Se connecterالضوء ما كانش اختفاء…
كان بداية. حروف بتتكتب في الفراغ. مش على ورق. لكن على الواقع نفسه. كأن العالم بقى دفتر مفتوح. --- رهف واقفة جنب كريم. إيدهم لسه متشابكة. بس الإحساس مختلف. مش أمان كامل… ولا خوف كامل. حاجة بين الاتنين. زي أول مرة قلبك يفهم إنه بيحب… ومش متأكد إذا كان ده صح ولا خطر. --- قالت رهف بصوت هادي: "إحنا فين دلوقتي؟" كريم بص حواليه. الممر الأبيض اختفى. وبدل منه… غرفة صغيرة جدًا. مليانة مرايات. بس كل مراية بتعكس حاجة مختلفة. مش نفس الشكل. مش نفس العمر. مش نفس الحياة. --- "ده مش مكان…" قال كريم بصوت منخفض. "ده قرار." --- رهف اقتربت من أقرب مراية. فيها كانت شايفة نفسها… بس مش زي دلوقتي. أهدى. أكتر برودًا. وعينيها مش فيها أي ذاكرة. --- همست: "دي أنا… لو ما افتكرتش؟" --- من وراها، الطفل الرابع ظهر تاني. بدون صوت خطوات. كأنه كان موجود من البداية. وقال: "أيوه." "ودي النسخة اللي النظام بيحبها أكتر." --- كريم لف له بسرعة: "إنت عايز إيه؟" --- الطفل ابتسم: "أنا مش عايز حاجة." "أنا بس بحافظ على التوازن." --- رهف بصت له: "توازن إيه؟" --- رد بهدوء: "بين اللي بيفتكر… واللي لازم ينسى." --- وفجأة… كل المرايات اشتغلت في نفس اللحظة. --- مشاهد. مشهد واحد متكرر لكن بنهايات مختلفة: رهف بتسيب كريم وتمشي رهف بتفضل وتنسى نفسها رهف بتموت في ممر أبيض رهف بتقف قدامه وتقول "أنا مش هتتكتب تاني" --- كريم شدّ على إيده: "إنت بتعرض احتمالات… مش حقائق." --- الطفل هز رأسه: "في عالم الرسائل… مفيش حقيقة واحدة." --- ثم نظر لرهف: "فيه بس اختيار بيتكتب عليه النهاية." --- الصمت وقع. --- رهف رجعت خطوة. "ولو أنا اخترت؟" --- الطفل قرب منها: "هتخسري حاجة." --- "كل اختيار هنا… بيشيل رسالة." --- كريم بص لها بسرعة: "متختاريش لوحدك." --- لكن رهف ما ردتش عليه. كانت عينيها على المرايات. على نسخها. على احتمالاتها. وعلى حاجة أعمق: الخوف من إنها تكون مجرد نسخة وسط كل ده. --- وفجأة… في مراية في النص… ظهر مشهد مختلف. مش مستقبلي. ولا ماضي واضح. ده كان مشهد “إحساس”. --- رهف قاعدة في مكان مظلم. وكريم واقف قدامها. بس مش بيكلمها. بيمسك إيدها. بس متردد. --- وهي بتقول: "أنا لو نسيتك… هتفضل فاكرني؟" --- وكريم بيرد: "أنا مش هسيبك تنسي." --- رهف رجعت من المشهد بسرعة. عينها دمعت. --- همست: "إنت فعلاً كنت بتحبني…" --- كريم ما ردش. بس اقترب منها خطوة. "ومش عارف أوقف ده حتى لو كان بيكسرنا." --- الطفل الرابع ضحك بصوت خافت: "أهو ده السبب الحقيقي." --- بص لهم: "الحب هنا مش نجاة." "الحب هنا إعادة كتابة مستمرة." --- وفجأة… المرايات بدأت تتكسر واحدة واحدة. --- صوت زجاج بيقع في كل مكان. لكن مفيش دم. ولا ألم. بس فقد. --- رهف صرخت: "إيه اللي بيحصل؟" --- الطفل قال: "الإصدار الجديد بدأ." --- كريم: "إصدار إيه؟" --- رد: "رسالة لم تُكتب غلط… لأول مرة." --- المرايات كلها اختفت. وبدلها… ظهر باب واحد. أبيض. لكن عليه كلمة واحدة: "الاختيار الأخير" --- رهف بصت لكريم. "لو دخلنا… هنفضل فاكرين؟" --- كريم رد: "هنفضل فاكرين… بس مش نفسنا." --- صمت. --- الطفل اقترب منهم: "النسخة اللي هتخرج من هنا… هتفضل هي نفسها؟" --- ثم ابتسم: "ولا هتكون رسالة جديدة تمامًا؟" --- رهف مسكت إيد كريم أقوى. "أنا تعبت من النسخ." --- كريم بص لها: "وأنا تعبت من الفقد." --- وفجأة… الباب اتفتح لوحده. --- والصوت جاي من جوه: "اختاروا… قبل ما الرسالة تتحذف من غير إذنكم." --- رهف خدت نفس عميق. وبصت لكريم. وبهدوء قالت: "لو دخلنا… اديني وعد." --- كريم: "أي وعد؟" --- رهف: "إنك ما تكتبنيش تاني." --- صمت. ثقيل. --- كريم قرب منها. وبص في عينيها. وقال: "مش هكتبك." "أنا هخليكي تكتبي نفسك لأول مرة." --- وفجأة… دخلوا الباب. --- والعالم اتقفل وراهم. لكن المرة دي… ما كانش بيحذفهم. كان بيسمعهم. --- والصوت الأخير اللي اتقال: "بدأت الرسالة الأصلية." الظلام ما بقاش ظلام. بقى مساحة بيضا… مش مريحة. زي ورقة فاضية مستنية حد يكتب أول سطر فيها، بس الإحساس إن أي كلمة هتتكتب ممكن تغيّر مصير كل حاجة. --- رهف فتحت عينيها ببطء. كانت واقفة لوحدها. كريم مش جنبها. الطفل الرابع مش موجود. حتى الباب الأبيض اختفى. كأنها اتسحبت من كل الخطوط الزمنية مرة واحدة. --- همست: "كريم؟" صوتها رجع لها متأخر. --- لكن بدل ما ييجي رد من شخص… جالها رد من المكان نفسه. "ابدئي." --- الصوت كان هادي. مش مرعب. لكن أخطر من أي تهديد. لأنه كان بيطلب منها قرار. مش بيجبرها عليه. --- وفجأة… الأرض تحتها اتغيرت. بقت زي سطح مية ساكنة. وكل خطوة منها بتعمل دوائر. --- وفي أول دائرة… ظهر مشهد. --- هي صغيرة. واقفة قدام دفتر أبيض. وبتكتب اسمها: رهف ثم تتوقف. وتشطب الاسم. وتكتب: ليان --- الصورة اتكسرت. --- رهف رجعت خطوة لورا. "أنا اللي غيرت اسمي؟" --- الصوت رد: "إنتِ اللي قبلتي التغيير." --- وفجأة… كريم ظهر. بس مش كامل. زي صورة متقطعة. مرة بيظهر… ومرة بيختفي. --- "رهف…" صوته كان بيكسر الفراغ. --- جريت ناحيته: "إنت فين؟" --- رد بصوت متقطع: "أنا في الرسالة… بين السطور." --- وقفت مكانها. "يعني إيه؟" --- قال: "يعني أنا مش ثابت هنا زيك." "أنا جزء من اللي اتكتب علشان يفضل معاكي… حتى بعد ما تنسي." --- الصمت وقع. --- رهف بصت له. "ليه بتعمل كده؟" --- كريم ابتسم. ابتسامة مرهقة. "علشان كل مرة بتتكسري… أنا اللي بلمك." --- وفجأة… المية اللي تحتهم بدأت تتحرك. وتكتب. --- حروف. كلمة كلمة. لوحدها: "الحقيقة ليست شخصًا… بل رسالة تُعاد كتابتها." --- رهف همست: "إحنا فين بقى؟" --- الصوت رد: "في النسخة الأصلية منك." --- وفجأة… ظهر مشهد جديد. --- رهف أكبر شوية. قاعدة قدام جهاز تسجيل. بتتكلم: "لو الرسالة دي وصلت… يبقى أنا نسيت كل حاجة." توقف. ثم تبتسم بحزن. "يبقى حد قرر يحميني مني." --- الكاميرا (أو الجهاز) يقفل. --- رهف ترجع لورا وهي بتتنفس بسرعة. "أنا كنت بعمل إيه؟" --- كريم قال: "كنتِ بتكتبي نفسك علشان ما تتكتبيش غلط." --- سكت لحظة. ثم أكمل: "بس كل مرة… حد كان بيعدّل الرسالة بعدك." --- وفجأة… ظهر الطفل الرابع تاني. لكن المرة دي مختلف. أكبر. أقرب لشخص بالغ. وعينيه فيها نفس التعب اللي في كريم. --- قال: "كل محاولة لإنقاذك… كانت بتخلق نسخة جديدة منك." --- رهف بصت له: "يعني أنا مش واحدة؟" --- رد: "إنتِ كل النسخ اللي حاولت تعيش." --- الصمت وقع. ثقيل. --- وفجأة… الصوت رجع: "الرسالة الأصلية جاهزة للعرض." --- المشهد اتغير. --- رهف واقفة قدام باب. لكن المرة دي الباب مش أبيض. ولا أسود. كان مرآة. --- بتشوف نفسها فيها. لكن كل نسخة منها واقفة جنب التانية. --- واحدة بتبكي. واحدة بتضحك. واحدة بتكره. واحدة بتحب. --- كلهم بيبصولها. --- وبصوت واحد قالوا: "اختاري مين فينا تعيشي بيه." --- رهف رجعت خطوة. "أنا مش كده." --- ردوا: "إنتِ كده." --- كريم اقترب منها. لكن شكله كان بيتلاشى. "رهف… لو اختاريتي واحدة… الباقي هيموت." --- سكت. ثم قال: "وأنا واحد منهم." --- الصمت وقع فجأة. --- رهف بصت له. "يعني إيه؟" --- كريم: "يعني حبنا… كان واحد من النسخ." --- وفجأة… المراية بدأت تتشقق. --- صوت عالي. كأن الواقع نفسه بيتكسر. --- الطفل الرابع صرخ: "القرار لازم يتاخد دلوقتي!" --- كل النسخ قدامها قربوا. كل واحدة بتشدها في اتجاه. --- لكن رهف… وقفت. وسكتت. --- ثم قالت بهدوء: "أنا مش هختار نسخة." --- "أنا هختار نفسي… حتى لو مش كاملة." --- سكون. --- المراية وقفت. --- كريم بص لها. ولأول مرة… شكله الحقيقي ظهر. مش نسخة. مش ظل. إنسان بيتعب. وبيحب. وبيخاف. --- قال: "ولو نفسك دي كانت بتتغير كل مرة؟" --- رهف ابتسمت. "يبقى أحبها كل مرة بشكل جديد." --- وفجأة… كل النسخ اختفت. --- المكان بقى أبيض. هادئ. مش فارغ. لكن متصالح. --- الصوت الأخير قال: "تم تثبيت الرسالة الأصلية." --- وفجأة… كريم مسك إيدها. بهدوء. بدون خوف. --- وقال: "المرة دي… ما فيش حد هيعدّلنا." --- رهف ردت: "ولا حتى إحنا." --- والنور ابتلعهم. لكن المرة دي… ما كانش بيخفي. كان بيثبّت. --- يتبع…بدأ الشرخ يمتد عبر السقف ببطء.في البداية كان مجرد خط رفيع، بالكاد يُرى وسط الخرسانة القديمة.ثم اتسع.وتشعب.وكأن قوة هائلة تضغط من الأعلى.تراجع سامر خطوة إلى الخلف، بينما رفع سلاحه نحو السقف بشكل غريزي.أما رهف فلم تستطع أن تبعد عينيها عن كريم.لأنها لم تره هكذا من قبل.منذ أن استعادته...منذ أن بدأت تتذكر أجزاء من الماضي...رأته غاضبًا.رأته حزينًا.ورأته خائفًا عليها.لكنها لم تر الرعب في عينيه إلا الآن.رعبًا حقيقيًا.عميقًا.كأنه عاد فجأة إلى أسوأ يوم في حياته.همست:— من هي ليلى؟لم يجب.ظل ينظر إلى السقف فقط.وكأنه يعلم جيدًا ما الذي سيحدث بعد ثوانٍ.ثم قال بصوت خافت:— الشخص الذي كان يجب أن يموت بدلًا منك.شعرت رهف وكأن الكلمات صفعتها.لكنها لم تحصل على فرصة للسؤال.لأن جزءًا من السقف انهار فجأة.وتساقطت قطع الخرسانة فوق الأرض.وسط سحابة كثيفة من الغبار.وللحظة لم يرَ أحد شيئًا.---عندما بدأ الغبار يتلاشى...ظهرت هيئة امرأة.كانت تقف فوق بقايا الخرسانة المنهارة وكأن سقوطها من الطابق العلوي لم يكلفها أي جهد.امرأة في منتصف الثلاثينات تقريبًا.شعر أسود طويل.ملامح هادئة.وجمي
للحظات طويلة لم يستطع أحد الكلام.بقيت رهف تحدق في الشاشة وكأن عقلها يرفض تفسير ما تراه عيناها.المرأة الواقفة أمام المبنى لم تكن تشبهها فقط.لم تكن قريبة الشبه منها.كانت هي.بنفس الملامح.بنفس لون العينين.حتى الانحناءة الخفيفة في الكتف الأيسر كانت موجودة.تفصيلة صغيرة لم يلاحظها أحد من قبل، لكنها كانت تعرفها جيدًا.شعرت وكأنها تنظر إلى انعكاسها في مرآة حية.لكن انعكاسًا يمتلك حياة مستقلة.وابتسامة أكثر برودة.وأسرارًا أكثر ظلمة.قطعت أنفاسها بصعوبة.— من هذه؟لم يجب أحد مباشرة.نظر سامر إلى كريم.بينما ظل كريم يراقب الشاشة بصمت طويل.صمت جعل القلق يتضاعف داخلها.ثم قال أخيرًا:— كنت أتمنى ألا نصل إلى هذه اللحظة أبدًا.التفتت إليه بسرعة.— من هي؟رفع عينيه إليها.وفي نظرته شيء من الذنب.شيء لم تره من قبل.— اسمها نور.ساد الصمت.— نور؟— كانت أول ناجحة.شعرت رهف بقشعريرة تسري في جسدها.— أول ناجحة في ماذا؟ابتسم سامر بسخرية مريرة.— في العودة من الموت.انكمش قلبها داخل صدرها.وكأن الكلمات تحولت إلى جليد.قالت بصوت مرتجف:— تقصد أنها...— كانت أول محاولة.أكمل كريم بهدوء.ثم أضاف:—
لم تتحدث رهف.كانت جالسة في مكانها، تحدق في كريم وكأنها تراه للمرة الأولى.وربما كانت كذلك بالفعل.ليس لأنه تغير.بل لأنها بدأت ترى أجزاءً منه لم تكن تعرف بوجودها.أجزاء أخفاها عنها الجميع... أو أخفاها الزمن نفسه.خارج النوافذ كان المطر يزداد قوة، بينما داخل الشقة بدا الهواء أثقل من أن يُتنفس.قال سامر أخيرًا:— أخبرها بالباقي.ظل كريم صامتًا للحظات.ثم جلس على المقعد المقابل لرهف.ببطء شديد.وكأن أي حركة مفاجئة قد تجعل كل شيء ينهار.رفع عينيه إليها.ولأول مرة منذ التقيا من جديد، لم تحاول نظراته الاختباء خلف أي شيء.لا أسرار.لا أقنعة.لا أكاذيب مريحة.فقط الحقيقة.الحقيقة كما هي.مؤلمة.وقاسية.ومتأخرة.قال بصوت منخفض:— عندما بدأ المشروع لم يكن هدفه السيطرة على الذكريات.كان هدفه إنقاذها.عقد سامر ذراعيه ساخرًا.— وهذه هي الكذبة التي كنت ترددها دائمًا.لكن كريم تجاهله.وأكمل كلامه وهو ينظر إلى رهف فقط.— قبل سبع سنوات حدثت كارثة داخل المختبر.تجمد شيء داخل رهف.سبع سنوات.هذا الرقم شعرت أنها سمعته من قبل.في مكان ما.في حلم.أو ذكرى لم تكتمل.— كنتِ هناك.قالها كريم بهدوء.— وأنا كن
الشقة رقم 17تجمد الزمن لثانية واحدة.الرجل الذي فتح الباب ظل واقفًا مكانه، وعيناه متسعتان بشكل واضح، كأنه رأى شخصًا لم يكن من المفترض أن يراه مجددًا.أما رهف، فشعرت بأنفاسها تتسارع.كانت تتوقع الكثير خلف هذا الباب.معلومات.إجابات.خيوطًا تقودها إلى كريم.لكنها لم تتوقع تلك النظرة.نظرة الخوف.الخوف الحقيقي.تراجع الرجل خطوة إلى الخلف دون وعي.ثم قال بصوت خرج مبحوحًا:— مستحيل...عقدت رهف حاجبيها.— تعرفني؟ساد الصمت.ثوانٍ طويلة مرت قبل أن يجيب.— كان المفروض إنك...وتوقف.كأنه ابتلع بقية الجملة في اللحظة الأخيرة.كان المفروض أنها ماذا؟تموت؟تختفي؟تنسى؟لم تعرف.لكنها رأت الإجابة في عينيه قبل أن ينطق بها.---استجمع الرجل نفسه بسرعة.وعادت ملامحه جامدة.باردة.مدروسة.كأن الانفعال الذي ظهر قبل لحظات لم يكن موجودًا أصلًا.ثم قال:— مين حضرتك؟كادت رهف تضحك.السؤال جاء متأخرًا جدًا.قالت وهي ترفع الصورة القديمة أمامه:— أعتقد إننا نقدر نوفر على بعض مرحلة التمثيل.تغير لون وجهه مجددًا.بشكل طفيف.لكنها لاحظته.لاحظت أيضًا كيف انتقلت عيناه بسرعة إلى الصورة.ثم إلى الدفتر الموجود تحت ذ
حين أُغلقت الرسائللم يحدث شيء.على الأقل… هذا ما ظنته رهف في البداية.لا انفجار.لا ضوء أبيض يبتلع العالم.لا أصوات غامضة تأتي من الفراغ.فقط صمت.صمت عميق لدرجة أنها سمعت نبض قلبها بوضوح.ثم فتحت عينيها.---كانت مستلقية فوق سرير.سقف أبيض.ستائر تتحرك مع الهواء.ورائحة مطهرات خفيفة.للحظة واحدة فقط…شعرت أن كل ما حدث كان حلمًا.كابوسًا طويلًا وانتهى.لكن الشعور اختفى سريعًا.لأنها انتبهت لشيء أهم.كانت وحدها.---جلست ببطء.ألم خفيف ضرب رأسها.وكأن عقلها يحاول إعادة ترتيب نفسه.نظرت حولها.غرفة بسيطة.نافذة.خزانة صغيرة.كرسي بجوار السرير.ولا شيء آخر.ولا أحد.---"كريم؟"خرج الاسم من شفتيها تلقائيًا.ثم تجمدت.لماذا نادت عليه أولًا؟لماذا لم تسأل أين هي؟أو ماذا حدث؟لماذا كان أول شيء بحثت عنه هو هو؟الباب انفتح فجأة.ودخلت امرأة في منتصف الأربعينات.ترتدي معطفًا أبيض.ابتسمت عندما رأت رهف مستيقظة."أخيرًا."رهف عقدت حاجبيها."أنا فين؟"المرأة اقتربت."في المستشفى.""ليه؟"ترددت المرأة للحظة.ثم قالت:"اتعرضتي لحادث من أسبوعين."أسبوعين؟شعرت رهف بأن قلبها توقف."مستحيل."---الم
الضوء ما اختفاش.بس سكن.زي ما يكون المكان أخد نفس طويل وقرر ما يطلّعوش.رهف فتحت عينيها ببطء.المرة دي مفيش مرايات.ولا ممرات.ولا أصوات بتتكلم من الجدران.بس في إحساس واحد واضح…إن كل حاجة اتغيّرت من غير ما تتحرك.---كانت واقفة في شارع عادي جدًا.إضاءة صفراء من أعمدة قديمة.ناس ماشية.عربيات.صوت مدينة.حياة شكلها طبيعي.بس فيه حاجة مش مظبوطة.كأنها مش داخلة في الصورة… هي مجرد واقفة جنبها.---بصّت حواليها."كريم؟"---مفيش رد.لكن في جيبها…ورقة.---طلعتها ببطء.مكتوب عليها بخط إيدها هي:"لو وصلتي هنا… ما تدوريش عليه. هتلاقيه لما تبطلي تدوري."---سكتت.وبصّت للورقة."أنا اللي كتبت ده؟"---وفجأة…إحساس خفيف على إيدها.دفي.مش مرعب.مألوف.---رفعت عينها.كريم واقف على بعد خطوات.بس المرة دي…مش زي قبل.مش متقطع.مش ظل.حقيقي.هادئ.وبيتنفس زيها بالظبط.---ابتسم."أخيرًا خرجتي من الرسالة."---رهف بصت له بحذر."إحنا خرجنا من إيه بالظبط؟"---كريم هز كتفه."من النسخ اللي كانوا بيكتبونا."---سكت لحظة.وبعدين قال:"دي أول مرة نبقى إحنا اللي بنختار الجملة اللي بعدها."---الصمت وقع
الخائنه"رفيف."ترددت الكلمة داخل الغرفة.ثقيلة.صادمة.مستحيلة.لثوانٍ طويلة لم يتحرك أحد.حتى رفيف نفسها.كانت تنظر إلى كريم وكأنها لم تستوعب ما قاله.أما رهف...فشعرت بأن عقلها يرفض التصديق.بعد كل شيء مروا به.بعد كل المخاطر.بعد كل اللحظات التي وقفت فيها رفيف بجانبها.كيف يمكن أن تكون هي الخائ
خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدو
توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسا
تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المق







