Share

الرسالة المخترقة

last update publish date: 2026-06-12 06:00:31

انقبضت ملامحه الوسيمة الشرسة بغيرة عمياء وشغف عارم، وقبل أن ينطق بكلمة لتهدئة روعها وإعادة فرض سيادته، أصدرت لوحة التحكم الرقمية المخفية بجانب البوابة الفولاذية أزيراً حاداً ومتسارعاً باللون الأحمر الخافت، وانفتحت البوابة ببطء ميكانيكي حذر ليعلن عن قطع لحظة تلاحمهما الرومانسي.

دخل سليم بخطوات متعثرة، لاهثة ومذعورة للغاية، وهو يقبض على حقيبته الرقمية المعدنية بإحكام كأنها حياته برمتها. كان وجهه الشاب شاحباً كالموت، والعرين يتصبب من جبينه بمجرد أن تلاقت عيناه بجبروت مراد السيوفي الطاغي الذي لا يرحم المقاطعة في أوقات خلوته بحرمه.

"مراد بيه... معذرة على الاختراق المفاجئ للجناح!" صاح سليم بنبرة مخنوقة بالذعر الحاد والتكتيك، وهو يتراجع خطوتين للخلف بوجل خوفاً من بطش النمر. "الوضع التكتيكي بالخارج انهار بالكامل، والهدوء الحالي ما هو إلا خديعة رادارية كبرى أدارها المجلس الأعلى للمافيا في روما بالتعاون مع أجهزة العاصمة!"

نهض مراد بكامل طوله وهيبته الفتاكة، وسحب ياقته ببرود مميت يتناقض تماماً مع ثورته قبل ثوانٍ، وتلاقت عيناه الصقريتان بعيني سليم بنظرة تقطر ببحّة الموت والوعيد المطلق. "سليم... تحدث بعقل التكنولوجيا والبيانات العارية قبل أن أفرغ غيظي البركاني في صدرك،" قال مراد بصوته الجهوري المبحوح الذي زلزل أركان الجناح المخملي. "ما هي تحركات أليكساندر؟ وهل تجرأت بوارج المنظمة الدولية على اختراق النطاق الجوي لجبال الألب؟"

وضع سليم حقيبته الرقمية فوق الطاولة الرخامية، وبأصابع مرتعشة فعل شاشات الاختراق الثلاث لتبث إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل خرائط حرارية ثلاثية الأبعاد تم التقاطها عبر بث الأقمار الصناعية المتسلل قبل دقائق معدودة.

"مراد بيه... لقطات المسح الحراري العازل تؤكد وجود تحركات مريبة وفتاكة للغاية لـ 'أليكساندر'.. الرجل ذو القناع الفضي،" قال سليم وهو يشير إلى شفرات رقمية متحركة تقترب من المحيط الجغرافي للجبل. "أليكساندر لم يتراجع بعد مجزرة الوكر السري في روما؛ لقد نجح في اختراق شبكة الرادارات السويسرية الاحتياطية عبر نظام بث فضائي مشفر من المنظمة الدولية. البيانات تشير إلى أن هناك ثلاث طائرات مروحية تكتيكية من طراز 'هيرون الشبحية'، تحمل حشداً كاملاً من نخبة القتلة الدوليين ومجهزة بقنابل الغاز السام وقاذفات الصواريخ المحمولة، تتحرك الآن على ارتفاع منخفض للغاية تحت غطاء الضباب الكثيف في فجوة وادي جنيف!"

اتسعت عينا ليلى العسليتان بذعر عارم، وارتد جسدها المرتجف ليرتطم بالوسائد الحريرية السوداء وهي تستمع لتفاصيل المؤامرة الدولية الجديدة المحيطة بعرينهم.

واستطرد سليم بنبرة أكثر رعباً، وهو يلتفت نحو ليلى بوجل حاد: "الأخطر من ذلك يا مراد بيه... المؤامرة أصبحت ثلاثية الأبعاد وتتجاوز مجرد هجوم عسكري عارٍ. الخوادم المسربة من جهاز العاصمة تؤكد أن اللواء رأفت علام لم يستسلم بعد مكالمتك الغاضبة الليلة الماضية. لقد منح الرائد الدكتور إياد مهران شفرة التحكم السيادية المطلقة لإدارة الفرقة التكتيكية المظلية الرسمية المتواجدة في قاعدة جنيف القريبة. إياد لا يريد قصف القصر كما هدد سابقاً؛ إنه يدير تحركاً تكتيكياً موازياً بالتنسيق السري مع أليكساندر! إنهم يتركون أليكساندر يقتحم الأطواق الخارجية للقصر ويشغل رجالك في مجزرة دموية بالأسفل، بينما ينتهز إياد الفرصة ليتسلل عبر الممر الخلفي الضيق للصيانة واقتحام هذا الجناح بالذات لانتزاع ليلى هانم وإخضاع نفوذك الدولي برمتّه!"

عند سماع اسم "إياد مهران" يتردد مجدداً في إطار التخطيط للمؤامرة واقتحام الجناح الشرقي لانتزاع ممتلكاته الخاصة، تحوّلت عيون مراد السيوفي بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عمياء ووحشية لا ترحم الضعف. تقدم خطوتين نحو الطاولة الرخامية، وجسده الطاغي يلقي بظلاله الملحمية الشرسة فوق الشاشات الرقمية، وقبض بيده الفولاذية على حافة الأبنوس بقوة جعلت عروق معصمه وجبينه تنفر كالأفاعي من فرط الغيظ واللوعة.

"إياد مهران... وأليكساندر..." همس مراد بصوت رخيم مبحوح يقطر بحق بحّة الموت، ونبرته تحمل قسوة كبرى تغلغلت في أعمق خلايا روح سليم المذعورة. "يعتقدون أن قوانين دولتهم وشفرات المنظمة الدولية يمكنها أن تصنع فجوة في عرين النمر؟ لقد نسوا أنني أنا من علّم البارون إدوارد كيف يتنفس البارود، وأنا من أسس تكتيكات السيادة والدم في روما! سليم... كم من الوقت تحتاجه لإعادة توجيه منظومة الدفاع الصاروخي التلقائية للقصر ضد مروحيات الشبح التابعة لأليكساندر؟"

"أربع دقائق فقط يا مراد بيه... ولكن هذا يتطلب بقائي في قاعة العمليات المركزية لإدخال الشفرة اليدوية للتدمير المضاد، مما يعني أن الحراسة على الأطواق الداخلية للجناح ستكون معتمدة بالكامل على رجالك من المافيا الدولية!" أجاب سليم بسرعة تكتيكية حذرة.

التفت مراد بكامل طوله وجبروته الشامخ نحو ليلى، واقترب منها بخطوات ملكية سريعة وثابتة تحمل الوعيد والتملك المطلق. انحنى فوقها، وتلمست أصابعه الدافئة الكبيرة وجنتها الشاحبة برقة طاغية تتناقض مع وحشيته وغضبه التدميري بالخارج، ولفحت بحته عنقها الفاتن: "انتظريني هنا يا ليلى... لا تتحركي إنشاً واحداً خارج هذا الحرير الأسود. أعلم أن عقل المؤامرات في العاصمة يحاول عبر طبيبهم اللعين انتزاعكِ من أحضاني؛ لكن وجدانكِ المطبوع بأثر قبلاتي يعلم أنكِ خُلقتِ لتكوني حرم النمر. سأذهب لتطهير الممرات وإحضار رأس أليكساندر وإعادة كتابة التاريخ بدمائهم تحت قدميكِ الفاتنتين رغماً عن قوانين دولهم وصراعات ملوكهم برمتها!"

نظرت ليلى إليه وعيناها تفيضان بدموع العشق المظلم، وقبضت على قميصه الأسود الفاخر بكل ما أوتيت من قوة لعشق مستهلك لكيانها: "مراد... لا تتركني لعتمتهم المسمومة. إذا كان الموت هو نهايتنا الليلة تحت وطأة صواريخهم أو رصاص أليكساندر، فليكن بين يديك وتحت وطأة أنفاسك الحارة؛ لا تترك قطتك الفاتنة لصيادي العاصمة!"

انقبضت ملامحه الوسيمة الشرسة بشغف عارم، وانحنى والتهم شفتيها بقبلة سريعة، حارقة للغاية وقاطعة، سحبت منها آخر ذرات الخوف والتردد، ثم التفت بكامل جبروته الشامخ وفخامته وسحب مسدسه الرشاش الثقيل من غلافه الجلدي بيد واحدة، بينما استقرت يده الأخرى فوق قبضة خنجره الفضي المصقول. واقتحم الممر الخارجي المظلم كالإعصار المدمر، يتبعه سليم نحو قاعة العمليات، معلناً نهاية الهدوء الزائف واشتعال بركان الحرب والغيرة الحارقة التي ستحرق أخضر جبال الألب ويابسها في المعركة القادمة دفاعاً عن حرم ملكه الأبدي.

أغلقت البوابة الفولاذية المصفحة للجناح الملكي الأسطوري بدوي ميكانيكي هيدروليكي مكتوم، ليعود السكون المطبق ويفرض سيادته الشاحبة على أرجاء الغرفة الواسعة المكسوة بالقطيفة الزيتية الداكنة. كان غياب مراد السيوفي بكامل طوله وجبروته الشامخ قد ترك خلفه فراغاً نفسياً تغلغل في أحشاء ليلى، حيث تداخلت أصوات إنذارات الطوارئ البعيدة والخافتة القادمة من الدهاليز السفلية للقصر مع دوي العاصفة المنسحبة وراء النوافذ الزجاجية العملاقة. كانت الثلوج الكثيفة لجبال الألب تتساقط كشواهد بيضاء تحاصر العرين، بينما كانت الستائر المخملية الثقيلة تتمايل ببطء طفيف، باثة ظلالاً ملحمية برتقالية نابعة من نيران المدفأة الحطبوية الحجرية التي بدأت تخبو عافيتها تدريجياً.

جلست ليلى في منتصف الفراش الملكي الوثير المكسو بالحرير الأسود الداكن، وجسدها الرقيق الملفوف برداء الحرير العاجي الناعم لا يزال ينبض بحرارة أنفاس مراد الحارة وقبلته السريعة الحارقة التي طبعها فوق شفتيها قبل اقتحامه للممر الخارجي. كانت يداها الصغيرتان تقبضان على أطراف الأغطية الدافئة، وعيناها العسليتان تشعان بشغف مظلم مستهلك لكيانها؛ فقد ظنت أن ليلة الانصهار في كوخ الصيد والاعترافات الصادقة للنمر قد وضعت حداً نهائياً لأفاعي الشك الخديعي التي حاولت العاصمة زرعها في وعيها.

ولكن، في عالم المافيا الدولية وتكتيكات الدم والسيادة، لا يملك الهدوء أنفاساً طويلة. كانت هناك مؤامرة ثلاثية الأبعاد تتحرك خيوطها الرقمية كالسم الناعم في عتمة الليل، يقودها رجل تحرّكه رغبة متوحشة وهوس عارم لا يقل شراسة عن تملك مراد؛ إنه الرائد الدكتور إياد مهران. لم يكن تحالف إياد السري مع "أليكساندر" (الرجل ذو القناع الفضي) مجرد مناورة مخابراتية رسمية لحساب اللواء رأفت علام؛ بل كان هوساً شخصياً أعمى بصيرته عن عقيدة جهازه، هوساً بـ "قطته الفاتنة" ليلى، ورغبة عارمة في انتزاعها من أحضان النمر ليروض وعيها لصالح نفوذه الخاص.

وفجأة، انقطع سكون الجناح بأزير رقمي خفي ومتسارع، انبعث ليس من لوحات التحكم الجدارية للقصر، بل من جوف صندوق خشبي صغير لتقديم أدوات التجميل الفاخرة كان موضوعاً فوق الطاولة الرخامية الملاصقة للشرفة الغربية. التفتت ليلى بذهول حاد، واستجمعت بنيتها المرتجفة لتنهض من الفراش بخطوات ملكية حذرة، حافية القدمين فوق الرخام الذي بدأ يفقد دفأه الرقمي بسبب انشغال سليم في قاعة العمليات المركزية بالأسفل.

تقدمت نحو الطاولة، وبأصابع مرتعشة بوضوح فتحت الصندوق الخشبي، لتتسع عيناها العسليتان بصدمة نفسية جمدت الدماء في عروقها. كان يقبع في الداخل جهاز لوحي رقمي مسطح من طراز "إكس-شبح"، معزول كلياً عن شبكات التشويش الفضائي للقصر بفضل رقاقة اختراق تكتيكية من نتاج هندسة المخابرات المشتركة بين روما والعاصمة. كانت الشاشة الإلكترونية للجهاز تبث ومضات ضوئية زرقاء باردة، وتتحرك فوقها شفرات أمنية معقدة انتهت بفتح تلقائي تلاقت معه نظرات ليلى المذعورة ببيانات مسمومة.

على الشاشة، ظهر وجه إياد مهران بملامحه الشرسة والوسيمة الشامخة، مصوراً عبر بث رقمي مسجل ومحمي برمز تتبع عسكري، وتحدث بصوته الرخيم العميق الذي يحمل بحّة دافئة ومطمئنة للغاية تغلغلت في سكون وعيها:

"ليلى... إذا كنتِ تقرأين هذه الرسالة المشفرة الآن، فهذا يعني أن كارل قد دفع حياته ثمناً لمحاولة إنقاذكِ من جحور عتمته، ويعني أن النمر قد أحكم حصاره المخملي حول جسدكِ الفاتن مجدداً. أعلم أن لمساته الشرسة وأنفاسه الحارة قد ألغت وعيكِ، وأعلم أن كبرياء النمر قد أجبركِ على تصديق روايته المظلمة في كوخ الصقيع. لكنني كضابط مخابرات أقسمتُ على حماية شرف عائلتكِ، وكطبيب يعلم كيف يتلاعب الطغاة بسايكولوجية الضحايا، لم أستسلم. أليكساندر يهاجم القصر الآن لتصفية حسابات ملوك الدم، لكن تحركي الموازي ليس لإبادتكِ يا ليلى... بل لأنتزعكِ من الطاغية الأكبر الذي بنى عروشه بدمائكِ ودماء عائلتكِ برمتها."

توقفت كلمات إياد لتتحول الشاشة اللوحية فجأة إلى خزانة رقمية فتحت ملفات ووثائق رسمية مسربة، تحمل أختاماً سيادية قرمزية وتواقيع رقمية تعود لسنوات مضت؛ إنها "الوثائق الرقمية المزورة" التي صاغها إياد بعبقرية مخابراتية سوداء ليدخل الشك القاتل والنهائي في قلب ليلى.

امتدت أصابع ليلى الناعمة لتتحرك فوق شاشة الجهاز ببطء مميت، والعرين يتفصد من جبينها الشاحب ونحرها الفاتن يرتجف بفعل فيضان الأدرينالين الخالص. كانت الوثائق تعرض تقارير استخباراتية قديمة ومزيفة بدقة متناهية، تتهم مراد السيوفي بأنه كان العقل المدبر وراء صفقة سلاح دولية مشبوهة نُفذت في روما قبل خمس سنوات، وهي ذات الصفقة التي تسببت في مقتل عم ليلى (والد المستشار أدهم الجارحي) وتدمير الذراع المالي لعائلتها في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل احتوت الوثائق على تسجيلات صوتية مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التكتيكي، يظهر فيها صوت مراد الجهوري المبحوح وهو يتحدث ببرود مميت مع البارون إدوارد عثمان قائلًا: "عائلة الجارحي يجب أن تُسحق في العاصمة، وابنتهم ليلى ستكون المفتاح البديل الذي سنستخدمه لشل حركتهم وسحب المليارات السويسرية رغماً عن حصون قوانينهم."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   الشك القاتل

    امتدت أصابع ليلى الناعمة لتتحرك فوق شاشة الجهاز ببطء مميت، والعرين يتفصد من جبينها الشاحب ونحرها الفاتن يرتجف بفعل فيضان الأدرينالين الخالص. كانت الوثائق تعرض تقارير استخباراتية قديمة ومزيفة بدقة متناهية، تتهم مراد السيوفي بأنه كان العقل المدبر وراء صفقة سلاح دولية مشبوهة نُفذت في روما قبل خمس سنوات، وهي ذات الصفقة التي تسببت في مقتل عم ليلى (والد المستشار أدهم الجارحي) وتدمير الذراع المالي لعائلتها في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل احتوت الوثائق على تسجيلات صوتية مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التكتيكي، يظهر فيها صوت مراد الجهوري المبحوح وهو يتحدث ببرود مميت مع البارون إدوارد عثمان قائلًا: "عائلة الجارحي يجب أن تُسحق في العاصمة، وابنتهم ليلى ستكون المفتاح البديل الذي سنستخدمه لشل حركتهم وسحب المليارات السويسرية رغماً عن حصون قوانينهم."نزلت هذه البيانات المسمومة فوق رأس ليلى كصاعقة تدميرية اقتلعت بقايا الاستقرار الحميمي الذي عاشته بين أحضانه. تزلزل كيانها النفسي بالكامل، وشعرت بشرخ عاطفي مرعب يتسع في زوايا روحها المنهكة. تذكرت اعتراف مراد الصادق أمام نيران المد

  • رسالة إلى الشيطان   الرسالة المخترقة

    انقبضت ملامحه الوسيمة الشرسة بغيرة عمياء وشغف عارم، وقبل أن ينطق بكلمة لتهدئة روعها وإعادة فرض سيادته، أصدرت لوحة التحكم الرقمية المخفية بجانب البوابة الفولاذية أزيراً حاداً ومتسارعاً باللون الأحمر الخافت، وانفتحت البوابة ببطء ميكانيكي حذر ليعلن عن قطع لحظة تلاحمهما الرومانسي.دخل سليم بخطوات متعثرة، لاهثة ومذعورة للغاية، وهو يقبض على حقيبته الرقمية المعدنية بإحكام كأنها حياته برمتها. كان وجهه الشاب شاحباً كالموت، والعرين يتصبب من جبينه بمجرد أن تلاقت عيناه بجبروت مراد السيوفي الطاغي الذي لا يرحم المقاطعة في أوقات خلوته بحرمه."مراد بيه... معذرة على الاختراق المفاجئ للجناح!" صاح سليم بنبرة مخنوقة بالذعر الحاد والتكتيك، وهو يتراجع خطوتين للخلف بوجل خوفاً من بطش النمر. "الوضع التكتيكي بالخارج انهار بالكامل، والهدوء الحالي ما هو إلا خديعة رادارية كبرى أدارها المجلس الأعلى للمافيا في روما بالتعاون مع أجهزة العاصمة!"نهض مراد بكامل طوله وهيبته الفتاكة، وسحب ياقته ببرود مميت يتناقض تماماً مع ثورته قبل ثوانٍ، وتلاقت عيناه الصقريتان بعيني سليم بنظرة تقطر ببحّة الموت والوعيد المط

  • رسالة إلى الشيطان   الاعتراف المظلم

    تراقصت ألسنة اللهب البرتقالية الشرسة داخل تجويف المدفأة الحجرية العتيقة، مطلقةً طرقعة حادة وجافة لجذوع حطب البلوط التي كانت تلتهمها النيران بجوع مستعر. صبغت الإضاءة الدافئة عتمة الكوخ الخشبي بظلال ملحمية طويلة، تمددت فوق جدرانه السميكة وسجاده المصنوع من جلد الدب الطبيعي، لتعزل الجبارين تماماً عن صخب العاصفة الثلجية التي كانت تزمجر في الخارج، وتضرب جبال الألب السويسرية بعنفوان قطبيّ حاد. لم يعد هناك وجود لأساطيل أليكساندر الشبحية، ولا لصواريخ كروز البحرية التابعة للواء رأفت علام في العاصمة؛ فقد انصهر كيان الكون برمتّه ليدور في فلك تلك المساحة الصغيرة المضاءة بالنار والبارود المالح. وسط هذا الدفء الحارق المتسلل إلى أطرافها الناعمة، كانت ليلى تجلس محتواة بالكامل بين أحضان مراد السيوفي، وجسدها الرقيق المدثر بالبطانية الصوفية السميكة قد تخلص أخيراً من رعب التجمد ونوبات الذعر الميكانيكية التي عقبت محاولة الهروب الفاشلة. تلاقت عيناها العسليتان اللتان لا تزالان تلمعان بدموع الوجع والشرخ النفسي بصدره العريض العاري، حيث كانت قطرات دمائه الملكية الدافئة قد بدأت تتخثر ببطء فوق عضلاته

  • رسالة إلى الشيطان   دفء وسط الصقيع

    كانت أنفاس ليلى تخرج من صدرها الفاتن على هيئة سحب بيضاء متقطعة، تتلاشى بسرعة وسط إعصار الجليد الذي يمزق أحشاء غابة الصنوبر المحيطة بأساسات القصر المعزول. لم يعد كبرياء التمرد الذي قاد خطاها خارج قفص مراد المخملي سوى ذكرى باهتة تتجمد في عروقها؛ فقد تحوّلت المسارات البيضاء ل جبال الألب السويسرية إلى متاهة مغلقة من الصقيع القطبي الطاغي، الذي كان يخترق ثيابها وألياف الكربون العازلة لمعطفها، ليمتص آخر ذرات الطاقة البشرية من جسدها الرقيق. انزلقت قدماها الشاحبتان فوق تلال الثلج المتراكم، واهتز وعيها بالكامل تحت وطأة انخفاض حاد في الحمل الحراري لدمها العسلي، لتترنح كأوراق شجر في مهب عاصفة بركانية، وتكاد تسقط مغشياً عليها في جوف الهاوية المتجمدة.وفي تلك اللحظة الخاطفة التي جمدت الدماء في كيان الكون، وتحديداً بعد ثوانٍ من سقوط الملازم كارل جثة هامدة وسط الثلوج، اندفع جبروت مراد السيوفي كآلة إنقاذ وحشية خارقة لكل المقاييس الفيزيائية. ومع بداية ميلان جسدها المرتجف نحو الأرضية الجليدية الباردة، لم ينظر النمر إلى مروحيات أليكساندر الشبحية التي كانت تمزق الغلاف الجوي بالأعلى، ولم يلتفت إلى إن

  • رسالة إلى الشيطان   مطاردة الفريسة

    تسلل مارك من فتحة النافذة، ووجهه الشاب مشوه ببرودة الطقس وذعر المطاردة الدولية، وكان يحمل معطفاً فضفاضاً مصنوعاً من ألياف الكربون العازلة للحمل الحراري."بسرعة يا ليلى هانم! سليم يواجه الآن اختراقاً مضاداً من روما، ومروحية أليكساندر الشبحية تم رصد طيفها اللاسلكي على بعد عشرة أميال!" همس مارك بصوت مخنوق بالذعر الحاد، وعيناه الزرقاوان تلتفتان بنظرات مرعوبة نحو الممرات الداخلية للقصر. "مراد السيوفي سيعلم بغيابكِ في أي ثانية، وإن لم نصل إلى عمق الغابة الثلجية أسفل الجرف قبل تفعيل الحراسة الآلية... فلن يتبقى منا سوى جثث تتفحم تحت وطأة خنجره الفضي!"لم تنطق ليلى بكلمة؛ بل ألجمت لسانها لوعة العشق المظلم الذي يمزق أحشاءها. نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة، إلى الفراش الملكي الوثير المكسو بالحرير الأسود حيث انصهرت مقاومتها بالكامل تحت وطأة أنفاس مراد الحارة، وشعرت بشرخ نفسي مرعب يتسع بين رغبتها في الحرية وهوسها بتملك النمر الذي وشم جسدها باسمه. قبضت بيديها الصغيرتين المرتجفتين على حافة المعطف العازل، واندفعت خلف مارك عبر فتحة النافذة نحو الممر الخارجي الضيق المعلق في الهواء كجسر سري فوق

  • رسالة إلى الشيطان   شرخ في جدار التملّك

    كانت الغرفة الأسطورية الشاسعة تغرق في صمتٍ مطبق يحمل في طياته هيبةً جنائزية، كأنها قاعة معزولة في حصنٍ تهاوت دونه عروش الجبابرة. تلاشت تدرجات الضوء البرتقالي الشرس لليلة الشغف العنيف، ليحل محلها وهج رمادي شاحب، منبعث من خلال الألواح الزجاجية العملاقة المصفحة ضد القذائف والانفجارات. خلف ذلك الزجاج المنيع، كانت جبال الألب السويسرية تبدو ككتل من الغرانيت المتجمد، تلتف حولها سحب الضباب الكثيف المنبعث من الهاوية السحيقة أسفل الجرف، بينما كانت العاصفة الثلجية تضرب الجدران الخارجية بدوي تكتيكي مكتوم يشبه نبضات قلب الأرض المذعورة.فوق الفراش الملكي الوثير، المكسو بالحرير الأسود الداكن، كانت ليلى مستيقظة منذ ساعات الفجر الأولى. كان جسدها الرقيق، الملفوف برداء الحرير الأسود الناعم، ينبض بحرارة دافئة متبقية من أثر الاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادة النمر. تلمست شفتيها المطبوعتين بأثر قبلاته التدميرية العنيفة، وشعرت ببقايا عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جلد مراد يطوق أنفاسها كالقيد غير المرئي. وعلى الرغم من أن جسدها الفاتن قد انصهر تماماً تحت لمساته الشرسة المليئة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status