Share

الشك القاتل

last update publish date: 2026-06-12 06:03:02

امتدت أصابع ليلى الناعمة لتتحرك فوق شاشة الجهاز ببطء مميت، والعرين يتفصد من جبينها الشاحب ونحرها الفاتن يرتجف بفعل فيضان الأدرينالين الخالص. كانت الوثائق تعرض تقارير استخباراتية قديمة ومزيفة بدقة متناهية، تتهم مراد السيوفي بأنه كان العقل المدبر وراء صفقة سلاح دولية مشبوهة نُفذت في روما قبل خمس سنوات، وهي ذات الصفقة التي تسببت في مقتل عم ليلى (والد المستشار أدهم الجارحي) وتدمير الذراع المالي لعائلتها في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل احتوت الوثائق على تسجيلات صوتية مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التكتيكي، يظهر فيها صوت مراد الجهوري المبحوح وهو يتحدث ببرود مميت مع البارون إدوارد عثمان قائلًا: "عائلة الجارحي يجب أن تُسحق في العاصمة، وابنتهم ليلى ستكون المفتاح البديل الذي سنستخدمه لشل حركتهم وسحب المليارات السويسرية رغماً عن حصون قوانينهم."

نزلت هذه البيانات المسمومة فوق رأس ليلى كصاعقة تدميرية اقتلعت بقايا الاستقرار الحميمي الذي عاشته بين أحضانه. تزلزل كيانها النفسي بالكامل، وشعرت بشرخ عاطفي مرعب يتسع في زوايا روحها المنهكة. تذكرت اعتراف مراد الصادق أمام نيران المدفأة: "أنتِ لستِ جائزة حرب يدير بها النمر صراعات مافياه الدولية... أنتِ الروح التي انصهرت داخل عروقي"، لكن الشاشات الباردة والوثائق المختومة بأختام دولتها كانت تصرخ بعكس ذلك؛ كانت تخبرها أن كل لفتة رقة طاغية، وكل قبلة وحشية عاصفة قضمت شفتيها بجوع ملوكي، وكل قطرة دم قرمزية دافئة نزفت من جرح كتفه الخلفي ليحميها وسط الصقيع... لم تكن سوى جزء من رقصة الفوضى والتكتيكات الممنهجة لترويض عقلها ومنعها من اكتشاف أنه الجلاد الأكبر الذي دمر عائلتها واستعبد وعيها باسم العشق المظلم.

"لا... هذا لا يمكن أن يكون حقيقياً..." همست ليلى بصوت مبحوح ممزق يقطر ببحّة الوجع الحارق الحاد، وانهمرت الدموع كالشلالات لتغسل وجنتيها الشاحبتين وتتساقط فوق زجاج الجهاز اللوحي البارد. تراجعت بجسدها المرتجف لترتطم بحافة طاولة الأبنوس، وقبضت على ياقة رداء حريرها العاجي بيدين تنتفضان بنوبات رعب ميكانيكية لا يمكن السيطرة عليها.

عادت بذور الشك النفسي الممنهج لتنبت كالأفاعي في قلبها الشاب، وتحول عشقها المظلم للنمر إلى نزاع دموي عنيف بين عاطفة مستسلمة لدفء أنفاسه الحارة وعقل يصرخ بالخديعة والاستغلال السيادي. هل كان مراد السيوفي يضحّي بنفسه لأجلها، أم كان يحمي "ممتلكاته الخاصة" التي تضمن له السيطرة المطلقة على رقعة الشطرنج الدولية؟

وفجأة، عاد صوت إياد ليقطع حيرة ذهناً المنهك في ختام الرسالة المسجلة: "ليلى... الممر الخلفي الضيق للصيانة معطلة مستشعراته الآن عبر شفرات كارل السابقة. أنا أقترب من الأطواق الداخلية للجناح رغماً عن مجازر مراد بالأسفل. انظري للوثائق جيدا وتأكدي أن النمر لا يعشق بل يتملك الفريسة ليحرم الصيادين منها. الشك هو حريتكِ الوحيدة الليلة، اجهزي... فالنمر الذي استعبد عروقكِ بالدم لن يفلت من حصار صواريخنا هذه المرة."

انطفأت شاشة الجهاز اللوحي "إكس-شبح" تلقائياً بعد انتهاء البث المشفر لتتحول إلى قطعة معدنية صامتة وعازلة، تاركة ليلى في حالة انهيار وصدمة نفسية مستهلكة لكيانها البشري بالكامل. سقط الجهاز من بين يديها الصغيرتين ليتحطم فوق الرخام البارد، بينما تلاقت نظراتها بعتمة الغرفة المضاءة بومضات اللهب البرتقالية الخافتة للمدفأة. صبغت ملامحها العسلية بجمود وجفاء قاتل حل محل الشغف المستعر؛ فقد انفتحت حصون تملك مراد العظيم وتصدعت داخل وجدانها رغماً عن ليلة الشغف، معلنةً بداية شرخ نفسي مرعب ومواجهة عنيفة قادمة ستحرق أسوار جبال الألب السويسرية برمتها تحت وطأة الغيرة والدمار الشامل.

تحولت الشاشات الإلكترونية الباردة للجهاز اللوحي المحطم إلى رماد رقمي صامت بعد أن فرغت سمومها المخابراتية في أعماق وعي ليلى، تاركةً الجناح الملكي الأسطوري يغرق في عتمة موحشة ومخيفة. لم يكن دويّ الانفجارات البعيدة القادمة من الممرات السفلية لعرين النمر، ولا ومضات الصواريخ الاعتراضية التي كانت تحوّل ليل جبال الألب السويسرية إلى نهار زائف، كافياً لإيقاظ ليلى من ذهولها؛ فقد انشطرت قوانين النجاة النفسية داخل صدرها الفاتن، ونبت الشك القاتل كالأفاعي في عروقها ليأكل بقايا ليلة الانصهار الحميمي والاعترافات الصادقة التي عاشتها بين أحضان مراد السيوفي.

كانت ليلى تجلس فوق طرف الفراش الملكي الوثير، ورداء الحرير العاجي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق المرتجف، بينما تحولت ملامحها العسلية الفاتنة إلى كتلة من الجمود والجفاء المطلق. انقبض نحرها الشاحب، وتجمدت الدموع الحارة في مآقيها لتمنح عينيها بريقاً زجاجياً بارداً كجليد القمم المحيطة بالقصر. التسجيلات المفبركة وصوت مراد الجهوري المبحوح وهو يخطط مع البارون إدوارد عثمان لسحق عائلتها واستخدامها كطعم بشري وسحب المليارات السويسرية، كانت تدور في عقلها كعاصفة بركانية دمرت عقيدتها العاطفية. شعرت بشرخ نفسي مرعب؛ كل لفتة رقة طاغية، وكل قبلة تدميرية عنيفة قضمت شفتيها بجوع ملوكي، لم تكن في نظرتها الآن سوى تكتيكات ممنهجة لترويض عقلها وإخضاع عروقها لسيادته المظلمة.

وفجأة، انقطع سكون الجناح بدويّ هيدروليكي عنيف. انفتحت البوابة الفولاذية المصفحة بقوة، وتجسد جبروت مراد السيوفي في إطار الباب بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين اللذين يملآن الفراغ. كان قد عاد للتو من ساحة الحرب السفلية بعد أن نجح مع سليم في تفعيل منظومة الدفاع الجوي وتدمير مروحيات أليكساندر الشبحية. كان قميصه الحريري الأسود الفاخر ملطخاً ببقايا البارود المالح وبقع دماء دافئة جديدة من قتلى المافيا الدولية، بينما كان جرح كتفه الخلفي ينزف ببطء، وعيناه الصقريتان الحادتان تشعان بنيران غيرة عمياء وشغف خالص تعمي بصيرته عن شلل الكون.

تقدم مراد نحوها بخطوات ملكية سريعة وثابتة، وعطر عوده الحاد والفاخر يسبق خطاه ليطوق أنفاسها. كان يتوقع أن ترتمي قطته الفاتنة بين ذراعيه الشامختين ذعراً من صوت القذائف، لكنه تسمر في منتصف الغرفة الرخامية عندما وقعت نظرته الفتاكة على جمودها القاتل.

"ليلى..." خرج صوته ببحّة ذكورية ساحرة، رخيمة ومبحوحة، وتقدم خطوتين إضافيتين ليجثو على ركبتيه أمامها، محاولاً لف ذراعيه الفولاذيتين حول خصرها الضيق بجوع ملوكي لا يعرف التراجع. "لقد انتهت المحرقة بالأسفل، ودمرتُ أساطيل أليكساندر تحت قدميكِ الفاتنتين. لم يعد هناك خطر على عريننا... لماذا أرى عيونكِ العسلية تقطر بهذا البرود السيبيري؟ أين ذهب دفء أنفاسكِ التي انصهرت في صدري منذ ساعات؟"

امتدت يده الكبيرة الدافئة ذات العروق النافرة من فرط الأدرينالين لتتلمس وجنتها الشاحبة برقة طاغية، وتلمس معصمها الناعم بحجة قياس نبضاتها الرقمية. لكن ليلى، وبحركة جافة، سريعة وصادمة تلاشت معها كل ملامح الخضوع، سحبت يدها ونحرها بعيداً عن لمساته، والتفتت بوجهها عنه نحو الستائر المخملية الثقيلة بنظرة تفيض بالجفاء والاشمئزاز النفسي المستهلك لكيانها.

تصلب جسد مراد بالكامل، وتحولت عيناه الصقريتان في ذات جزء الثانية الخاطف إلى كتلتين من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة شرسة ووعيد تملكي حاد. نهض بكامل طوله وجبروته الشامخ، وعروق جبينه نافرة بوضوح بفعل الغيظ واللوعة التي أصابت كبرياء الطاغية الأكبر وهو يرى أنثاه ترفض لمساته للمرة الأولى بعد ليلة الاتحاد.

"ما هذا الجمود يا ليلى؟" زأر مراد بصوته الجهوري المبحوح الذي زلزل أركان الجناح المكسو بالقطيفة الزيتية الداكنة. "أنظرُ لعقلكِ فأجده مغلقاً بأسوار من حجر، وأحاول لمس بشرتكِ الشاحبة فترتدين عني كأنني جلادكِ القاتل! أهناك سر تخفينه وراء هذا الصمت؟ أم أن سموم عاصمتكِ قد تسللت مجدداً لوعيكِ المطبوع باسمي؟"

لم تجبه ليلى؛ بل ظلت شاخصة في فراغ الغرفة بجمود أثار جنون التملك المطلق في عروقه. انحنى بجسده الفاره فوقها بالكامل، وبقوة وحشية خارقة للمقاييس البشرية، حاول التقرب منها بالقوة وإعادتها لأحضانه الحارة؛ أحكم قبضته الفولاذية حول معصميها الناعمين وثبتهما فوق الفراش الحريري الأسود، وهبط بوجهه الشرس ليقترب من شفتيها بقبلة عقاب تدميرية عنيفة تشل حركتها وتخرس جفاءها.

"اتركني! لا تلمسني بقبضتك الوحشية اللعينة!"

انفجر البركان المكتوم داخل صدر ليلى الفاتن، وتحول جمودها فجأة إلى ثورة هستيرية صاعقة مزقت سكون الجناح. صرخت بأعلى صوتها، وعيناها العسليتان تفيضان بدموع الحقد والشرخ النفسي العارم، ورفعت قدميها ويديها لتضربه في عضلات صدره الطاغي وفي جرح كتفه النازف بكل ما أوتيت من قوة استمدتها من وجع الخديعة. حاولت بكل تدميرية أن تدفع منكبيه الشامخين بعيداً عن أنفاسها اللاهثة.

"أنت الجلاد الأكبر يا مراد! أنت من دمر عائلتي وسحق شرف جهازي في روما!" هتفت بصوت متهدج ممزق يقطر ببحّة الموت النفسي، وهي تتأرجح تحت وطأة جسده الفاره بعنف تملكي شرس. "الوثائق كشفت لي كل شيء... تسجيلاتك الصوتية مع البارون إدوارد قبل سنوات تفضح خيانتك التكتيكية! أنت من قتل عمي ودمر الذراع المالي للجارحي في الشرق الأوسط! خطفي وحبسي في غرف مخملك لم يكن عشقاً مظهراً قط؛ بل كان جزءاً من قوانين موت عازلة صغتها بدم بارد لترويض وعي الضحية ومنعي من اكتشاف أنك السفاح الذي بنى عروشه بدم عائلتي! اتركني... أنا أكره أنفاسك الحارة! أكره تملكك الشرس الذي يستعبد عروقي!"

الاتهامات الخطيرة والمفبركة بـ تدمير عائلتها وقتل عمها نزلت على مسامع مراد السيوفي كصاعقة تدميرية اقتلعت بقايا المنطق العسكري من كيانه. تعاظمت نيران الغيرة والغيظ في صدره العريض، وأحكم قبضته الفولاذية فوق معصميها بقوة فتاكة جعلت جلدها يتلون باللون القرمزي رغماً عن بكائها الحارق، وجثا فوقها بالكامل ليشل حركتها الهستيرية تماماً تحت وطأة طوله وعضلاته الشرسة.

"وثائق؟ تسجيلات صوتية مع البارون؟" همس مراد بصوت رخيم مبحوح يقطر بحق بحّة الموت، ونبرته تحمل قسوة لا تنحني أمام جيوش أو بوارج دولية. كانت عيناه الصقريتان تخترقان وعيها بنيران غيرة عمياء وشغف مستهلك لروحه: "أتنصتين لخديعة رقمية أدارها طبيبكِ اللعين إياد مهران عبر جهاز مهرب؟ أنا لم ألمس دماء عائلتكِ يوماً يا ليلى، ولم يكن النمر ليحتاج للبارون إدوارد ليصيغ قوانين سيادته في العاصمة! الخيانة والزيف يصنعان فجوة في قلبكِ العسلي لتخرجي من تملكي؛ لكنني اقسم بنيراني التي تحرق جبال الألب الليلة... لو انشطرت الأرض نصفين وتآمرت حصون ملوكهم برمتها... لن تخرج أنفاسكِ من هذا الصدر إلا ملكاً للنمر، وخضوعكِ لي سأعيده برسم الدم رغماً عن أنف خيانات جهازم برمتّها!"

انحنى والتهم شفتيها بقبلة وحشية عاصفة، قبلة عقاب وتملُّك مطلق امتزج فيها طعم البارود المالح بدمائها الدافئة ولوعة شوقه المستعر؛ قضم شفتيها بجوع ملوكي وضامئ، متجاهلاً ضرباتها المتتالية فوق كتفه ومحاولاتها المستميتة لدفعه بعيداً، مستخدماً هيبته الطاغية لإخراس صراخها وإجبار كيانها على الانصهار تحت وطأته.

ثارت ليلى وتحركت بعنف هستيري وحشي تحت حصار شفتيه ولمساته الشرسة، وصراخها المكتوم يمزق أحشاء روحها المنهكة بالعشق والخديعة العاطفية المزدوجة. ضخ الأدرينالين بغزارة تفوقت على طاقتها البشرية الرقيقة، ليتصاعد الضغط النفسي والشرخ العاطفي داخل صدرها الفاتن إلى ذروة لم يحتملها وعيها المستهلك.

وفجأة... وسط غمرة ثورتها العنيفة ومحاولاتها لدفعه، تلاشت قواها بالكامل وتوقفت ضربات يديها المرتجفتين فوق منكبيه الشامخين. ارتخت أصابعها الناعمة، وانقطعت صرخاتها الممزقة ليحل محلها سكون مفاجئ وحابس للأنفاس. اتسعت عيناها العسليتان للحظة خاطفة قبل أن تنغلق جفونها برقة، وتلاشت قدرتها على الإدراك لتسقط في جوف غيبوبة قسرية كاملة وفقدان تام للوعي، رضوخاً تحت وطأة الاستهلاك النفسي العارم والضغط التملكي الشرس لمراد.

توقف مراد فجأة، وابتعد عن شفتيها والذعر الحاد يشع من عينيه الصقرية لأول مرة في تاريخه الاستخباراتي. تأمل وجهها الفاتن الذي تحول إلى بياض شاحب كالموت، ونحرها الذي هدأ نبضه المتسارع، وجسدها الرقيق المستسلم تماماً فوق حرير فراشه الأسود كجثة هامدة بين يديه العاريتين. انقبضت ملامحه الوسيمة الشرسة بلوعة حارقة وشغف مظلم، وأدرك أن طبيب العاصمة اللعين قد نجح في تدمير وعي قطته الفاتنة بالشك، محولاً عرينه الأبدي إلى ساحة حرب نفسية فتاكة لا ترحم الضعف.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   الشك القاتل

    امتدت أصابع ليلى الناعمة لتتحرك فوق شاشة الجهاز ببطء مميت، والعرين يتفصد من جبينها الشاحب ونحرها الفاتن يرتجف بفعل فيضان الأدرينالين الخالص. كانت الوثائق تعرض تقارير استخباراتية قديمة ومزيفة بدقة متناهية، تتهم مراد السيوفي بأنه كان العقل المدبر وراء صفقة سلاح دولية مشبوهة نُفذت في روما قبل خمس سنوات، وهي ذات الصفقة التي تسببت في مقتل عم ليلى (والد المستشار أدهم الجارحي) وتدمير الذراع المالي لعائلتها في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل احتوت الوثائق على تسجيلات صوتية مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التكتيكي، يظهر فيها صوت مراد الجهوري المبحوح وهو يتحدث ببرود مميت مع البارون إدوارد عثمان قائلًا: "عائلة الجارحي يجب أن تُسحق في العاصمة، وابنتهم ليلى ستكون المفتاح البديل الذي سنستخدمه لشل حركتهم وسحب المليارات السويسرية رغماً عن حصون قوانينهم."نزلت هذه البيانات المسمومة فوق رأس ليلى كصاعقة تدميرية اقتلعت بقايا الاستقرار الحميمي الذي عاشته بين أحضانه. تزلزل كيانها النفسي بالكامل، وشعرت بشرخ عاطفي مرعب يتسع في زوايا روحها المنهكة. تذكرت اعتراف مراد الصادق أمام نيران المد

  • رسالة إلى الشيطان   الرسالة المخترقة

    انقبضت ملامحه الوسيمة الشرسة بغيرة عمياء وشغف عارم، وقبل أن ينطق بكلمة لتهدئة روعها وإعادة فرض سيادته، أصدرت لوحة التحكم الرقمية المخفية بجانب البوابة الفولاذية أزيراً حاداً ومتسارعاً باللون الأحمر الخافت، وانفتحت البوابة ببطء ميكانيكي حذر ليعلن عن قطع لحظة تلاحمهما الرومانسي.دخل سليم بخطوات متعثرة، لاهثة ومذعورة للغاية، وهو يقبض على حقيبته الرقمية المعدنية بإحكام كأنها حياته برمتها. كان وجهه الشاب شاحباً كالموت، والعرين يتصبب من جبينه بمجرد أن تلاقت عيناه بجبروت مراد السيوفي الطاغي الذي لا يرحم المقاطعة في أوقات خلوته بحرمه."مراد بيه... معذرة على الاختراق المفاجئ للجناح!" صاح سليم بنبرة مخنوقة بالذعر الحاد والتكتيك، وهو يتراجع خطوتين للخلف بوجل خوفاً من بطش النمر. "الوضع التكتيكي بالخارج انهار بالكامل، والهدوء الحالي ما هو إلا خديعة رادارية كبرى أدارها المجلس الأعلى للمافيا في روما بالتعاون مع أجهزة العاصمة!"نهض مراد بكامل طوله وهيبته الفتاكة، وسحب ياقته ببرود مميت يتناقض تماماً مع ثورته قبل ثوانٍ، وتلاقت عيناه الصقريتان بعيني سليم بنظرة تقطر ببحّة الموت والوعيد المط

  • رسالة إلى الشيطان   الاعتراف المظلم

    تراقصت ألسنة اللهب البرتقالية الشرسة داخل تجويف المدفأة الحجرية العتيقة، مطلقةً طرقعة حادة وجافة لجذوع حطب البلوط التي كانت تلتهمها النيران بجوع مستعر. صبغت الإضاءة الدافئة عتمة الكوخ الخشبي بظلال ملحمية طويلة، تمددت فوق جدرانه السميكة وسجاده المصنوع من جلد الدب الطبيعي، لتعزل الجبارين تماماً عن صخب العاصفة الثلجية التي كانت تزمجر في الخارج، وتضرب جبال الألب السويسرية بعنفوان قطبيّ حاد. لم يعد هناك وجود لأساطيل أليكساندر الشبحية، ولا لصواريخ كروز البحرية التابعة للواء رأفت علام في العاصمة؛ فقد انصهر كيان الكون برمتّه ليدور في فلك تلك المساحة الصغيرة المضاءة بالنار والبارود المالح. وسط هذا الدفء الحارق المتسلل إلى أطرافها الناعمة، كانت ليلى تجلس محتواة بالكامل بين أحضان مراد السيوفي، وجسدها الرقيق المدثر بالبطانية الصوفية السميكة قد تخلص أخيراً من رعب التجمد ونوبات الذعر الميكانيكية التي عقبت محاولة الهروب الفاشلة. تلاقت عيناها العسليتان اللتان لا تزالان تلمعان بدموع الوجع والشرخ النفسي بصدره العريض العاري، حيث كانت قطرات دمائه الملكية الدافئة قد بدأت تتخثر ببطء فوق عضلاته

  • رسالة إلى الشيطان   دفء وسط الصقيع

    كانت أنفاس ليلى تخرج من صدرها الفاتن على هيئة سحب بيضاء متقطعة، تتلاشى بسرعة وسط إعصار الجليد الذي يمزق أحشاء غابة الصنوبر المحيطة بأساسات القصر المعزول. لم يعد كبرياء التمرد الذي قاد خطاها خارج قفص مراد المخملي سوى ذكرى باهتة تتجمد في عروقها؛ فقد تحوّلت المسارات البيضاء ل جبال الألب السويسرية إلى متاهة مغلقة من الصقيع القطبي الطاغي، الذي كان يخترق ثيابها وألياف الكربون العازلة لمعطفها، ليمتص آخر ذرات الطاقة البشرية من جسدها الرقيق. انزلقت قدماها الشاحبتان فوق تلال الثلج المتراكم، واهتز وعيها بالكامل تحت وطأة انخفاض حاد في الحمل الحراري لدمها العسلي، لتترنح كأوراق شجر في مهب عاصفة بركانية، وتكاد تسقط مغشياً عليها في جوف الهاوية المتجمدة.وفي تلك اللحظة الخاطفة التي جمدت الدماء في كيان الكون، وتحديداً بعد ثوانٍ من سقوط الملازم كارل جثة هامدة وسط الثلوج، اندفع جبروت مراد السيوفي كآلة إنقاذ وحشية خارقة لكل المقاييس الفيزيائية. ومع بداية ميلان جسدها المرتجف نحو الأرضية الجليدية الباردة، لم ينظر النمر إلى مروحيات أليكساندر الشبحية التي كانت تمزق الغلاف الجوي بالأعلى، ولم يلتفت إلى إن

  • رسالة إلى الشيطان   مطاردة الفريسة

    تسلل مارك من فتحة النافذة، ووجهه الشاب مشوه ببرودة الطقس وذعر المطاردة الدولية، وكان يحمل معطفاً فضفاضاً مصنوعاً من ألياف الكربون العازلة للحمل الحراري."بسرعة يا ليلى هانم! سليم يواجه الآن اختراقاً مضاداً من روما، ومروحية أليكساندر الشبحية تم رصد طيفها اللاسلكي على بعد عشرة أميال!" همس مارك بصوت مخنوق بالذعر الحاد، وعيناه الزرقاوان تلتفتان بنظرات مرعوبة نحو الممرات الداخلية للقصر. "مراد السيوفي سيعلم بغيابكِ في أي ثانية، وإن لم نصل إلى عمق الغابة الثلجية أسفل الجرف قبل تفعيل الحراسة الآلية... فلن يتبقى منا سوى جثث تتفحم تحت وطأة خنجره الفضي!"لم تنطق ليلى بكلمة؛ بل ألجمت لسانها لوعة العشق المظلم الذي يمزق أحشاءها. نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة، إلى الفراش الملكي الوثير المكسو بالحرير الأسود حيث انصهرت مقاومتها بالكامل تحت وطأة أنفاس مراد الحارة، وشعرت بشرخ نفسي مرعب يتسع بين رغبتها في الحرية وهوسها بتملك النمر الذي وشم جسدها باسمه. قبضت بيديها الصغيرتين المرتجفتين على حافة المعطف العازل، واندفعت خلف مارك عبر فتحة النافذة نحو الممر الخارجي الضيق المعلق في الهواء كجسر سري فوق

  • رسالة إلى الشيطان   شرخ في جدار التملّك

    كانت الغرفة الأسطورية الشاسعة تغرق في صمتٍ مطبق يحمل في طياته هيبةً جنائزية، كأنها قاعة معزولة في حصنٍ تهاوت دونه عروش الجبابرة. تلاشت تدرجات الضوء البرتقالي الشرس لليلة الشغف العنيف، ليحل محلها وهج رمادي شاحب، منبعث من خلال الألواح الزجاجية العملاقة المصفحة ضد القذائف والانفجارات. خلف ذلك الزجاج المنيع، كانت جبال الألب السويسرية تبدو ككتل من الغرانيت المتجمد، تلتف حولها سحب الضباب الكثيف المنبعث من الهاوية السحيقة أسفل الجرف، بينما كانت العاصفة الثلجية تضرب الجدران الخارجية بدوي تكتيكي مكتوم يشبه نبضات قلب الأرض المذعورة.فوق الفراش الملكي الوثير، المكسو بالحرير الأسود الداكن، كانت ليلى مستيقظة منذ ساعات الفجر الأولى. كان جسدها الرقيق، الملفوف برداء الحرير الأسود الناعم، ينبض بحرارة دافئة متبقية من أثر الاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادة النمر. تلمست شفتيها المطبوعتين بأثر قبلاته التدميرية العنيفة، وشعرت ببقايا عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جلد مراد يطوق أنفاسها كالقيد غير المرئي. وعلى الرغم من أن جسدها الفاتن قد انصهر تماماً تحت لمساته الشرسة المليئة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status