تسجيل الدخولبدأ الشرخ يمتد عبر السقف ببطء.
في البداية كان مجرد خط رفيع، بالكاد يُرى وسط الخرسانة القديمة. ثم اتسع. وتشعب. وكأن قوة هائلة تضغط من الأعلى. تراجع سامر خطوة إلى الخلف، بينما رفع سلاحه نحو السقف بشكل غريزي. أما رهف فلم تستطع أن تبعد عينيها عن كريم. لأنها لم تره هكذا من قبل. منذ أن استعادته... منذ أن بدأت تتذكر أجزاء من الماضي... رأته غاضبًا. رأته حزينًا. ورأته خائفًا عليها. لكنها لم تر الرعب في عينيه إلا الآن. رعبًا حقيقيًا. عميقًا. كأنه عاد فجأة إلى أسوأ يوم في حياته. همست: — من هي ليلى؟ لم يجب. ظل ينظر إلى السقف فقط. وكأنه يعلم جيدًا ما الذي سيحدث بعد ثوانٍ. ثم قال بصوت خافت: — الشخص الذي كان يجب أن يموت بدلًا منك. شعرت رهف وكأن الكلمات صفعتها. لكنها لم تحصل على فرصة للسؤال. لأن جزءًا من السقف انهار فجأة. وتساقطت قطع الخرسانة فوق الأرض. وسط سحابة كثيفة من الغبار. وللحظة لم يرَ أحد شيئًا. --- عندما بدأ الغبار يتلاشى... ظهرت هيئة امرأة. كانت تقف فوق بقايا الخرسانة المنهارة وكأن سقوطها من الطابق العلوي لم يكلفها أي جهد. امرأة في منتصف الثلاثينات تقريبًا. شعر أسود طويل. ملامح هادئة. وجميلة بشكل لافت. لكن عينيها... كانتا أكثر ما يثير القلق. عينان بلا دفء. بلا غضب. بلا أي مشاعر واضحة. كأنها تنظر إلى العالم من خلف زجاج سميك. ابتسمت ببطء وهي تنظر إلى كريم. — مر وقت طويل. ساد الصمت. لم يجبها. فأمالت رأسها قليلًا. — ألا تشتاق إلى أصدقائك القدامى؟ قبض كريم يديه بقوة. — أنتِ لستِ ليلى. لأول مرة اتسعت ابتسامتها. — ما زلت تقول ذلك؟ --- شعرت رهف بأن شيئًا غير مفهوم يدور بينهما. تاريخ كامل. أسرار. وجروح قديمة لم تُروَ بعد. تقدمت ليلى خطوة. فرفع سامر سلاحه فورًا. — توقفي مكانك. التفتت نحوه ببطء. وكأنها تذكرت وجوده للتو. ثم قالت بهدوء: — ما زلت حيًا أنت أيضًا؟ بدت الإهانة في نبرتها أوضح من الكلمات نفسها. ضغط سامر على زناد السلاح. انطلقت الرصاصة. اخترقت الهواء بسرعة. واتجهت مباشرة نحو صدرها. لكن ما حدث بعدها جعل رهف تتجمد في مكانها. الرصاصة توقفت. توقفت في الهواء. على بعد سنتيمترات من جسد ليلى. وكأن الزمن نفسه قرر ألا يسمح لها بالوصول. ثم سقطت الرصاصة على الأرض. بهدوء. دون أن تترك أثرًا. اختفى اللون من وجه سامر. أما رهف فشعرت بأن عقلها يرفض استيعاب ما رأته. لكن ليلى لم تبدُ مهتمة. عادت تنظر إلى رهف. للمرة الأولى. بتركيز كامل. طويل. صامت. ثم ابتسمت. ابتسامة مختلفة هذه المرة. ابتسامة شخص وجد شيئًا ظل يبحث عنه لسنوات. — إذًا... هذه هي. شعرت رهف بانقباض في صدرها. — ماذا تريدين؟ أجابت ليلى بهدوء أربكها أكثر من أي تهديد: — أنقذك. ضحك سامر بسخرية. أما كريم فبدا أكثر توترًا. وقال فورًا: — لا تستمعي إليها. لكن ليلى تجاهلته تمامًا. وظلت تنظر إلى رهف. — أخبروك أنني وحش. أليس كذلك؟ لم ترد رهف. فأكملت: — أخبروك أنني تجربة فاشلة. أنني خطر. أنني السبب في كل ما حدث. ثم نظرت إلى كريم مباشرة. وأردفت بصوت أكثر حدة: — لكنهم نسوا أن يخبروك من بدأ كل شيء. ساد الصمت. وتصلبت ملامح كريم. أما رهف فشعرت أن الأرض تميل تحت قدميها مرة أخرى. كلما اقتربت من الحقيقة... اكتشفت أن الحقيقة السابقة لم تكن سوى جزء صغير من الصورة. قالت بصوت مرتجف: — ماذا تقصدين؟ اقتربت ليلى خطوة. ثم خطوة أخرى. حتى أصبحت على بعد أمتار قليلة منها. — هل أخبرك كيف متِّ فعلًا؟ اتسعت عينا رهف. أما كريم فاندفع خطوة للأمام. — كفى. لكن ليلى لم تتوقف. — هل أخبرك أن الحادث لم يكن حادثًا؟ أن أحدهم اتخذ قرارًا في ذلك اليوم؟ قرارًا غيّر حياة الجميع؟ شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف. كانت ترى التوتر في وجه كريم. وترى الغضب في عيني سامر. وترى الثقة المطلقة في عيني ليلى. ولأول مرة... لم تعد تعرف من يكذب. ومن يقول الحقيقة. ثم جاءت الجملة التي قلبت كل شيء. قالت ليلى وهي تنظر مباشرة إلى رهف: — أنتِ لم تكوني الهدف الحقيقي في ذلك اليوم. أنا كنت الهدف. والشخص الذي ضغط الزر... كان يقف بجوارك. صمتت للحظة. ثم وجهت نظرها نحو كريم. وأكملت: — وكان اسمه كريم. وفي اللحظة نفسها... انفجرت داخل رأس رهف ذكرى جديدة. ذكرى أكثر وضوحًا من أي شيء رأته من قبل. غرفة بيضاء. أجهزة إنذار تصرخ. لهب. دخان. وشخص يركض نحوها... لكن قبل أن تصل الصورة إلى نهايتها... سمعت صوتًا جديدًا قادمًا من الممر السري خلفهم. صوت خطوات أخرى. بطيئة. ومتعمدة. وكأن لاعبًا جديدًا قرر أخيرًا دخول اللعبة.بدأ الشرخ يمتد عبر السقف ببطء.في البداية كان مجرد خط رفيع، بالكاد يُرى وسط الخرسانة القديمة.ثم اتسع.وتشعب.وكأن قوة هائلة تضغط من الأعلى.تراجع سامر خطوة إلى الخلف، بينما رفع سلاحه نحو السقف بشكل غريزي.أما رهف فلم تستطع أن تبعد عينيها عن كريم.لأنها لم تره هكذا من قبل.منذ أن استعادته...منذ أن بدأت تتذكر أجزاء من الماضي...رأته غاضبًا.رأته حزينًا.ورأته خائفًا عليها.لكنها لم تر الرعب في عينيه إلا الآن.رعبًا حقيقيًا.عميقًا.كأنه عاد فجأة إلى أسوأ يوم في حياته.همست:— من هي ليلى؟لم يجب.ظل ينظر إلى السقف فقط.وكأنه يعلم جيدًا ما الذي سيحدث بعد ثوانٍ.ثم قال بصوت خافت:— الشخص الذي كان يجب أن يموت بدلًا منك.شعرت رهف وكأن الكلمات صفعتها.لكنها لم تحصل على فرصة للسؤال.لأن جزءًا من السقف انهار فجأة.وتساقطت قطع الخرسانة فوق الأرض.وسط سحابة كثيفة من الغبار.وللحظة لم يرَ أحد شيئًا.---عندما بدأ الغبار يتلاشى...ظهرت هيئة امرأة.كانت تقف فوق بقايا الخرسانة المنهارة وكأن سقوطها من الطابق العلوي لم يكلفها أي جهد.امرأة في منتصف الثلاثينات تقريبًا.شعر أسود طويل.ملامح هادئة.وجمي
للحظات طويلة لم يستطع أحد الكلام.بقيت رهف تحدق في الشاشة وكأن عقلها يرفض تفسير ما تراه عيناها.المرأة الواقفة أمام المبنى لم تكن تشبهها فقط.لم تكن قريبة الشبه منها.كانت هي.بنفس الملامح.بنفس لون العينين.حتى الانحناءة الخفيفة في الكتف الأيسر كانت موجودة.تفصيلة صغيرة لم يلاحظها أحد من قبل، لكنها كانت تعرفها جيدًا.شعرت وكأنها تنظر إلى انعكاسها في مرآة حية.لكن انعكاسًا يمتلك حياة مستقلة.وابتسامة أكثر برودة.وأسرارًا أكثر ظلمة.قطعت أنفاسها بصعوبة.— من هذه؟لم يجب أحد مباشرة.نظر سامر إلى كريم.بينما ظل كريم يراقب الشاشة بصمت طويل.صمت جعل القلق يتضاعف داخلها.ثم قال أخيرًا:— كنت أتمنى ألا نصل إلى هذه اللحظة أبدًا.التفتت إليه بسرعة.— من هي؟رفع عينيه إليها.وفي نظرته شيء من الذنب.شيء لم تره من قبل.— اسمها نور.ساد الصمت.— نور؟— كانت أول ناجحة.شعرت رهف بقشعريرة تسري في جسدها.— أول ناجحة في ماذا؟ابتسم سامر بسخرية مريرة.— في العودة من الموت.انكمش قلبها داخل صدرها.وكأن الكلمات تحولت إلى جليد.قالت بصوت مرتجف:— تقصد أنها...— كانت أول محاولة.أكمل كريم بهدوء.ثم أضاف:—
لم تتحدث رهف.كانت جالسة في مكانها، تحدق في كريم وكأنها تراه للمرة الأولى.وربما كانت كذلك بالفعل.ليس لأنه تغير.بل لأنها بدأت ترى أجزاءً منه لم تكن تعرف بوجودها.أجزاء أخفاها عنها الجميع... أو أخفاها الزمن نفسه.خارج النوافذ كان المطر يزداد قوة، بينما داخل الشقة بدا الهواء أثقل من أن يُتنفس.قال سامر أخيرًا:— أخبرها بالباقي.ظل كريم صامتًا للحظات.ثم جلس على المقعد المقابل لرهف.ببطء شديد.وكأن أي حركة مفاجئة قد تجعل كل شيء ينهار.رفع عينيه إليها.ولأول مرة منذ التقيا من جديد، لم تحاول نظراته الاختباء خلف أي شيء.لا أسرار.لا أقنعة.لا أكاذيب مريحة.فقط الحقيقة.الحقيقة كما هي.مؤلمة.وقاسية.ومتأخرة.قال بصوت منخفض:— عندما بدأ المشروع لم يكن هدفه السيطرة على الذكريات.كان هدفه إنقاذها.عقد سامر ذراعيه ساخرًا.— وهذه هي الكذبة التي كنت ترددها دائمًا.لكن كريم تجاهله.وأكمل كلامه وهو ينظر إلى رهف فقط.— قبل سبع سنوات حدثت كارثة داخل المختبر.تجمد شيء داخل رهف.سبع سنوات.هذا الرقم شعرت أنها سمعته من قبل.في مكان ما.في حلم.أو ذكرى لم تكتمل.— كنتِ هناك.قالها كريم بهدوء.— وأنا كن
الشقة رقم 17تجمد الزمن لثانية واحدة.الرجل الذي فتح الباب ظل واقفًا مكانه، وعيناه متسعتان بشكل واضح، كأنه رأى شخصًا لم يكن من المفترض أن يراه مجددًا.أما رهف، فشعرت بأنفاسها تتسارع.كانت تتوقع الكثير خلف هذا الباب.معلومات.إجابات.خيوطًا تقودها إلى كريم.لكنها لم تتوقع تلك النظرة.نظرة الخوف.الخوف الحقيقي.تراجع الرجل خطوة إلى الخلف دون وعي.ثم قال بصوت خرج مبحوحًا:— مستحيل...عقدت رهف حاجبيها.— تعرفني؟ساد الصمت.ثوانٍ طويلة مرت قبل أن يجيب.— كان المفروض إنك...وتوقف.كأنه ابتلع بقية الجملة في اللحظة الأخيرة.كان المفروض أنها ماذا؟تموت؟تختفي؟تنسى؟لم تعرف.لكنها رأت الإجابة في عينيه قبل أن ينطق بها.---استجمع الرجل نفسه بسرعة.وعادت ملامحه جامدة.باردة.مدروسة.كأن الانفعال الذي ظهر قبل لحظات لم يكن موجودًا أصلًا.ثم قال:— مين حضرتك؟كادت رهف تضحك.السؤال جاء متأخرًا جدًا.قالت وهي ترفع الصورة القديمة أمامه:— أعتقد إننا نقدر نوفر على بعض مرحلة التمثيل.تغير لون وجهه مجددًا.بشكل طفيف.لكنها لاحظته.لاحظت أيضًا كيف انتقلت عيناه بسرعة إلى الصورة.ثم إلى الدفتر الموجود تحت ذ
حين أُغلقت الرسائللم يحدث شيء.على الأقل… هذا ما ظنته رهف في البداية.لا انفجار.لا ضوء أبيض يبتلع العالم.لا أصوات غامضة تأتي من الفراغ.فقط صمت.صمت عميق لدرجة أنها سمعت نبض قلبها بوضوح.ثم فتحت عينيها.---كانت مستلقية فوق سرير.سقف أبيض.ستائر تتحرك مع الهواء.ورائحة مطهرات خفيفة.للحظة واحدة فقط…شعرت أن كل ما حدث كان حلمًا.كابوسًا طويلًا وانتهى.لكن الشعور اختفى سريعًا.لأنها انتبهت لشيء أهم.كانت وحدها.---جلست ببطء.ألم خفيف ضرب رأسها.وكأن عقلها يحاول إعادة ترتيب نفسه.نظرت حولها.غرفة بسيطة.نافذة.خزانة صغيرة.كرسي بجوار السرير.ولا شيء آخر.ولا أحد.---"كريم؟"خرج الاسم من شفتيها تلقائيًا.ثم تجمدت.لماذا نادت عليه أولًا؟لماذا لم تسأل أين هي؟أو ماذا حدث؟لماذا كان أول شيء بحثت عنه هو هو؟الباب انفتح فجأة.ودخلت امرأة في منتصف الأربعينات.ترتدي معطفًا أبيض.ابتسمت عندما رأت رهف مستيقظة."أخيرًا."رهف عقدت حاجبيها."أنا فين؟"المرأة اقتربت."في المستشفى.""ليه؟"ترددت المرأة للحظة.ثم قالت:"اتعرضتي لحادث من أسبوعين."أسبوعين؟شعرت رهف بأن قلبها توقف."مستحيل."---الم
الضوء ما اختفاش.بس سكن.زي ما يكون المكان أخد نفس طويل وقرر ما يطلّعوش.رهف فتحت عينيها ببطء.المرة دي مفيش مرايات.ولا ممرات.ولا أصوات بتتكلم من الجدران.بس في إحساس واحد واضح…إن كل حاجة اتغيّرت من غير ما تتحرك.---كانت واقفة في شارع عادي جدًا.إضاءة صفراء من أعمدة قديمة.ناس ماشية.عربيات.صوت مدينة.حياة شكلها طبيعي.بس فيه حاجة مش مظبوطة.كأنها مش داخلة في الصورة… هي مجرد واقفة جنبها.---بصّت حواليها."كريم؟"---مفيش رد.لكن في جيبها…ورقة.---طلعتها ببطء.مكتوب عليها بخط إيدها هي:"لو وصلتي هنا… ما تدوريش عليه. هتلاقيه لما تبطلي تدوري."---سكتت.وبصّت للورقة."أنا اللي كتبت ده؟"---وفجأة…إحساس خفيف على إيدها.دفي.مش مرعب.مألوف.---رفعت عينها.كريم واقف على بعد خطوات.بس المرة دي…مش زي قبل.مش متقطع.مش ظل.حقيقي.هادئ.وبيتنفس زيها بالظبط.---ابتسم."أخيرًا خرجتي من الرسالة."---رهف بصت له بحذر."إحنا خرجنا من إيه بالظبط؟"---كريم هز كتفه."من النسخ اللي كانوا بيكتبونا."---سكت لحظة.وبعدين قال:"دي أول مرة نبقى إحنا اللي بنختار الجملة اللي بعدها."---الصمت وقع
في الظلام الكامل…لم يكن هناك شيء سوى التنفس.أنفاس متقطعة.مضطربة.كأن كل شخص داخل الغرفة يحاول التأكد أنه ما زال حيًا.ثم…بدأ الضوء يعود ببطء.واحد من المصابيح القديمة في السقف أضاء بنصف طاقته فقط.كأن المستشفى نفسه يرفض أن يفتح عينيه بالكامل.رهف كانت أول من تحرك.كانت ما زالت جالسة على الأرض.
ظهرت الطفلة على الشاشة كأنها خرجت من داخل الظلام نفسه.ابتسامة هادئة.عينان ثابتتان بشكل غير طبيعي لطفلة في هذا العمر.ثم بدأ الاسم يظهر ببطء على الشاشة.حرفًا حرفًا.وكأن الجهاز نفسه يتردد في نطقه.سـ ــلـ ــمـ ــىثم توقفت الصورة.لكن الصدمة لم تتوقف.لأن الاسم لم يكن جديدًا.كانوا يعرفون سلمى.ل
الخائنه"رفيف."ترددت الكلمة داخل الغرفة.ثقيلة.صادمة.مستحيلة.لثوانٍ طويلة لم يتحرك أحد.حتى رفيف نفسها.كانت تنظر إلى كريم وكأنها لم تستوعب ما قاله.أما رهف...فشعرت بأن عقلها يرفض التصديق.بعد كل شيء مروا به.بعد كل المخاطر.بعد كل اللحظات التي وقفت فيها رفيف بجانبها.كيف يمكن أن تكون هي الخائ
خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدو







