Share

٧

Author: كيان
last update publish date: 2026-09-28 22:05:14

بعد انتهاء المحاضرات، خرجت الفتيات من مبنى الجامعة وهن يشعرن بالإرهاق.

كانت الساعات التي قضينها داخل القاعات قد استنزفت طاقتهن، خصوصًا أن اليوم كان مليئًا بالمحاضرات منذ بدايته.

تنهدت ليلى وهي تحمل حقيبتها على كتفها وقالت بتعب:

"أنا تعبت... أخدنا النهارده تلات محاضرات، أقل محاضرة فيهم تلات ساعات."

ضحكت جود وهي تسير بجوارها:

"لا، اجمدي كده... إحنا لسه في الأول."

نظرت إليها ليلى باستنكار.

"لسه في الأول؟! أمال آخر السنة هنعمل إيه؟"

ضحكت جود مرة أخرى، بينما كانت يارا تسير إلى جوارهما، ثم قالت فجأة:

"بقولكم إيه... شوفتوا دكتور عمر كسّف نور إزاي؟"

نظرت إليها ليلى وضحكت.

"أيوه، فاكرة إن كل الناس سخيفة زيها. بس كويس إنه وقفها عند حدها."

هزت جود رأسها دون اهتمام كبير.

"هي أصلًا بتحب تستفز الناس."

ثم تثاءبت وهي تقول:

"أنا همشي بقى... أنا هموت وأنام."

نظرت إليها يارا.

"أنتِ مش هتستني معانا؟"

هزت جود رأسها.

"لا، بجد تعبانة هروح أنام "

ودعت جود صديقتيها، ثم اتجهت إلى طريقها، بينما بقيت يارا وليلى معًا لبعض الوقت قبل أن تغادرا أيضًا.

في مكان آخر، كان أنس يتحدث عبر الهاتف.

"إيه يا عمر؟ أنت فين؟"

جاءه صوت عمر من الطرف الآخر:

"كنت في الشركة ولسه مخلص. أنت فين؟"

نظر أنس إلى المبنى خلفه، ثم قال:

"أنا قاعد قدام العمارة عندي مع عدنان وفارس. قابلتهم هنا وقاعدين شوية. مش هتيجي؟"

أجاب عمر دون تردد:

"هجيلكم أهو."

"تمام."

أغلق أنس المكالمة، ثم عاد إلى الحديث مع عدنان وفارس.

لم تمر سوى فترة قصيرة حتى ظهر عمر من بعيد.

كان يسير باتجاههم، وعلى وجهه ابتسامة واضحة.

لاحظ عدنان ابتسامته، فرفع حاجبه وقال:

"خير يا رب؟"

نظر أنس إلى عمر، ثم قال بنبرة مازحة:

"يارب اللي في دماغي يكون صح."

اقترب عمر منهم، ثم أومأ برأسه.

"عرفت اسمها."

ظهرت ابتسامة واضحة على وجوه الثلاثة.

ضحك فارس وقال:

"أخيرًا يا أخي! ده أنت هتشلنا على ما تتجوزها."

ضحك عدنان، ثم قال:

"استنى بس يا فارس، خلينا نعرف اسمها إيه."

فتح عمر فمه استعدادًا للإجابة.

لكن قبل أن ينطق بكلمة، وقعت عيناه على شيء خلف أصدقائه.

فتاة كانت تدخل إلى مدخل العمارة.

توقف عمر عن الكلام تمامًا.

ظل ينظر إليها بعينين متسعتين، وكأن المشهد أمامه لم يكن منطقيًا.

ما الذي أتي بها إلي هنا ؟

تابعها بعينيه وهي تدخل من الباب، حتى اختفت عن أنظاره.

لاحظ عدنان صمته الغريب.

"إيه يا عم؟ أنت سكت ليه؟"

لم يجبه عمر.

ظل للحظات ينظر إلى مدخل العمارة، ثم التفت فجأة إلى أنس.

اقترب منه وأمسك كتفيه بكلتا يديه.

"هو... أنت تعرف كل اللي ساكنين معاك في العمارة دي؟"

عقد أنس حاجبيه باستغراب.

"يعني... مش كلهم."

ثم نظر إليه متعجبًا.

"ليه؟"

تدخل فارس وهو ينظر بينهما:

"وإيه علاقة ده بإسم البنت اللي بتحبها؟"

ظل عمر صامتًا.

ترك كتفي أنس ببطء، ثم أشار إلى مدخل العمارة.

"أصل... هي لسه داخلة دلوقت."

اتسعت عينا أنس.

"إيه؟"

ثم استدار بسرعة ونظر إلى باب العمارة.

"لسه داخلة دلوقت؟"

أومأ عمر برأسه.

"آه."

نظر فارس إلى الاثنين بعدم فهم.

"أنا مش فاهم حاجة."

لكن أنس لم يلتفت إليه.

كان ينظر إلى عمر وكأنه يحاول استيعاب ما يقوله.

"أنت بتقول إيه يا عمر؟"

عقد عمر حاجبيه قليلًا.

لم يفهم سبب تغير ملامح أنس بهذه الطريقة.

قال بصوت متقطع:

"بقولك... هي لسه داخلة دلوقت."

ساد صمت قصير.

ثم نظر أنس إليه مباشرة.

"أنت عارف مين اللي لسه داخلة دي؟"

هز عمر رأسه.

"لا."

ظهرت على وجه أنس نظرة غريبة، ثم قال:

"دي جود."

توقف عمر تمامًا.

أكمل أنس دون أن ينتبه للصدمة التي ظهرت على وجه صديقه:

"جود بنت عمتي."

اتسعت عينا عمر.

ظل صامتًا.

جود.

الاسم الذي عرفه منذ وقت قصير.

الفتاة التي أحبها لثلاث سنوات دون أن يعرف حتى اسمها.

الطالبة التي أصبحت أمامه في الجامعة.

والآن...

اكتشف أنها بنت عمة أنس.

رفع عمر عينيه نحو مدخل العمارة من جديد، وكأنه ما زال غير قادر على تصديق ما حدث.

أما فارس وعدنان، فتبادلا نظرة حائرة، بينما كان أنس لا يزال ينظر إلى عمر منتظرًا أن يفهم منه سبب هذا التوتر المفاجئ.

وللمرة الأولى منذ أن عرف عمر أن جود أصبحت طالبة لديه...

شعر أن الأمور بدأت تأخذ اتجاهًا لم يكن يتوقعه إطلاقًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٣

    ظلوا مجتمعين لبعض الوقت، وكان الحديث يدور بهدوء حول الدراسة وما ينتظرهم خلال الفترة القادمة.لم يكن أحد يريد أن يفتح أي حديث يتعلق بنهال أو بما حدث خلال الأيام الماضية.كانوا جميعًا يحاولون أن يمنحوا جود مساحة من الهدوء، وأن يتعاملوا معها بصورة طبيعية قدر الإمكان، دون أن يشعرها أحد بأنها تحت المراقبة أو أن كل كلمة تقولها ستخضع للتفسير.قالت يارا وهي تنظر إلى عمر:— دكتور عمر، هو في مشاريع هتبدأ؟أجابها عمر بهدوء:— لا، رئيس القسم لسه بيحدد المشاريع، وممكن يبدأ يعلن عنها بعد أسبوع أو عشرة أيام بالكتير.قال فارس:— ممكن دي تبقى الحاجة الوحيدة اللي تشغل جود شوية.أومأت ليلى موافقة.— فعلًا، ضغط المشروع بيخلينا مش عارفين نفكر في حاجة تانية.ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، ثم قال:— أهو على الأقل نرجع نشوفها بتتخانق معانا على تقسيم الشغل.ضحكت يارا ضحكة بسيطة، بينما ابتسمت ليلى.أما عمر، فاكتفى بالنظر إلى الدرج للحظات، قبل أن يعيد عينيه إلى بقية المجموعة.ظل الحديث مستمرًا لدقائق.وفي الوقت نفسه، كانت جود قد بدأت تستيقظ في غرفتها بالطابق العلوي.فتحت عينيها ببطء.ظلت مستلقية للحظات دون حركة، تنظ

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٢

    مرت أيام قليلة على وفاة نهال، لكنها بدت وكأنها أطول مما ينبغي.كانت الأيام تمر ببطء شديد، وكأن الوقت نفسه فقد قدرته على الحركة بصورة طبيعية منذ رحيلها.وظلت جود على حالها.منذ عودتها من المستشفى، لم تخرج من غرفتها إلا للضرورة، ولم تتحدث مع أحد تقريبًا. كانت تقضي معظم وقتها جالسة في صمت، إما تحدق أمامها دون تركيز، أو تجلس بالقرب من نافذة غرفتها وتنظر إلى الخارج، لكن عينيها لم تكونا تبدوان وكأنهما تريان ما خلف الزجاج.كانت ترى الأشياء دون أن تشعر بها.تسمع الأصوات دون أن تتفاعل معها.وكأن جزءًا منها ظل عالقًا في اللحظة التي عرفت فيها أن والدتها لن تعود.كان أصدقاؤها يطمئنون عليها باستمرار.يسألون عنها، يتابعون حالتها، ويحرصون على ألا تبقى وحدها لفترات طويلة.أما ليلى ويارا، فكانتا تبيتان معها كل ليلة.لم تكونا تحاولان إجبارها على الحديث، ولا تطلبان منها أن تتوقف عن الحزن، ولا تقولان لها إنها يجب أن تكون أقوى.كان كل ما تفعلانه هو البقاء.تجلسان بالقرب منها، حتى لو قضت جود الساعات دون أن تنطق بكلمة واحدة.كان وجودهما بجوارها هو الطريقة الوحيدة التي استطاعتا بها أن تقولا لها إنهما لن تترك

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣١

    ظل الصمت يملأ الغرفة.كانت مريم لا تزال ممسكة بيد جود، بينما جلست جود إلى جوارها دون أن تتحرك تقريبًا.كانت عيناها مثبتتين على الأرض، وكأنها لا ترى ما حولها بالفعل.لم يكن في ملامحها أي تعبير واضح.لا بكاء.ولا حديث.ولا حتى محاولة لإخفاء ما تشعر به.فقط سكون ثقيل استقر عليها منذ الأمس.رفع طارق عينيه إليها للحظات، ثم قال بهدوء:— الدكتور قال إنك لازم ترتاحي.لم تجبه جود.فقط أومأت برأسها إيماءة صغيرة.فهم طارق أنها سمعت كلامه، لكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر.لذلك سكت مرة أخرى.كانت مريم تنظر إلى جود، تحاول أن تقول شيئًا.كلما فتحت فمها، شعرت أن الكلمات تتوقف في حلقها.ماذا يمكنها أن تقول لفتاة فقدت والدتها بالأمس؟أي جملة يمكن أن تخفف عنها؟لم تجد شيئًا.وفي النهاية، اكتفت بأن مررت يدها على شعر جود برفق.لم تتحرك جود.لكنها لم تبتعد أيضًا.ظلت ساكنة، وعيناها شاردتان أمامها.قالت مريم بصوت خافت:— لو احتجتي أي حاجة... كلميني.رفعت جود عينيها إليها.ظلت تنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول أن تستوعب الكلمات.ثم أومأت.كان ذلك كل ما استطاعت فعله.تنهدت مريم بخفة، ثم مسحت دموعها سريعًا قبل أن

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٠

    مرت دقائق قليلة، ثم بدأت مريم وطارق يستعدان للصعود إلى غرفة جود.لم يكن أي منهما يعرف ماذا سيقول لها.فالكلمات في مثل هذه اللحظات تبدو عاجزة، مهما كانت صادقة.كانت مريم تنظر إلى الدرج بين الحين والآخر، بينما ظل طارق جالسًا في صمت، يفكر في جود وفي حالتها منذ الأمس.نظرت ليلى إلى الدرج، ثم قالت بهدوء:— أنا هطلع أقول لجود إنكم طالعين لها.أومأت نادية.صعدت ليلى إلى الطابق العلوي بخطوات هادئة، حتى وصلت إلى باب غرفة جود.وقفت أمامه للحظات، ثم طرقت بخفة.— جود؟لم يأتِ رد.انتظرت قليلًا.ثم فتحت الباب ببطء.كانت جود جالسة على طرف السرير، في الوضع نفسه تقريبًا الذي تركتها عليه منذ قليل.كانت تنظر أمامها في صمت، وملامحها ساكنة تمامًا.دخلت ليلى وأغلقت الباب خلفها دون صوت، ثم اقتربت منها وجلست إلى جوارها.— جود...رفعت جود عينيها إليها.لم تقل شيئًا.ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، رغم الحزن الواضح في عينيها.قالت بهدوء:— ماما وبابا عمر طالعين يشوفوكي.ظلت جود تنظر إليها للحظات.لم يظهر على وجهها أي اعتراض، ولا أي رغبة في الحديث.فقط أومأت برأسها ببطء.فهمت ليلى أنها لا تريد الكلام.ولم تحاول أن

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٢٩

    في صباح اليوم التالي، ظل المنزل غارقًا في الصمت.لم يتغير شيء تقريبًا منذ الليلة الماضية.نفس الهدوء الثقيل.نفس الوجوه المرهقة.ونفس الشعور الذي يسيطر على الجميع، وكأن خبر وفاة نهال ما زال معلقًا في أرجاء المنزل، يرفض أن يصبح حقيقة يمكن استيعابها.كانت جود داخل غرفتها.جلست على طرف السرير، ويداها مسترخيتان إلى جوارها، بينما كانت عيناها معلقتين أمامها دون تركيز.لم تنم إلا لفترات قصيرة ومتقطعة.كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة والدتها.صوتها.ملامح وجهها.طريقتها في الحديث معها.وآخر مرة رأتها فيها.كانت التفاصيل تعود إليها بوضوح مؤلم، وكأن عقلها يرفض أن يسمح لها بالنسيان ولو للحظة.حاولت جود أن تستوعب الفكرة.أن نهال لن تدخل غرفتها مرة أخرى.لن تناديها.لن تجلس معها.لن تسمع صوتها.لكن عقلها ظل يرفض تصديق ذلك.كلما حاولت أن تقول لنفسها إن والدتها رحلت، شعرت وكأن الجملة لا تخصها.وكأنها تتحدث عن شخص آخر.شخص آخر فقد والدته.وليس هي.رفعت جود يدها إلى وجهها، وظلت تغطي عينيها للحظات.ثم أنزلتها ببطء.لم تبكِ.كانت دموعها قد جفّت، لكن الألم لم يختفِ.فقط تحول إلى شيء أثقل وأكثر صمتًا.

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٢٨

    وصلوا إلى المنزل بعد وقت قصير.ما إن دخلت جود حتى اتجهت مباشرة إلى غرفتها، دون أن تنظر إلى أحد أو تتوقف للحظة.تبعتها نادية وليلى ويارا، بينما ظل أنس في الخارج.وقف للحظات يراقب الباب الذي أُغلق خلف جود، ثم أطلق نفسًا طويلًا، وكأنه يحاول إخراج كل ما يحمله صدره من قلق منذ ساعات.أما عمر، فظل واقفًا في مكانه دون أن يتحدث.كانت عيناه معلقتين بباب غرفة جود.ظل ينظر إليه لعدة لحظات، ثم قال بهدوء:— أنا هروح البيت.رفع أنس عينيه إليه.كان يعرف أن عمر نفسه يحتاج إلى الراحة بعد هذا اليوم الطويل.قال له:— روح ارتاح يا عمر.أومأ عمر.لم يضف شيئًا، ثم غادر.---وصل عمر إلى منزله بعد وقت قصير.فتح الباب ودخل بهدوء.كانت والدته، مريم، تجلس في غرفة المعيشة، بينما كان والده، طارق، يتابع بعض الأوراق أمامه.ما إن رأته مريم حتى رفعت عينيها وابتسمت.— رجعت بدري.لم يجبها عمر.اكتفى بإلقاء مفاتيحه على الطاولة، ثم وقف للحظة وكأنه لا يعرف إلى أين يتجه.لاحظ طارق ملامحه فورًا.رفع عينيه عن الأوراق.— مالك؟هز عمر رأسه.— مفيش.ثم صعد إلى غرفته دون أن يضيف شيئًا.تابعته مريم بعينيها حتى اختفى عن نظرها.ثم ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status