LOGINاستيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..
جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:
"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."
زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..
تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...
تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظلٍ معلقٍ بين الموت والحياة، لا يحق له أن يقترب منه أو ينطق باسمه، ممنوع عليه أن يراه إلا في سراب..
أحس كأن قلبه ينقسم نصفين، نصف يجرّه نحو ذاك الأخ الذي يجهل وجوده حتى، ونصف آخر مقيد بأوامر صارمة لا يملك عصيانها.. كيف يحيا شطرٌ منه في ضوء النهار بينما الآخر مسجونٌ في ليلٍ أبدي؟
ارتجف جسده، عرقه بلل عنقه، تقلب في الفراش كمن تطارده كوابيس يقظة، كل محاولة لإجبار عينيه على النوم كانت تزيد الصور وضوحًا، وتُغرق صدره في وجعٍ أعمق، عندها أدرك أن البقاء في الغرفة جريمة في حق نفسه..
نهض واقفًا، قدماه ترتجفان، توجه نحو الباب بخطى مرتعشة، فتحه بحذر، والممر أمامه ممتد كفم وحشٍ يبتلعه..
الجدران صامتة لكنها كأنها تراقبه، والهواء يثقل رئتيه كأنه يحاسبه على جرأته،
كل شيء في القصر كان ساكنًا على نحوٍ مريب؛ الحُراس غائبون عن عينيه، الأبواب مغلقة، والسكون يخنق حتى حفيف الهواء.. مضى بخطواتٍ مترددة حتى وصل إلى البهو الكبير، ثم دفع الباب الخارجي بكل حذر حتى
خرج إلى الساحة الواسعة، والشمس تلطم وجهه بنورها القاسي، أغمض عينيه للحظة، كأنه لا يحتمل الضوء بعد أن اعتاد العتمة هناك..
انسل من البوابة الكبيرة كطيفٍ مطارد، حتى وصل إلى الباب الخارجي، دفعه ببطء فصرّ صوت المفصلات وكأنه يفضحه..
غطى وجهه بكفه لحظة حين أوجعته عيناه من التعرض لذلك الضوء الشديد، ثم أسرع نحو السيارة المركونة في الجراج الكبير الخاص بالقصر..
فتح الباب بعجالة، وجلس خلف المقود، كانت يداه ترتعشان وهو يدير المحرك بحذرٍ، فدوّى صوته في الساحة، حتى شعر يامن أن من بالقصر سمعه الآن، ضغط على دواسة الوقود هاربًا كمن يفر من أشباحٍ قاتلة، فانطلقت العجلات تثير الغبار، ومع كل مترٍ يبتعد فيه، كان يظن أنه ينجو من قدرٍ لا يريده، ولو إلى حين..
كان الطريق الأسفلتي الضيق يمتد أمامه كأفعى سوداء، يبتلع المسافة بينه وبين المدينة، قاد يامن بعشوائية، وعيناه نصف مطفأتين من السهر والضيق، قلبه مثقل كصخرة، وروحه تتخبط في فراغ لا مخرج له..
وفجأة، على بُعد خطوات، لمح جسدًا أنثويًا يقطع الطريق بخطواتٍ متزنة، حقيبة صغيرة معلّقة على كتفها، وشعرها ينسدلُ لامعًا كسلاسل ذهبية تحت ضوء الشمس الساطع، ضغط على المكابح بعنف، حتى اخترق صوت الاحتكاك سكون الصباح، قلبه كاد يقفز من مكانه..
توقف، وأنفاسه تتسارع، وهو يحدّق فيها… هي نفسها تلك الفتاة التي رآها من قبل على حافة الحادثة، حين كان قاب قوسين من أن يصدمها بسيارته، لم يكن يصدق أن يراها مجددًا وفي المكان نفسه تقريبًا، وكأن القدر أصرّ أن يعيده إليها كلما حاول أن يهرب من نفسه..
انعقدت حاجباه بدهشة، تساءل في سرّه: كيف يمكن أن ألتقيها ثانية؟ أهي مصادفة؟ أم أن القدر يلهو بي؟
شعر بانقباضٍ غريب في صدره، إحساس لا يعرف له اسمًا، مزيج بين الطمأنينة والاضطراب، بين الفضول والخوف والرغبة الشديدة بها!
لم يحتمل أن يبقى حبيس المقعد أكثر من ذلك، ففتح باب السيارة ونزل منها مترنحًا، الهواء البارد صفَع وجهه، لكنه لم يوقفه..
ترك السيارة خلفه والمحرك ما زال يعمل، وتقدم ببطء، وعينيه مثبتة على ظهرها..
كانت تمشي في بساطة، ثيابها عادية كأي فتاة شابة عصرية، لكن خطواتها تحمل شيئًا يشدّه، كأنها لا تخصّ الأرض التي يسير عليها الناس، بل عالمًا آخر لا يجرؤ على لمسه..
شعر وكأنها مغناطيس يجرّ قلبه من أعماقه، ومع كل خطوة يخطوها خلفها كان يزداد يقينًا أن وجودها لم يعد محض صدفة، بل علامة، أو لعنة، أو ربما الخيط الوحيد الذي يربطه بهذه الحياة..
ومع ذلك… لم يعرف اسمها بعد، لم يعرف من تكون، أو إلى أين تمضي، كل ما يعرفه أنّها صارت جزءًا من فوضاه، وأنّ رؤيتها، في كل مرة ينهار فيها داخليًا، لم تعد مجرد لقاء عابر… بل سرّ يتكرر كنبضٍ لا يتوقف..
لم يكد يامن يخطو أكثر من بضع خطوات خلفها حتى التفتت فجأة، كأن قلبها نَبَّهها بوجود غريب يلاحقها، التقت عيناها بعينيه للحظة خاطفة، فارتجف جسدها الصغير، وأسرعت في مشيها، وحذاؤها يطرق الإسفلت كطبول حربٍ مكتومة..
التفتت ثانيةً ورفعت عينيها سريعًا فوجدته يقترب منها بخطوات ثابتة، وعيناه تلتهمان تفاصيلها كما لو كان يكتشف امرأة للمرة الأولى..
تنهّد يامن بقوة وهو يشعر بتيارٍ خفي يدفعه لمزيدٍ من القرب، كلما حاول أن يقنع نفسه بالتوقف ازداد اندفاعه نحوها حتى لم يعد يحتمل أن يراها تهرب منه كما لو كان شبحًا يطاردها، فزاد من سرعته، والخطوات بينهما تذوب كقطرات ماء تحت شمسٍ حارقة..
لم يكن يامن يعرف ما الذي يجذبه إليها بهذا العنف؛ كلما أبصرها، شعر بحرارة تتفجر في عروقه، بلهيب يوقظ جسده على رغبات لم يعهدها، لم يكن الأمر مجرد فضول أو رغبة في الحديث… بل شدّ غامض يلامس أعمق غريزة في داخله..
دخلت هي ممرًا جانبيًا شبه خالٍ، الجدران على جانبيه عتيقة، والهدوء يخيّم كأن العالم كله انزاح بعيدًا عن هذه البقعة في هذا الوقت الحالك، هناك، قرر أن يضع حدًا لهذا الصمت المربك، سبقها بخطواتٍ سريعة، حتى وجد نفسه واقفًا أمامها مباشرة، يقطع عليها الطريق..
شهقت هي بحدة، عيناها الواسعتان باللون الزيتوني كانتا تلمعان بذعرٍ مكتوم، حاولت أن تتراجع خطوة إلى الوراء لكن يده امتدت، بحركةٍ غريزية، وأمسك بكفها، كانت لمستها كالشرارة حارقة؛ جسده كله ارتجف، كأنه لمس شيئًا محرّمًا أو نفيسًا حدّ الخوف..
صوتُه خرج متقطّعًا، مشوبًا بعطشٍ قديم لم يعرف له سببًا:
– توقّفي… أرجوك.
ارتجفت أصابعها بين يده، حاولت أن تسحبها دون جدوى، فزاد اضطرابه، نظر إليها مطولًا، حدّق في ملامحها وكأنه يحاول أن يثبت صورتها في ذاكرته للأبد، ثم همس بنبرة تفضح ارتباكه:
– قولي لي… ما اسمك؟
كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه خرج منه كأنه اعتراف، أو توسّل، أو بداية قدرٍ لا يعرف أحد إلى أين سيمضي بهما..
ارتجف كفها في يده، وصوتها اختنق في صدرها قبل أن تخرجه حادًّا كالسهم:
– دعني!
انتزعت يدها بقوةٍ من قبضته، وكأنها تحررت من فخٍ خفيّ، ثم أسرعت في خطواتها كمن يهرب من قدرٍ مظلم يلاحقه، كان الهواء يضرب وجهها بقسوة، لكن قلبها هو من كان يطرق صدرها بعنف، يذكّرها بخوفٍ لا تدري مصدره، وباضطرابٍ لم تعهده من قبل..
وقف يامن لحظة مذهولًا، كأنه فقد شيئًا لم يملكه أصلًا، ثم اندفع وراءها بخطواتٍ مترددة، صوته خرج مبحوحًا، يلاحقها في الفراغ:
– انتظري… لا تهربي مني… اسمي يامن! يامن… من عائلة العُسيرات!
لكنها لم تلتفت، بل زادت من سرعتها، كأن وقع اسمه على أذنها زادها خوفًا لا طمأنينة، كانت تسمع وقع خطواته وهي تقترب منها، وقلبها يكاد يسقط من صدرها، والدماء تجري في عروقها كجدولٍ هائج، كل شيء فيها يصرخ بالرفض والارتباك..
حتى جاء صوت آخر، قويٌّ جَهوريّ، مزّق الصمت كسكين:
– ضي!
رفعت رأسها فإذا بعمّها يقف عند مدخل الطريق، ينظر إليها وإلى الرجل الغريب خلفها بعينٍ متسائلة، هنا تجمّدت قدما يامن، كأن الأرض ابتلعته فجأة، وارتد إلى الخلف في ذهولٍ مرتعش...
التفت باضطراب، وعاد بخطواتٍ مسرعة حيث ترك سيارته، كمن يهرب من جرمٍ ارتكبه للتوّ!
جلس على مقعده، يتساءل في داخله: ما الذي دفعه إليها بهذه القوة؟ ولماذا شعر أنه إن أفلتها الآن، فلن يراها ثانية أبدًا؟
تقدم يامن نحو مقود السيارة، ويده تضغط بقوة على الجلد البارد المحاط به، كأن شيئًا في داخله يوشك أن ينفجر، انطلقت السيارة ببطء أولًا، ثم أسرع بها في الطريق، لكن ذهنه لم يكن حاضرًا مع حركة الشارع ولا مع الأضواء المتناثرة، وكل ما يسيطر عليه هو صورتها… ضي!
ملمس يدها ما زال عالقًا في كفّه، كأن دفء جلدها تسلل إلى أعماقه ولم يزل يحترق به، أنفاسها المرتجفة، ارتباك عينيها حين تلاقت مع نظراته، حتى ارتجاف صوتها وهي تأمره أن يتركها، عينيها الساحرة التي خطفت أنفاسه من صدره... كلها لحظات صارت الآن كأنها نار متأججة في صدره..
أحس بجسده كله يشدّه إليها شدًا عنيفًا، لم يعرف له مثيلًا من قبل، لم تكن مجرد فتاة رآها صدفة في طريقه… بل كانت شيئًا آخر، فتنة غامضة تثير في داخله رغبة جامحة لا يمكنه كبحها..
كلما حاول أن يطرد صورتها، عادت أقوى؛ شفتيها المرتعشتان، ارتجافة جسدها بين يديه، حتى خوفها منه بدا في عينيه نوعًا آخر من الإغواء القاتل لحواسه..
ضغط على دواسة البنزين أكثر، كأنه يهرب من نفسه، لكنه لم يستطع، فهمس بصوت خافت كأنما يعترف بسر خطير:
ــ لا مفرّ يا ضي… سألقاكِ ثانيةً، ولو وقف العالم بأسره في وجهي.
أما هي، فكانت تتظاهر أمام عمّها بالتماسك، لكن قلبها ظل يرفرف في صدرها كعصفورٍ اصطدم بشباكٍ زجاجي، يحاول أن يفهم ما الذي رآه في عيني ذلك الغريب… وما الذي رآه هو في عينيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







