Home / الرومانسية / رسائل لم تُرسل / الفصل التاسع و الثلاثون

Share

الفصل التاسع و الثلاثون

last update publish date: 2026-06-24 18:18:50

للحظات طويلة لم يستطع أحد الكلام.

بقيت رهف تحدق في الشاشة وكأن عقلها يرفض تفسير ما تراه عيناها.

المرأة الواقفة أمام المبنى لم تكن تشبهها فقط.

لم تكن قريبة الشبه منها.

كانت هي.

بنفس الملامح.

بنفس لون العينين.

حتى الانحناءة الخفيفة في الكتف الأيسر كانت موجودة.

تفصيلة صغيرة لم يلاحظها أحد من قبل، لكنها كانت تعرفها جيدًا.

شعرت وكأنها تنظر إلى انعكاسها في مرآة حية.

لكن انعكاسًا يمتلك حياة مستقلة.

وابتسامة أكثر برودة.

وأسرارًا أكثر ظلمة.

قطعت أنفاسها بصعوبة.

— من هذه؟

لم يجب أحد مباشرة.

نظر سامر إلى كريم.

بينما ظل كريم يراقب الشاشة بصمت طويل.

صمت جعل القلق يتضاعف داخلها.

ثم قال أخيرًا:

— كنت أتمنى ألا نصل إلى هذه اللحظة أبدًا.

التفتت إليه بسرعة.

— من هي؟

رفع عينيه إليها.

وفي نظرته شيء من الذنب.

شيء لم تره من قبل.

— اسمها نور.

ساد الصمت.

— نور؟

— كانت أول ناجحة.

شعرت رهف بقشعريرة تسري في جسدها.

— أول ناجحة في ماذا؟

ابتسم سامر بسخرية مريرة.

— في العودة من الموت.

انكمش قلبها داخل صدرها.

وكأن الكلمات تحولت إلى جليد.

قالت بصوت مرتجف:

— تقصد أنها...

— كانت أول محاولة.

أكمل كريم بهدوء.

ثم أضاف:

— وأكبر خطأ ارتكبته في حياتي.

خارج المبنى بدأ الأشخاص الخمسة بالتحرك.

ببطء.

بثقة.

وكأنهم يعرفون أن الوقت يعمل لصالحهم.

أما داخل الشقة فكانت الحقيقة تنكشف طبقة بعد أخرى.

طبقات أثقل من أن تُحتمل.

اقتربت رهف من النافذة.

لكن كريم أمسك معصمها برفق.

التفتت نحوه.

فوجدت القلق واضحًا في عينيه.

— لا تقتربي منها.

— لماذا؟

— لأنها ليست كما تبدو.

ابتسمت بمرارة.

— ولا شيء في حياتي يبدو كما هو.

للحظة عجز عن الرد.

لأنه كان يعلم أنها محقة.

---

في الأسفل توقفت نور أمام مدخل العمارة.

رفعت رأسها ببطء.

ونظرت مباشرة إلى النافذة التي يقفون خلفها.

المسافة بينهما كانت كبيرة.

لكن رهف شعرت أن تلك المرأة تراها بوضوح.

شعرت بذلك بطريقة غريزية.

مخيفة.

ثم حدث شيء أغرب.

ابتسمت نور.

الابتسامة نفسها التي كانت ترتسم أحيانًا على وجه رهف دون أن تشعر.

الابتسامة التي كانت أمها تقول دائمًا إنها تجعلها تبدو مختلفة.

أبعد.

أبرد.

أخطر.

---

همست رهف:

— لماذا أشعر أنني أعرفها؟

أجاب كريم بصوت خافت:

— لأن جزءًا منك يعرفها فعلًا.

التفتت إليه.

فأكمل:

— قبل أن تعودي... كانت هي الأقرب لأن تصبح أنت.

---

ضربت الكلمات عقلها كالصاعقة.

أقرب لأن تصبح أنت.

ما معنى ذلك؟

وكم شخصًا آخر كان موجودًا قبلها؟

وكم مرة حاول كريم إعادة شخص مات؟

---

فجأة عاد ذلك السؤال الذي كانت تهرب منه.

هل أحبها لأنها هي؟

أم لأنها نجحت حيث فشل الآخرون؟

---

لم تكن تريد سماع الإجابة.

ولم تكن تريد التفكير فيها.

لكن الشك دخل قلبها بالفعل.

---

لاحظ كريم التغير في ملامحها.

ورأى المسافة الصغيرة التي بدأت تنشأ بينهما.

مسافة لا تُقاس بالأمتار.

بل بالخوف.

والشك.

والحقيقة.

اقترب خطوة.

— رهف...

لكنها لم تنظر إليه.

سألت سؤالًا آخر.

السؤال الذي كان يؤلم أكثر من أي شيء.

— هل أحببتها؟

ساد الصمت.

حتى سامر رفع رأسه نحوه.

منتظرًا الإجابة.

---

خارج المبنى دوى الرعد في السماء.

وكأن العالم نفسه ينتظر.

---

أغمض كريم عينيه للحظة.

ثم قال:

— لا.

رفعت رهف نظرها إليه.

---

— حاولت أن أقنع نفسي بذلك.

حاولت أن أرى في كل نسخة جزءًا منك.

لكن الحقيقة أنني كنت أبحث عنك أنت فقط.

---

توقفت أنفاسها للحظة.

لأن الصدق في صوته كان مؤلمًا.

وحقيقيًا.

إلى درجة مخيفة.

---

— وعندما ظهرتِ...

أكمل بهدوء.

— عرفت الفرق لأول مرة.

---

ارتبك قلبها.

لكنها لم تمنح نفسها فرصة للاستسلام لذلك الشعور.

ليس الآن.

ليس وسط كل هذا الجنون.

---

في تلك اللحظة دوى صوت انفجار في الطابق السفلي.

اهتزت العمارة بالكامل.

وتناثرت بعض قطع الجص من السقف.

قفز سامر نحو النافذة.

ثم لعن بصوت منخفض.

— لقد دخلوا.

---

تجمد الجميع.

---

الخطوات بدأت ترتفع عبر السلالم.

هذه المرة لم تكن بطيئة.

كانت سريعة.

وحاسمة.

---

أما نور...

فلم تتحرك.

ظلت واقفة في الخارج تحت المطر.

تراقب المبنى فقط.

وكأنها تعرف بالضبط ما سيحدث في الداخل.

---

وفجأة رفعت يدها.

وأشارت نحو النافذة.

نحو رهف مباشرة.

ثم وضعت إصبعها على شفتيها.

في إشارة غامضة.

وكأنها تقول:

"لا تخبريهم."

---

شعرت رهف ببرودة تجتاح جسدها بالكامل.

لأنها فهمت شيئًا مرعبًا في تلك اللحظة.

نور لم تأتِ لتقتلها.

نور جاءت لتخبرها شيئًا.

شيئًا لا يريد كريم ولا سامر أن تعرفه.

وفي الخارج...

وسط المطر والعتمة...

كانت النسخة الأخرى تبتسم.

وكأن اللعبة الحقيقية لم تبدأ بعد.

لم تستطع رهف إبعاد عينيها عن نور.

رغم المسافة.

رغم المطر الذي بدأ يزداد كثافة.

ورغم الزجاج الفاصل بينهما.

كان هناك شيء غير مرئي يربطهما.

خيط خفي من الأسئلة والخوف والفضول.

شعور غريب بأنها لا تنظر إلى شخص غريب.

بل إلى جزء ضائع من نفسها.

جزء لم تكن تعلم بوجوده.

---

دوى انفجار آخر في الأسفل.

هذه المرة أقرب.

وأعنف.

اهتزت النوافذ بقوة.

فتراجع الجميع خطوة للخلف.

إلا رهف.

بقيت مكانها.

تراقب نور.

حتى اختفت الأخيرة من مجال رؤيتها.

كأنها تعمدت ذلك.

كأنها أوصلت الرسالة التي جاءت من أجلها ثم رحلت.

---

اندفع سامر نحو الخزانة المعدنية الموجودة بجوار الحائط.

فتحها بسرعة.

وأخرج حقيبة سوداء صغيرة.

ثم التفت إليهما.

— يجب أن نغادر الآن.

---

لم يتحرك كريم.

كان ينظر إلى الدرج المؤدي للأسفل.

يصغي.

يحسب المسافة.

عدد الأشخاص.

وسرعة اقترابهم.

---

ثم قال بهدوء أثار أعصاب سامر أكثر:

— لم يأتوا من أجلنا.

---

— ماذا؟

---

— جاءوا من أجلها.

وأشار إلى رهف.

---

ساد صمت ثقيل.

---

رهف شعرت بانقباض في صدرها.

فهي منذ استيقظت من المستشفى والجميع يتعامل معها وكأنها مفتاح شيء خطير.

شيء أكبر منها بكثير.

لكن لا أحد يخبرها ما هو.

---

التفتت إلى كريم.

— أريد إجابة واضحة.

لماذا يطاردونني؟

---

رفع نظره إليها.

وفي عينيه تردد نادر.

ثم قال:

— لأنك آخر شخص يملك الحقيقة كاملة.

---

عقدت حاجبيها.

— أي حقيقة؟

---

قبل أن يجيب...

صدرت طلقة نارية في الطابق السفلي.

ثم أخرى.

ثم صرخات مكتومة.

---

شحب وجه سامر.

— اللعنة.

لقد وصلوا أسرع مما توقعت.

---

أغلق الحقيبة بعنف.

ثم اتجه إلى باب خلفي مخفي وسط الجدار.

ضغط على جزء معين من الخشب.

فصدر صوت ميكانيكي خافت.

وتحرك الجدار ببطء.

كاشفًا عن ممر ضيق مظلم.

---

نظرت رهف إليه بدهشة.

---

— ما هذا؟

---

— طريق هروب.

أجاب سامر بسرعة.

— جهزته منذ سنوات.

---

ابتسم كريم بسخرية خفيفة رغم الموقف.

— كنت تعلم أن هذه اللحظة ستأتي.

---

أجابه سامر ببرود:

— كنت أعرف أنك ستسببها يومًا ما.

---

لم يكن الوقت مناسبًا للنقاش.

بدأت أصوات الأقدام تقترب أكثر.

وأصبح بالإمكان سماع أوامر قصيرة تصدر من الخارج.

---

تقدم سامر نحو الممر.

— هيا.

الآن.

---

لكن رهف لم تتحرك.

---

ظل سؤال واحد يطاردها.

نور.

---

التفتت إلى كريم.

— من تكون حقًا؟

---

عرف فورًا أنها لا تقصد نفسها هذه المرة.

بل نور.

---

تنهد ببطء.

ثم قال:

— عندما ماتتِ في المختبر...

كنت أرفض تصديق الأمر.

---

انخفض صوته أكثر.

---

— قضيت شهورًا أحاول إعادة كل ثانية من ذلك اليوم.

كل تسجيل.

كل ملف.

كل معلومة.

---

كان يتحدث وكأنه يعيد عيش الذكرى.

---

— ثم بدأ المشروع.

في البداية كنا نظن أننا نستطيع حفظ الوعي البشري.

مجرد نسخة رقمية.

ذاكرة فقط.

---

توقف.

ثم أكمل:

— لكن الأمور خرجت عن السيطرة.

---

اقتربت رهف خطوة.

---

— ونور؟

---

أغلق عينيه للحظة.

---

— نور كانت أول شخص استعاد ذاكرته بالكامل.

---

صمت.

---

— لكنها لم تستعد روحه.

---

لم تفهم.

لكنها شعرت بالخوف من الجملة.

---

قال كريم:

— كانت تتذكر كل شيء.

كل التفاصيل.

كل الذكريات.

لكنها لم تعد تشعر بها.

---

ساد الصمت.

---

— كانت تعرف من أحب.

ومن أكره.

ومن فقدت.

لكنها لم تكن تشعر بأي شيء تجاههم.

---

شعرت رهف بقشعريرة تسري في جسدها.

---

— وكأنها...

---

— نسخة بلا قلب.

أكمل كريم.

---

لأول مرة ظهر الألم الحقيقي في صوته.

---

— لهذا السبب أوقفت المشروع.

---

ضحك سامر ضحكة قصيرة خالية من المرح.

---

— بعد أن دمرت حياة الجميع.

---

لكن كريم لم يرد.

---

لأنه لم يكن يملك ردًا.

---

وفجأة...

تجمد الثلاثة في أماكنهم.

صوت جديد صدر من خارج الشقة.

صوت خطوات.

لكنها لم تكن في الممر.

كانت فوق السقف مباشرة.

خطوات بطيئة.

متأنية.

كما لو أن شخصًا ما يمشي فوق رؤوسهم.

رفع سامر سلاحه فورًا.

بينما اتجهت أنظار كريم إلى الأعلى.

أما رهف...

فشعرت بأن قلبها توقف.

لأنها تعرف هذا الإيقاع.

تعرفه جيدًا.

خطوة...

توقف.

خطوتان.

توقف.

ثم ثلاث خطوات متتالية.

---

نفس الإيقاع الذي كانت تسمعه في أحلامها منذ طفولتها.

الأحلام التي كانت تستيقظ بعدها وهي تبكي دون أن تعرف السبب.

---

وفجأة...

جاء صوت امرأة من أعلى السقف.

واضح.

هادئ.

ومرعب.

— كريم...

لقد تأخرت كثيرًا.

اختفى اللون من وجهه فورًا.

همست رهف:

— من هذه؟

لكنها عرفت الإجابة قبل أن ينطق.

لأن الخوف الذي ظهر في عينيه هذه المرة...

لم يكن خوف رجل يواجه عدوًا.

بل خوف رجل يواجه ماضيه.

ثم قال اسمًا لم تسمعه من قبل.

اسمًا جعل سامر يشحب هو الآخر.

— ليلى.

وفي اللحظة التالية...

بدأ السقف يتشقق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الاربعون

    بدأ الشرخ يمتد عبر السقف ببطء.في البداية كان مجرد خط رفيع، بالكاد يُرى وسط الخرسانة القديمة.ثم اتسع.وتشعب.وكأن قوة هائلة تضغط من الأعلى.تراجع سامر خطوة إلى الخلف، بينما رفع سلاحه نحو السقف بشكل غريزي.أما رهف فلم تستطع أن تبعد عينيها عن كريم.لأنها لم تره هكذا من قبل.منذ أن استعادته...منذ أن بدأت تتذكر أجزاء من الماضي...رأته غاضبًا.رأته حزينًا.ورأته خائفًا عليها.لكنها لم تر الرعب في عينيه إلا الآن.رعبًا حقيقيًا.عميقًا.كأنه عاد فجأة إلى أسوأ يوم في حياته.همست:— من هي ليلى؟لم يجب.ظل ينظر إلى السقف فقط.وكأنه يعلم جيدًا ما الذي سيحدث بعد ثوانٍ.ثم قال بصوت خافت:— الشخص الذي كان يجب أن يموت بدلًا منك.شعرت رهف وكأن الكلمات صفعتها.لكنها لم تحصل على فرصة للسؤال.لأن جزءًا من السقف انهار فجأة.وتساقطت قطع الخرسانة فوق الأرض.وسط سحابة كثيفة من الغبار.وللحظة لم يرَ أحد شيئًا.---عندما بدأ الغبار يتلاشى...ظهرت هيئة امرأة.كانت تقف فوق بقايا الخرسانة المنهارة وكأن سقوطها من الطابق العلوي لم يكلفها أي جهد.امرأة في منتصف الثلاثينات تقريبًا.شعر أسود طويل.ملامح هادئة.وجمي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل التاسع و الثلاثون

    للحظات طويلة لم يستطع أحد الكلام.بقيت رهف تحدق في الشاشة وكأن عقلها يرفض تفسير ما تراه عيناها.المرأة الواقفة أمام المبنى لم تكن تشبهها فقط.لم تكن قريبة الشبه منها.كانت هي.بنفس الملامح.بنفس لون العينين.حتى الانحناءة الخفيفة في الكتف الأيسر كانت موجودة.تفصيلة صغيرة لم يلاحظها أحد من قبل، لكنها كانت تعرفها جيدًا.شعرت وكأنها تنظر إلى انعكاسها في مرآة حية.لكن انعكاسًا يمتلك حياة مستقلة.وابتسامة أكثر برودة.وأسرارًا أكثر ظلمة.قطعت أنفاسها بصعوبة.— من هذه؟لم يجب أحد مباشرة.نظر سامر إلى كريم.بينما ظل كريم يراقب الشاشة بصمت طويل.صمت جعل القلق يتضاعف داخلها.ثم قال أخيرًا:— كنت أتمنى ألا نصل إلى هذه اللحظة أبدًا.التفتت إليه بسرعة.— من هي؟رفع عينيه إليها.وفي نظرته شيء من الذنب.شيء لم تره من قبل.— اسمها نور.ساد الصمت.— نور؟— كانت أول ناجحة.شعرت رهف بقشعريرة تسري في جسدها.— أول ناجحة في ماذا؟ابتسم سامر بسخرية مريرة.— في العودة من الموت.انكمش قلبها داخل صدرها.وكأن الكلمات تحولت إلى جليد.قالت بصوت مرتجف:— تقصد أنها...— كانت أول محاولة.أكمل كريم بهدوء.ثم أضاف:—

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و الثلاثون

    لم تتحدث رهف.كانت جالسة في مكانها، تحدق في كريم وكأنها تراه للمرة الأولى.وربما كانت كذلك بالفعل.ليس لأنه تغير.بل لأنها بدأت ترى أجزاءً منه لم تكن تعرف بوجودها.أجزاء أخفاها عنها الجميع... أو أخفاها الزمن نفسه.خارج النوافذ كان المطر يزداد قوة، بينما داخل الشقة بدا الهواء أثقل من أن يُتنفس.قال سامر أخيرًا:— أخبرها بالباقي.ظل كريم صامتًا للحظات.ثم جلس على المقعد المقابل لرهف.ببطء شديد.وكأن أي حركة مفاجئة قد تجعل كل شيء ينهار.رفع عينيه إليها.ولأول مرة منذ التقيا من جديد، لم تحاول نظراته الاختباء خلف أي شيء.لا أسرار.لا أقنعة.لا أكاذيب مريحة.فقط الحقيقة.الحقيقة كما هي.مؤلمة.وقاسية.ومتأخرة.قال بصوت منخفض:— عندما بدأ المشروع لم يكن هدفه السيطرة على الذكريات.كان هدفه إنقاذها.عقد سامر ذراعيه ساخرًا.— وهذه هي الكذبة التي كنت ترددها دائمًا.لكن كريم تجاهله.وأكمل كلامه وهو ينظر إلى رهف فقط.— قبل سبع سنوات حدثت كارثة داخل المختبر.تجمد شيء داخل رهف.سبع سنوات.هذا الرقم شعرت أنها سمعته من قبل.في مكان ما.في حلم.أو ذكرى لم تكتمل.— كنتِ هناك.قالها كريم بهدوء.— وأنا كن

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و الثلاثون

    الشقة رقم 17تجمد الزمن لثانية واحدة.الرجل الذي فتح الباب ظل واقفًا مكانه، وعيناه متسعتان بشكل واضح، كأنه رأى شخصًا لم يكن من المفترض أن يراه مجددًا.أما رهف، فشعرت بأنفاسها تتسارع.كانت تتوقع الكثير خلف هذا الباب.معلومات.إجابات.خيوطًا تقودها إلى كريم.لكنها لم تتوقع تلك النظرة.نظرة الخوف.الخوف الحقيقي.تراجع الرجل خطوة إلى الخلف دون وعي.ثم قال بصوت خرج مبحوحًا:— مستحيل...عقدت رهف حاجبيها.— تعرفني؟ساد الصمت.ثوانٍ طويلة مرت قبل أن يجيب.— كان المفروض إنك...وتوقف.كأنه ابتلع بقية الجملة في اللحظة الأخيرة.كان المفروض أنها ماذا؟تموت؟تختفي؟تنسى؟لم تعرف.لكنها رأت الإجابة في عينيه قبل أن ينطق بها.---استجمع الرجل نفسه بسرعة.وعادت ملامحه جامدة.باردة.مدروسة.كأن الانفعال الذي ظهر قبل لحظات لم يكن موجودًا أصلًا.ثم قال:— مين حضرتك؟كادت رهف تضحك.السؤال جاء متأخرًا جدًا.قالت وهي ترفع الصورة القديمة أمامه:— أعتقد إننا نقدر نوفر على بعض مرحلة التمثيل.تغير لون وجهه مجددًا.بشكل طفيف.لكنها لاحظته.لاحظت أيضًا كيف انتقلت عيناه بسرعة إلى الصورة.ثم إلى الدفتر الموجود تحت ذ

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و الثلاثون

    حين أُغلقت الرسائللم يحدث شيء.على الأقل… هذا ما ظنته رهف في البداية.لا انفجار.لا ضوء أبيض يبتلع العالم.لا أصوات غامضة تأتي من الفراغ.فقط صمت.صمت عميق لدرجة أنها سمعت نبض قلبها بوضوح.ثم فتحت عينيها.---كانت مستلقية فوق سرير.سقف أبيض.ستائر تتحرك مع الهواء.ورائحة مطهرات خفيفة.للحظة واحدة فقط…شعرت أن كل ما حدث كان حلمًا.كابوسًا طويلًا وانتهى.لكن الشعور اختفى سريعًا.لأنها انتبهت لشيء أهم.كانت وحدها.---جلست ببطء.ألم خفيف ضرب رأسها.وكأن عقلها يحاول إعادة ترتيب نفسه.نظرت حولها.غرفة بسيطة.نافذة.خزانة صغيرة.كرسي بجوار السرير.ولا شيء آخر.ولا أحد.---"كريم؟"خرج الاسم من شفتيها تلقائيًا.ثم تجمدت.لماذا نادت عليه أولًا؟لماذا لم تسأل أين هي؟أو ماذا حدث؟لماذا كان أول شيء بحثت عنه هو هو؟الباب انفتح فجأة.ودخلت امرأة في منتصف الأربعينات.ترتدي معطفًا أبيض.ابتسمت عندما رأت رهف مستيقظة."أخيرًا."رهف عقدت حاجبيها."أنا فين؟"المرأة اقتربت."في المستشفى.""ليه؟"ترددت المرأة للحظة.ثم قالت:"اتعرضتي لحادث من أسبوعين."أسبوعين؟شعرت رهف بأن قلبها توقف."مستحيل."---الم

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و الثلاثون

    الضوء ما اختفاش.بس سكن.زي ما يكون المكان أخد نفس طويل وقرر ما يطلّعوش.رهف فتحت عينيها ببطء.المرة دي مفيش مرايات.ولا ممرات.ولا أصوات بتتكلم من الجدران.بس في إحساس واحد واضح…إن كل حاجة اتغيّرت من غير ما تتحرك.---كانت واقفة في شارع عادي جدًا.إضاءة صفراء من أعمدة قديمة.ناس ماشية.عربيات.صوت مدينة.حياة شكلها طبيعي.بس فيه حاجة مش مظبوطة.كأنها مش داخلة في الصورة… هي مجرد واقفة جنبها.---بصّت حواليها."كريم؟"---مفيش رد.لكن في جيبها…ورقة.---طلعتها ببطء.مكتوب عليها بخط إيدها هي:"لو وصلتي هنا… ما تدوريش عليه. هتلاقيه لما تبطلي تدوري."---سكتت.وبصّت للورقة."أنا اللي كتبت ده؟"---وفجأة…إحساس خفيف على إيدها.دفي.مش مرعب.مألوف.---رفعت عينها.كريم واقف على بعد خطوات.بس المرة دي…مش زي قبل.مش متقطع.مش ظل.حقيقي.هادئ.وبيتنفس زيها بالظبط.---ابتسم."أخيرًا خرجتي من الرسالة."---رهف بصت له بحذر."إحنا خرجنا من إيه بالظبط؟"---كريم هز كتفه."من النسخ اللي كانوا بيكتبونا."---سكت لحظة.وبعدين قال:"دي أول مرة نبقى إحنا اللي بنختار الجملة اللي بعدها."---الصمت وقع

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع و الثلاثون

    الضوء ما كانش اختفاء…كان بداية.حروف بتتكتب في الفراغ.مش على ورق.لكن على الواقع نفسه.كأن العالم بقى دفتر مفتوح.---رهف واقفة جنب كريم.إيدهم لسه متشابكة.بس الإحساس مختلف.مش أمان كامل…ولا خوف كامل.حاجة بين الاتنين.زي أول مرة قلبك يفهم إنه بيحب… ومش متأكد إذا كان ده صح ولا خطر.---قالت رهف

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث و الثلاثون

    الصوت كان جاي من كل اتجاه. أوراق بتتفتح… حروف بتتكتب لوحدها… ورسائل كأنها بتتنفس لأول مرة. الظلام في الغرفة ما كانش صمت. كان ذاكرة بتتحرك. --- رهف واقفة في النص. إيديها لسه في مكانها… على صدرها. لكن مش حاسة بجسمها. حاسة بحاجات أبعد. حاجة بتتفتح جواها واحدة واحدة، من غير إذنها. --- "تم

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثاني و الثلاثون

    لضوء كان بيقفل ببطء…والغرفة كلها بتتنفس آخر نفس قبل الانهيار.صوت الباب رقم 17 بقى أقرب للإغلاق.مش بيقفل عادي…ده بيبتلع المكان.---رهف واقفة في النص.بين كريم…وبين الطفلة اللي اسمها “النموذج صفر”.وبين صوت نجلاء اللي لسه عالق في الهواء:"لو خرجتوا معاه… هتموتوا الحقيقة للأبد."كلمة “الحقيقة” ن

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الحادي و الثلاثون

    في الظلام الكامل…لم يكن هناك شيء سوى التنفس.أنفاس متقطعة.مضطربة.كأن كل شخص داخل الغرفة يحاول التأكد أنه ما زال حيًا.ثم…بدأ الضوء يعود ببطء.واحد من المصابيح القديمة في السقف أضاء بنصف طاقته فقط.كأن المستشفى نفسه يرفض أن يفتح عينيه بالكامل.رهف كانت أول من تحرك.كانت ما زالت جالسة على الأرض.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status