Se connecterومع كل خطوة كان الاقتراب يزداد أكثر، وكأن القدر يسهل له الطريق للقائها، وكلما اقترب من الهدف، زادت الأسئلة التي تدور في رأسه، لماذا اختارت هذا المكان؟ ولماذا هو بالذات؟ هل كانت تعلم أنه سيتبعها إلى هنا؟ أو أن هناك شيء أكبر من ذلك يدور بينهما، شيء يربطهما دون أن يعترف به أي منهما؟
وفي تلك اللحظة بينما كان يقف على حافة الرمال شعر بشيء آخر، شيء يتسلل من بعيد، همسات في الهواء، ربما هي غسق نفسها التي تقترب منه أو ربما كانت الصحراء تخبئ له شيئًا آخر...
تأمل في الأفق مليًا ثم تابع السير في مسار متعرج و عينيه تتسعان بحثًا عن أي علامة، أي خيط يمكن أن يوصله إلى غسق التي لا يزال قلبه يحملها بكل تفاصيلها مجرد لحظات مرّ بها معها في تلك الصحراء الغامضة بالنسبة له كانت كافية ليتعلق بعينيها السوداء التي لم يرى في بريقها أحدٌ من قبل...
***
قبل هذا بقليل..
كانت غسق تجلس في غرفتها العتيقة عيونها تتنقل بين جدرانها المغلقة كما لو كانت تبحث عن شيء غامض لا تستطيع تحديده...
الأجواء حولها كانت خانقة لا صوت سوى همسات الرياح التي تتسلل عبر النوافذ المتهالكة في ذلك المنزل المتهدم القائم وحيدًا في ذلك المكان الذي تجعله مأوى لأصيل، تلك النوافذ المتكسرة تجعل الهواء يطرق الجدران بصوت عميق، الغرفة المظلمة والعازلة أصبحت تُمثل لها سجناً يحبسها في داخلها، في ذكرياتها التي لا تهدأ...
و رغم محاولة قلبها الهروب من ملقاته كانت تلك الذكرى الغريبة تأتيها كأمواج البحر، تزداد قوّة في كل مرة تحاول فيها تجاهلها..
صوته ونظراته بل وقوته وذاك المكان الذي أصبح مع مرور الوقت نقطة التقاء بين العالمين المتضادين، كلها كانت تسحبها لعالمه حيث كانت كل خطوة تقطعها وكل نفس تأخذه يظل محفورًا في كيانها...
نهضت أخيرًا بعينيها اللتين كانتا مُكتئبتين تمامًا مثل سماءٍ غائمة، كان جسدها يتحرك بحركة نصف آلية كما لو أنها تؤدي مهمة لا يمكنها التراجع عنها، خطت إلى الزاوية المظلمة حيث كان يجلس جوارها أصيل، النمر الذي أصبح أكثر من مجرد حيوان في حياتها بل كان يمثل لها جزءًا من قوتها وجزءًا من حريتها، تلك الوحوش الصغيرة التي اختارتها وكأنها تتشارك معها ماضيها المظلم...
حركت كفها على رأسه برفق تربت على قطعة من روحها، اعتلته وهي تدعوه للركض بها متجهةً إلى حيث لا يمكن لأحد أن يراها...
الهواء البارد كان يلف جسدها مع كل خطوة، ورمال الصحراء اللامتناهية كانت تلوح أمامها بلا أفق، بلا نهاية...
شعرت بشيء غريب في صدرها وكأنها كانت تقترب من لقاء شيء لم تكن مستعدة له بعد، وعندما أصبح المكان أكثر هدوءًا وبينما كانت الرياح تعزف لحنها الخافت رأته هناك... شاهين..
واقفًا في صمتٍ تام، يحدق في الأفق البعيد يبحث عن وجهها، لم يكن فقط في المكان بل كان كما لو كان جزءًا من هذه الرمال نفسها، كل شيء في تلك اللحظة كان مزيجًا من الغموض والانجذاب وكأنهما معًا يُشكلان جزئين من كل واحد...
خفق قلب غسق بشدة لكنها حاولت أن تخفي هذه الهمسات التي بدأت تتسرب في أعماقها، لم تعرف إن كانت ستقف أمامه أو تمشي في الاتجاه المعاكس له!
لكن خطواتها كانت تقودها إليه رغمًا عنها كأنها لا تملك خيارًا آخر، النمر الذي كانت يحملها بدأ يتحرك قليلًا ويزوم بصوتٍ مضطرب وهو يُنذر بمشاعر مختلطة، تلك المشاعر التي لا تستطيع السيطرة عليها...
عندما اقتربت منه نزلت من أعلى النمر وأمرته يعود للخلف وقد تداخلت في صدرها آلاف التساؤلات، لكن لسانها بقي مُكتومًا...
شاهين الذي كان لا يزال يبحث عنها حوله شعر بوجودها في الاتجاه المعاكس لعينيه، بينما لحظة تلاقي أنفاسهم مع الهواء الهادئ تكاد تكون مؤلمة، كل شيء كان مشحونًا، والوقت وكأنه قد توقف بينهما...
كان يقف بلا حراك إلا أن كل ذرة في كيانه كانت تقول إنها هنا...
وعندما نظر إليها قابلته عيونها بنظرة تُخفي الكثير، وتحمل في طياتها معركة داخلية لا يمكنه فَهمها...
خطت غسق خطوة أخرى ولكنها توقفت فجأة وقدماها تثقلانها...
كانت تود أن تتركه لكن لم تستطع، كانت الأقدار قد ربطت بينها وبين هذا الرجل بطريقة غريبة وغير مفهومة لها على الاطلاق..
قلبها كان يصرخ بأن عليه أن يعرف شيئًا، شيء قد يغير مجرى كل ما يحدث بينهما ولكنها كانت تأبى أن تسمع لصوت غير قلبها..
نظرت للأرض في صمت ثم همست:
– وش جابك هنا؟
اقترب شاهين منها بخطوات بطيئة، وعينيه مليئة بالترقب ثم سألها:
– من أي عيلة أنتِ؟
لم تلتفت له بل تركت نظرها ينزلق على الأرض، ثم توجهت نحو النمر الذي كان يراقب الموقف، لتداعب شعره برفق وهمست في نفسها وكأنها تحاول إخفاء مشاعرها:
– ما فيه داعي لأسئلة... خليني أمشي، ما لي حاجة هنا.
تبدلت ملامح شاهين إلا أنه لم يتحرك، وقبل أن تغادر تمسك بذراعها برفق لكنه كان ثابتًا وكأن شيئًا ما في عينيه يقول..
" لا تتركيني حائرًا"
حاولت غسق سحب يدها لكنها لم تستطع مقاومة تلك الجاذبية التي كانت بينهما وكأنها لا تملك الخيار...
تسمرت أمامه والنظرات بينهما تلتقي في صمت، كما لو أن الكلمات قد انتهت قبل أن تبدأ، كانت الرياح تعصف بالصحراء من حولهما، والهواء يحمل في طياته ضبابًا من الأفكار المتراكمة التي تثقل عقولهما...
كانت غسق تلمح في عيون شاهين شيئًا لا تستطيع أن تضعه في كلمات، شيء يجذبها ويبعدها في ذات الوقت...
قالت أخيرًا بصوت منخفض لكنه كان يحمل في طياته الكثير من الهمسات التي لا تُسمع و بنظرة مشدودة، وهي تقرب يدها على النمر:
– سمعت عن اللي سويته في عيلة الواقاداب، وعرفت كل شيء يا شاهين، أنت بالنسبة لي قاتل مهما كانت أسبابك.
وقف شاهين دون أن يظهر عليه أي تردد، صوته كان يحمل في نبراته عزيمة حادة وعيناه الثاقبتان تتأملان عينيها المليحتان وهو يتطلع إليه بحزم قائلًا:
– أنتِ من عيلة الواقاداب؟!
أجابت غسق بسرعة وهي تنفي الأمر بثبات:
– طبعا.. لا.
أخذ شاهين نفسًا عميقًا وكأنما ارتاح من شيء في داخله ثم قال بصوت هادئ وبثبات:
– اللي سويته ما كان عن تَار، زي ما أنتِ فاهمه ما قتلت سعدون عشان أدور على ثأر، قتلته لأنه كان مفترى وكان بيستقوي على اللي ما عندهم قوة يدافعون عن نفسهم، كان عارف إنهم ما يقدرون يواجهونه وما فيه حد هياخد بتارهم، هو كان مستغل ضعفهم، وكان لازم يتوقف عشان العدل يُقام في مكان زي هذا.
أطبقت غسق شفتيها في صمت وعينيها تتنقلان بين ملامح وجهه الذي كان يحمل فيه قسوة الحرب، ولكن أيضًا بعض الحزن الذي يخفيه بقوة، ولكن هناك شيء كان يراودها في داخلها شيئًا من التردد الذي كان يغلب على يقينها..
قالت غسق بصوت منخفض كما لو أن الكلمات تخرج بصعوبة:
– بس إنت شفت العيلة هذي؟ شفت عياله؟ هم مو اللي اختاروا هالحياة، عايشين في ظلم ما لهم فيه ذنب، كيف تقدر تنام وانت عارف إن في أطفالهم صاروا أيتام؟ هيدفعوا الثمن لو استمرت الأمور زي ما هي.
شده اهتمامه حديثها لكنه لم يظهر أي تنازل في قراره، رد على عجل وكأن حروفه قد خرجت من أعماقه:
– الموضوع مو بس عيلة سعدون يا غسق، الموضوع هو الظلم اللي لازم نوقفه، الرجل اللي قتله سعدون مو هو اللي يستاهل الموت، هو المظلوم الحقيقي، وعياله مهما صاروا أيتام يوم من الأيام بيفهمون، لكن الخوف على عيال الرجال اللي مات ظلم لو ما كنت خدت حقه كيف يكونون! الظلم أكبر من عيلة ضايعة، الظلم هو اللي دمر كل شي في هالبلد، إذا جلسنا نرحم ونغفل عن الحق ما راح تتغير ها الحياة سوى على الكبار تبعنا.
غسق كانت تحاول أن تتقبل كلماته، كانت تتأمل فيهم، وتحاول أن توازن بين حديثه وبين ما تراه بعينها، كان صوته يزداد قوة ووضوحًا وكأنما كان يطلق الحقيقة بألم يعبر عنه جسده كله، ولكن قلبها كان لا يزال غير مطمئن له على الأطلاق..
قالت غسق وكان حزنها يلوح في صوتها لكن كان هناك بصيص من الفهم يلمع في عينيها:
– يعني تقول إن العدل ما يقتصر إلا على الموت والدم؟ كيف نعيش ونصلح لو دمنا هو اللي يغذي كل شيء؟
نظر شاهين إليها للحظة صمت، ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيب بثقة مطلقة و بصوتٍ هادئ لكن كلماته كانت قوية:
– العدل مو بس دم يا غسق، العدل يعني تعطي الحق حقه حتى لو كلفك حياتك، كل شيء يدور حول فكرة وحدة إنك توقف ضد الظلم مهما كانت الظروف، ومهما كان الثمن، وهذا مو قتل هذا تصحيح للطريق اللي ضاع واللي يتألم بالبداية هو اللي يشوف النهاية صح.
كانت تشعر بثقل كلماته تتسرب في عروقها، وأمام هذه الكلمات بدأت تدرك شيئًا أعمق شيئًا يحترق في داخلها، ربما كان شاهين محقًا وربما كانت هي التي كانت تحتاج لتفتح قلبها أكثر وتفهم المدى الذي وصلت إليه الأمور...
تحركت غسق ببطء وكأن كلمات شاهين قد ألجمتها، لكن لم يكن لديها وقت للتفكير، تقدمت نحو النمر الذي كان واقفًا بالقرب منها ومسحت على جلده بلطف ثم ركبت عليه برشاقة ورفعت رأسها تنظر إلى الأفق، كأنها ترغب في الهروب من هذا الحوار الذي أصبح أكثر تعقيدًا من أي حديث قد سمعته من قبل...
أوقفها شاهين برجاء:
– أنا داري إن اللي بطلبه هذا يطير روس،
بس تسمحيلي أشوف وجهِك؟
تجاهلت طلبه وهي تضيق عينيها بدهشة من جرأته،
لكن ابتسامة خجولة تسللت من خلف لثامها، فضحت ما حاولت كتمانه..
وبينما كانت على وشك الانطلاق سمعته يناديها بصوت مرتفع وهو يسألها بنبرة حادة:
– أنتِ من عيلة مين؟
توقفت غسق لحظة وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيبه، هي كانت تعرف أن هذا السؤال سيجعل كل شيء يظهر بوضوح أكثر لكن رغم ذلك قالت بثقة لكن صوتها كان يحمل بين طياته شيء من الحزن:
– العسيرات.
صمت شاهين للحظة وكأن الزمن توقف بينهما فجمد الهواء حولهما وهو ينظر إليها بعينين مفتوحتين بصدمة وكأن كلمة "العسيرات" كانت بمثابة صاعقة ضربت عقله، لم يكن يتوقع أن تكون من هذه العائلة بل كان أهون عليه أن تكون من عائلة الواقاداب..
"العسيرات؟!"
قالها باندهاش لكن الحيرة كانت واضحة في صوته!
لم تجب غسق لكنها كانت تراقب تعبيرات وجهه عن كثب، كان واضحًا عليه الصدمة والدهشة، لم تحب أن تكون صادمة بهذا الشكل لكنها أيضًا لم تشأ أن تخدعه..
– أنتِ... يعني من عرب العسيرات؟
كرر السؤال لكن هذه المرة كان صوته أقل حدة وأكثر تساؤلًا...
نظرت إليه بنظرة حادة ثم قبل أن يعاود الحديث، حركت النمر ليبدأ في التحرك بسرعة وأجابته دون أن تلتفت إليه:
– أشوفك فزيت يا شاهين بيه، بس لا تخاف طول ما أنت بعيد عننا.
لينقل الهواء صوته القوي إليها وهي تبتعد عنه:
– شاهين ولد الجعافرة ما يخاف يا بنت العُسيرات، وزي ما وعدتك إنك بتجين.. بوفي بوعدي.
اختفى ظلها من أمامه تاركة إياه خلفها يتلظّى بالشوق، وكأن رحيلها لم يطفئ ناره، بل زادها اشتعالًا... لقد تركت في قلبه أثرًا لا يُنتزع، واشتياقًا أعظم من ذي قبل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته
ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…
كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا
![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






