Home / الرومانسية / رجال الله / طريق محفوف بالعواقب

Share

طريق محفوف بالعواقب

last update publish date: 2026-05-27 17:00:00

في قصر شاهين كانت الأجواء مشحونة بالاحتفال، والأصوات تندمج في صخب من الفخر والاعتزاز، كل شيء في تلك اللحظة كان يعبر عن القوة والهيبة، السفرة التي كانت تمتد بتأنٍ فوق الأرضية المزخرفة، تعكس هالة من الجلال والمجد، محاطة بعائلة الجعافرة التي اجتمعت على طعام فاخر يعكس مكانتهم، كان الجد جعفر الرجل الذي طالما كانت عينيه مليئتين بالمَكر، رفع نظره إلى الأعلى في حركة دائرية متفاخرًا، فيما كان يلتقط الكلمات التي يرددها الرجال من حوله، كانت كلماته تتناغم مع وقع يده التي تمسك بالكأس محكمًا...

– الشاب هاذ علّم الكل من نكون! ترى انها خطوة زينة ما حد قدر يفكر فيها وانت سويت اللي ما قدر عليه أحد!

قال الجد جعفر بنبرة حادة وواثقة بينما رفعت يده كأس العسل المصفى الذي أعد خصيصًا لهذه المناسبة ثم ارتشفه بلذة عاكسًا رضاه التام...

شاهين الذي كان يجلس في أطراف السفرة نفض فكره لحظة ليتلقى الإطراء، فرفع رأسه قليلًا وعيناه تتنقلان بين الوجوه المتأملة، قبل أن يعانق ابتسامته المكان، ابتسامة لطالما كانت تميز شخصيته المتكتمة، لكن في أعماق قلبه كان هناك شيء مختلف، شعور غريب انتابه، كان ذهنه بعيدًا عن كل الحشود من حوله، لم يكن قلبه مع هؤلاء الذين كانوا يرون فيه بطلًا، ولم تكن أذنه مصغية لكلماتهم المملوءة بالإعجاب....

في عقله كان الصوت الذي يتردد على مسامعه لا ينتمي لهذه اللحظة، كان الصوت الآخر هو صوت غسق، يتخلل كيانه كدفق من الأنغام غير المكتملة، لا يزال كلامها يتردد في ذهنه كأصداء بعيدة كما لو أن الكلمات التي نطقتها بالأمس ما زالت تلاحقه تبث فيه قلقًا وسؤالًا لا يهدأ...

"انت چنيت؟ تبغى تختبر قوتي؟ ما راح اتردد بقتلك ان قربت خطوة مني."

كانت هذه الكلمات تتنقل داخل رأسه وتدور كالريح التي لا تهدأ في كل زاوية من ذهنه كان يراها، عيونها الداكنة التي تخفي خلفها أسرارًا وعواطف عميقة، حاد بعينيه لحظة في محاولة طرد تلك الأفكار، ولكن عندما أعاد النظر لجده وجد نفسه أمام نظرات العائلة المترقبة، كانوا ينتظرون منه ردًا، انتصارًا، جولة جديدة من التأكيد على هيبته التي بدأوا يشعرون بها في كل كلمة وكل فعل، وبينما كان يجلس وسطهم بين التهاني والترحيب، كانت الأفكار تشتعل داخل عقله، لا شيء يمكن أن يشتت انتباهه الآن أكثر من تلك الذكريات... أكثر من غسق...

كيف له أن يكون هذا الشخص الذي يريدونه في حين أن قلبه كان مشغولًا بشيء أبعد من أي انتصار؟ كيف له أن يحمل راية العائلة بينما يحترق داخله سؤال لم يجد له جوابًا بعد؟

بينما كانت الكلمات تتردد في أذن شاهين، كان عقله يغرق في بحر من الهمسات المشتتة، كل كلمة من الجد جعفر تتساقط عليه كالصخور الثقيلة، تحمل في طياتها ثقل الجبال:

- أنت الحين يا شاهين صرت مثل الجبل، اللي يهاجمك يطيح قدامك، الفخر لك وما في شيء يوقف قصداك يا ولدي!

تناثرت كلمات الجد حوله مثل الرذاذ، لكنه شعر أن لها وقعًا غريبًا لم تلمس قلبه كما كان متوقعًا، صحيح أن الكلمات كانت ترفع من شأنه في أعين الجميع لكن عقله كان غارقًا في شيء آخر بل في شخص آخر...

غسق… كان الاسم يتردد في ذهنه كصدى بعيد، كأن هناك نغمة خافتة لا تفارقه، صوتها يمر بأذنه دون أن يطلبه، وصورتها تطل عليه من بين الضباب..

عيناها الغامضتان، لا تغادرانه، تظهران أمامه في كل لحظة، بلا وضوح، وبلا ملامح ثابتة..

لا شيء في الحاضر يهمه، لا شيء يشغل عقله قدر تلك الفتاة التي تحولت إلى لغز، لغز يريد أن يفك شفرته، ولو كلفه الأمر كل شيء..

والده الذي كان يراقب سكونه أخيرًا قطع حاجز الصمت الذي عكّر الأجواء وقال بصوت هادئ لكنه حازم:

– اليوم برهنت إنك الراجل اللي يليق بالقيادة .. كنت دايم الخيار الوحيد لهذا الدرب.

هذه الكلمات كانت تنبض بالفخر والاعتزاز ومع ذلك، لم يشعر شاهين بأدنى راحة، كلمات والده لم تستطع أن تنقله عن تلك الفكرة المزعجة التي تلاحقه، فكرة غسق الذي بدأ يخاف ويرتعب أن تكون من جانب ثأره!

شعر بثقل الكلمات التي كانت تملأ الغرفة وعيناه تمرّان على عائلته وهم يتراقصون حوله كأشباح منتظرة، يطالبونه بالكثير لكنه كان بعيدًا جدًا عنهم...

كان قلبه يشدّه نحو مكان لا يعرفه، بينما هناك شيئًا غامضًا ينتظره..

لم يكن خائفًا، لكنه كان متيقنًا أن الأيام القادمة لن تكون سهلة، شيء ما بداخله يخبره أن ما ينتظره أكبر من التوقعات، وأبعد مما يريده الآخرون له..

أغمض عينيه للحظة، يحاول إسكات تلك الأسئلة التي لا تهدأ في رأسه، ثم تنفّس ببطء، فتح عينيه على وجوه عائلته التي تترقبه في صمت، كانت نظراتهم تحمل الكثير من الأمل، لكن قلبه لم يكن معهم... كان في مكان آخر تمامًا...

عاد ذهنه إلى غسق وهو يتسأل، هل يا تُرى، كيف سيكون اللقاء القادم؟ هل كانت مجرد لحظة وستنتهي؟ أم أن حضورها لن يزول؟ لم يعرف..

كل ما شعر به هو أن هناك بابًا فُتح، لا يدري ما ينتظره خلفه..

ومن حوله كانت الضحكات ترتفع، والاحتفال لا يزال قائمًا، لكنه كان وحده، غارقًا في صمت لا يراه أحد..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الغرفة التي يكسوها ضوء خافت من نافذة نصف مغلقة،

كانت ملك جالسة على حافة السرير، قدماها تلامسان الأرض ببطء كأنهما تبحثان عن الثبات في عالم فقد كل توازنه، ضوء القمر الخافت ينير نصف وجهها تاركًا النصف الآخر مستترًا في الظلام، تمامًا كحالها؛ جزء ظاهر يحتفظ بالكاد بمظاهر القوة، وآخر غارق في عمق مجهول لا يُرى...

يديها مسترخيتان بجانبها وكأنها تفتقد القوة حتى لتحركهما، عيناها شاردتان، تنظران إلى شيء غير مرئي، شيء عالق بين ماضٍ ضبابي ومستقبل مجهول، بينما الذاكرة التي فقدتها والتي كانت كل يوم تتسرب منها ببطء، جعلتها في حالة من الضياع التام، ظلت حدقتيها ثابتتان على نقطة ما في الأرضية، كأنها تحاول فك رموز حكاية لم تُكتب لها، بينما الصمت يثقل الغرفة كما لو كان كيانًا حاضرًا لا يمكن تجاهله..

دفع مالك الباب بحذر، معتادًا على دخولها وهي متظاهرة بالنوم كلما عاد، لكنه حين لمحها جالسة دون أدنى محاولة لإخفاء وجودها، توقّف للحظة عند العتبة، تلك اللحظة الصغيرة التي أضاءت داخله شعورًا متناقضًا؛ فرح لأنها لم تختبئ منه كما اعتادت، وقلق لأن شيئًا في جلستها كان ينذر بأن الهدوء هذا ليس إلا مقدمة لعاصفة!

– ملك.

همس بها وهو يقف متصلبًا عند الباب لثوانٍ بينما نظراته مسلطة على التي لم تتزحزح عن جلستها على حافة السرير، بدا السكون المحيط بها هذه المرة مختلفًا كأنها محاطة بجدار غير مرئي، جدار صنعته ذاكرتها الممزقة التي تركتها غارقة في ظنونها...

خطواته على الأرضية الخشبية كانت بطيئة ومُثقلة، كل واحدة منها تحمل عبئًا من مشاعر متناقضة بين الأمل واليأس...

توقف عند الطاولة وعيناه وقعتا على الطبق الذي أعدّه قبل خروجه، لم يُمس! الطعام كما هو؟!

برودة الخيبة تسللت إلى صدره، لكنه أجبر نفسه على أن يتمالك أعصابه...

– ملك.

نادى اسمها بصوت منخفض فيه رجاء وحذر، وكأنه يخشى أن تهرب من كلماته:

-لِمَ لَمْ تأكلي حتى الآن؟!

لم ترفع رأسها بل ظلّت جالسة كتمثال، لا تحرك ساكنًا، لكن الصمت منها كان أشد إيلامًا من أي رد، انتظر للحظة كأنه يأمل في أن تكسر هذا السكون، لكنها لم تفعل...

اقترب منها بخطوة، ملامحه غارقة في مزيج من القلق والغضب المكبوت، قال بصوت أكثر حدة لكنه لا يزال يحمل لمسة حزن:

ـ ملك.. أليس ما تفعلينه هذا كافيًا؟! لماذا تعذبين نفسك هكذا؟

صمت يأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يُردف:

– وتعذبيني أيضًا.

رفعت ملك عينيها ببطء شديد، وكأنها كانت تحتاج إلى جهد هائل لتلتقي بنظراته، كانت عيناها خاليتين من الحياة، لا حزن فيهما ولا غضب، فقط فراغ مرير..

ردّت بصوت خافت لكنه جاء كصفعة على قلبه:

– أنت من عذبتي وآلمتني.

اقترب أكثر حتى بات يقف أمامها مباشرة، قال وهو يحاول كبح انفعاله:

– ماذا فعلتُ بكِ؟! نحنُ تزوجنا برضاكِ وموافقتكِ.

نظرت إليه نظرة طويلة هذه المرة، وكأنها تبحث في ملامحه عن شيء يربطها بالماضي، لكنها لم تجد سوى ظلال مشاعر غريبة عنها، فردّت ببرود أشد من كلماتها الأولى:

– لكني لا أتذكر... لا أتذكر شيئًا يخصك أو يخصني، كل شيء هنا غريب، المكان... أنت... حتى أنا لم أعد أعرف من أنا!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   في مواجهة شاهين

    جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاكين صدئة، مطلبان كلاهما ألعن من الآخر..أن يُسلّم له عمته، المرأة التي طالما كانت عزيزة مكرمة، مدللة بين آل الجعافرة، لتُلقى في حضن ولده الذي لا يعرف الرحمة، وتذهب لقصرهم كزوجة ثانية بعد أن اعتادت العزة والكرامة… وأن يبيع تجارته، عِرق جبينه، ووجاهته بين الرجال، ذلك الإرث الذي صنع مكانته بينهم..لكن المال لم يكن يعني شيئًا لشاهين، ولا التجارة بقدر ما كان يعنيه غسق، اسمها وحده كان كفيلًا بأن يحرق ما تبقى من اتزانه، أرادها، ولا شيء سواها..ولكن بأي ثمن؟اقترب من النافذة، نظر إلى ظلام الليل الممتد، والريح تضرب النوافذ الزجاجية فتئن وكأنها تعكس أنينه الداخلي، رفع يده ليمسح جبينه المبتل بالعرق، لكنه لم يجد في ملامحه سوى صورة رجلٍ يُساق إلى الهاوية بخطاه هو..قال لنفسه بصوتٍ

  • رجال الله   اغتصاب الروح

    حينها فقط أدركت الكارثة…أن ما سُلب منها لم يكن جسدها وحده؛ بل روحها، واسمها، ومكانتها في مجتمعٍ يتقن جلد الضحية ويغضّ الطرف عن الجاني، أحسّت أن الموت أقرب إليها من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية..ارتجفت أصابعها وهي تزحف على التراب مثل طفلةٍ تحبو في عتمةٍ باردة، حتى وصلت إلى حقيبتها المرمية قرب الجدار، مدّت يدها المرتعشة تفتّش عنها وكأنها تبحث عن طوق نجاةٍ وسط غرقٍ لا ينتهي، وجدت الهاتف الصغير مطمورًا بين أشيائها، فانتشلته بيدٍ مرتجفة، واهتزّ قلبها حين رأت شاشته تومض بعشر مكالمات فائتة من "تولاي" شقيقتها و نصفها الآخر، ظلّها الذي لا يفارقها.لم يكن في حلقها صوتٌ لتردّ به، لكن أصابعها ضغطت زر الإجابة، أتى صوت تولاي على الطرف الآخر، متسارعًا، مرتجفًا، متقطّعًا بأسئلةٍ متلاحقة لا تنتهي، لكن ضي لم تستطع أن تنطق، تحرّكت شفتاها ولم يخرج سوى هواءٍ خافت، أنينٌ مبحوح لا يشبه الكلام، سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف كالقصبة في مهبّ الريح، وانهارت على الأرض تبكي بصمتٍ يقطع نياط القلب، صمتٌ أقسى من أي صراخ..رفعت الهاتف مرةً أخرى بأصابعٍ مرتعشة، وكتبت لتو

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status