافة المقعد لتحارب ذلك الشعور اللعين بالدوار الذي أخذ يضغط على صدغيها. دلج جمال إلى الداخل بوجهه المتجهم الصارم كالعادة، ألقى بمفاتيحه على المنضدة الخشبية بعنف أحدث جلبة، ثم ألقى بجسده في تعب وضعف بادٍ على مقعده الوثير، فالسن لها أحكامها التي يحاول إخفاءها دائماً بفرض سطوته. تتطلعت إليه سندس بطرف عينها وهي واجفة، واعتصر قلبها حزن مرير على نفسها وعلى ربيع عمرها المستباح مع هذا الكهل المتملّك. دلفت إلى المطبخ وبدأت في إعداد الأطباق بسرعة، ولم يمر سوى دقيقة واحدة حتى تغلغل صوته الجهوري الحاد من الخارج، ليمزق سكون
وقفت وتين في بهو الجامعة الفسيح والحيرة تشل حركتها؛ كانت محاصرة بقرارات شتى وجدول زمن يغلي بالمواعيد المتضاربة. فمن جهة، اقترب موعد محاضرة هامة للغاية لا يمكنها تفويتها، ومن جهة أخرى، كان هاتفها يرتجف في يدها برسائل ملحة من شقيقها تيم، يستحلفها بالذهاب معه الآن لمقابلة مصيرية مع أحد المهندسين، لشرح فكرة ماكيت القاعة المتنقل ومساعدته في رسم خطط تنفيذها. وفي ذات التوقيت، انبثق على الشاشة اتصال من ريهام تخبرها بصوت متهدج أنها تحتاجها فوراً في أمر جلل، تلاه رنين متصل من سيليا التي تبحث عنها بالتأكيد لتبثها هماً جديداً. تطلعت وتين إلى شاشة هاتفها المضيئة بسيل من المكالمات والإشعارات المتلاحقة، وشعرت بضغط رهيب يجعل ألماً حاداً يدب في صدغيها ورأسها. أخذت نفساً عميقاً، وقررت إعمال منطق العقل؛ فرتّبت أفكارها في عقلها ب حسم: ستحضر محاضرتها أولاً، ثم تنطلق مباشرة لدعم أخيها تيم في مقابلته، وفي المساء تهبط لجمع شتات صديقتيها ريهام وسيليا. انقبض صدرها بارتياح وشعرت بالرضا عقب هذا الترتيب الاستراتيجي، واستدارت بسرعة لتتحرك نحو المدرج؛ لكن بهجتها المؤقتة تبددت في جزء من الثانية حين ارتطمت بقوة بج
وسط صخب الاحتفالات، وأجواء عقود القران، والتجمعات العائلية التي تضج بالحياة في كل مكان، كان هناك ركن مظلم بارد لا يلتفت إليه أحد، حيث يجلس أيمن بمفرده. انزوى عن العالم وكأن غيابه لا يُحدث فارقاً، فلم يعد يهتم لوحدته القاتلة إنس، واستسلم لواقعه الجديد حتى أصبحت شاشة حاسوبه وهاتفه هما أصدقاءه الوحيدين، بل وعائلته البديلة التي لا تلومه ولا تنفر منه. لم يعد هناك رنين يكسر صمت هاتفه الموحش، سوى اتصالات متقطعة تأتيه من وتين وأخيها تيم. كانت الوحدة تعتصر قلب أيمن بقسوة كأنها كتلة من حديد تطبق على أنفاسه. إنه يقف الآن في منتصف طريق وعر ومؤلم؛ في برزخ خانق بين ماضٍ يطالبه بمحو ذكريات طفولته بالكامل من ذاكرته تلك الذكريات التي عاشها ولم يعد يستطيع البوح بها أو مجرد التلميح إليها وبين حاضر مجهول لا يستطيع التأقلم معه في حياته الجديدة كذكر. وما زاد الطين بلة والموقف قسوة، هو موقفه داخل بيته؛ فوالده حريص كل الحرص على الصمت التام وعدم التطرق لهذا الأمر نهائياً، بل ويتجنب النظر في عينيه، واصفاً إياه في خلواته وبعينيه القاسيتين بوصمة العار التي حلت بالعائلة. أما والدته، فبالرغم من مضي كل هذه المدة،
ساد صمت ثقيل خانق بين جمال وسندس طوال طريق العودة، صمت كان يسبق العاصفة ولم تبدده سوى تكات الساعة الرتيبة. وما إن دلفا من باب شقتهما وأُغلق خلفهما، حتى تفجر مخزون القهر في صدر سندس؛ التفتت إليه بجسد يرتجف، وجلبت شجاعتها المبعثرة لتعاتبه بنبرة باكية على تصرفاته الفظة، وآخرها ذلك الموقف المهين الذي جردها من كرامتها وسبب لها حرجاً بالستاً أمام صديقاتها وخال سيليا. لكن الكلمات تيبست في حلقها، وتوقفت عن الحديث تماماً عقب رؤية نظرته؛ كانت عيناه جمرتين متقدتين بالشرر، وتحملان وعيداً لا يوحي بخير أبداً. ابتلعت باقي حديثها في جوفها وهي ترتعب من أقصى أعماقها، لتتفاجأ به يتقدم نحوها بخطوات فاحشة القرب، ويصرخ بوجهها بصوت جهوري زلزل أركان الشقة - أنا اللي تصرفاتي غلط يا هانم؟! وإنتي إيه؟ قاعدة تتنططي وتضحكي وتكلمي ده وتسلمي على ده ولا كأن ليكي راجل مالي مركزة... لا ليا قيمة ولا إعتبار في حياتك استمر في صب جام غضبه وهو يلوح بيده بحدة، متذكراً تفاصيل الحفل التي أثارت حنقه - عاجبك قوي المسخرة اللي كانت في الحفلة دي؟ عاوزة واحد مش مكسوف من نفسه ومن قلة رجولته وهو بيبوس إيدها وسط الناس؟ والّا المي
امتلأ البيت عن آخره بالأهل والأقارب، وتعالت أصوات الأغاني والزغاريد في الخارج لتعلن بدء الاحتفال، بينما كانت ريهام تجلس في غرفتها، والتوتر الإيجابي يسيطر على جوارحها، تترك وجهها لوتين التي راحت تضع لها لمسات رقيقة من مساحيق التجميل بحرفية وحب. ما إن انتهت وتين، حتى وقفت ريهام أمام المرآة الكبيرة؛ ولأول مرة منذ وقت طويل، أشرق وجهها بسعادة حقيقية كشفت عن جمالها الأخاذ الذي تضاعف بفضل تلك اللمسات البسيطة. تطلعت ريهام إلى انعكاس صورتها بفرحة غامرة، ودارت حول نفسها وهي تردد بنبرة يملؤها الهيام والشغف - أنا مش مصدقة نفسي يا بنات.. كلها دقائق معدودة وأبقى رسمياً حرم الأستاذ أشرف تبادلت وتين وسيليا نظرات ممتلئة بالدهشة والذهول من هذا الانقلاب الجذري في حال صديقتهما؛ تحولت من النقيض إلى النقيض في لمح البصر! تذكرتاها قبل فترة وجيزة وهي تبكي وتنحب بمرارة، معلنةً رفضها التام لهذه الزيجة وخوفها من قسوة الأب. تساءلت الفتاتان في سرهما... أهذه هي السطوة السحرية لفرحة البدايات؟ أم أن عقولهن لم تصل بعد إلى النضوج الكافي للحكم على تقلبات القلوب؟ أم أن ريهام، بوعي أو بدون وعي، قد وجدت ضالتها ومأمنها ب
دلج حسن إلى داخل أحضان والدته، في عناق طويل طالت مدته حتى بدا وكأنه يعوض به جفاء السنين. كان يشعر بنبضات قلبها الهزيلة المتسارعة تحت صدره، وهي تعانقه بشوق أموي جارف جففت به بحور الغربة. تغلغلت رائحتها المميزة العتيقة إلى أعماق رئتيه، فكانت بمثابة مسكن قوي وفوري لكل تلك الآلام والندوب التي صنعتها قسوة الأيام في بلاد السفر؛ لقد جاءت أنفاس والدته الدافئة لترمم تلك التصدعات الشروخ التي خلفتها الغربة في جدران روحه. تراجع حسن خطوة ليخرج من بين أحضانها، فسارعت العجوز ووضعت وجهه الرجولي بين كفيها المرتعشتين، تتشرب ملامحه بعينين مغرورقتين، وكأنها لا تكتفي بالنظر، بل تحتضن ملامحه وتخبئها بين أهدابها القصيرة. استندت بكامل ثقلها عليه، ليدلفا معاً إلى داخل ردهة الشقة، بينما كانت دموعها الشاخصة تأبى التوقف، لتكون في صمتها أبلغ من آلاف الكلمات والعبارات. ساعدها حسن برفق شديد حتى استقرت في جلستها على الأريكة، وجلس بجوارها، محتضناً كفها الوهن بين كفتيه القويتين، يرفعه إلى شفتيه ليقبله بين الفينة والأخرى بحفاوة بالغة. أخذت والدته ترحب به بنبرة متهدجة، وتسأله بلهفة عن أحواله، وعن زوجته، وأولاده الذين
قرر جمال اليوم أن يضع حداً لهذه الفجوة الجليدية، وأن يقتحم حياة تلك الفتاة لينتزع نظرة الرعب الجاثمة في عينيها. لقد سئم مراقبتها وهي تضع له الطعام بأنامل ترتجف، ثم تفر هاربة كغزال يخشى بندقية الصياد. أراد ليومه هذا أن يحمل صك غفران، وأن يسير في اتجاه مغاير تماماً. دلف من باب الشقة في غير موعده ال
عند سيليا، انشق سكون الشقة على صوت سعال حاد ومزمن، كان يخرج من صدر الجدة وكأنه يمزق أحشاءها. انتفضت سيليا من مكانها بذعر، وركضت نحو المطبخ لتعود بكوب من الماء ترتجف جوانبه، وقدمته لجدتها وهي تمسد على ظهرها بيدين مرتعشتين. جلست سيليا بجوار الفراش، وعيناها تفيضان بالدموع وتوسلت إليها بنبرة مخنوقة -
عند جمال، تبخرت نشوة الانتصار وحلت محلها برودة الخوف؛ كان يقف متسمراً أمام الفراش، وعيناه متسعتان برعب وهو يرى كمية الدماء تزيد وتتدفق بغزارة، بينما وجه سندس يشحب بدرجة ملحوظة، كأن الحياة تتسرب منها قطرة قطرة.وقف أمامها مشلول التفكير، لا يعلم ماذا يفعل، لينتهي به الأمر بانتشال هاتفه بيد ترتجف، متص
عند وتين، كان الصمت يلف أرجاء الغرفة، خرقته نبرة صوت أيمن القادمة عبر مكبر الصوت في الهاتف، بينما جلست وتين بجوار شقيقها الأصغر تيم تتابع الحوار بملامح يكسوها الإحباط.كانوا يتناقشون حول المصير البائس الذي انتهت إليه سندس مؤخراً، وجاء رأي أيمن قاطعاً ومفعماً بالمرارة- سندس مجرد ضحية تانية لعائلتها







