Share

انصهار الأقنعة

last update publish date: 2026-05-29 05:13:18

لم يكن لصوت "التكتكة" الرقمية المنبعثة من الشاشة الزرقاء الباهتة وقع عادياً؛ بل كانت تتردد في دهاليز النفق الخرساني الرطب كدقّات ساعة فناء حتمية، تقضم بقسوة ما تبقى من ثوانٍ في دفتي الحياة. خمس دقائق فقط تفصلنا عن التحول إلى رماد تدفنه أطنان من الخرسانة المسلحة، خمس دقائق وضعت جبار العاصمة ورجل مافياها الشرس، "مراد السيوفي"، في مواجهة مباشرة مع حامي القانون وزعيم مخابراتها، "أدهم الجارحي"، تحت رحمة خيانة سيادية كبرى حرك خيوطها رجل الدولة الأول، الفريق جلال عبد الحق.

أحسستُ برداء القطيفة الأسود يلتف حول جسدي المرتجف كأنه حصن واهن يثور ضد برودة الطوب القديم المحيط بنا. ذراعي المصابة بشق نصل آسر كانت تنبض بألم مستعر، يتصاعد مع كل قفزة مجنونة لقلبي المرعوب في صدري. كنتُ منكمشةً بالكامل بين ذراعي مراد الضخمتين، أستنشق أنفاسه الحارة التي كانت تتدفق من صدره العريض العاري والموشوم بندوب الصراعات كحمم بركانية توشك على تفجير عتمة الممر. غمرتُ وجهي الشاحب في عنقه، أبحث عن رائحة الصندل والتبغ الفاخر التي باتت ترياقي الأوحد للاحتفاظ بوعيي وسط هذا الجحيم المطبق.

كانت يد مراد الكبيرة، ذات الخاتم الفضي الذي عكس وميض الشاشة الأزرق الباهت، تطوق خصري بقبضة فولاذية، ضمة تفيض بجنون تملك مفرط وغيرة شرسة ترفض الانصياع لفكرة الهزيمة أو الفناء. عيناه الصقريتان الحادتان كانتا تشتعلان بنيران مستعرة، تنظران إلى وجه الفريق جلال الشامت خلف الزجاج الرقمي ببرود مرعب وفتّاك، وعضلات فكه النحيت تنحت بقسوة جعلت عروق عنقه تبرز كحبال مشدودة تستعد لتمزيق الخائن.

"جلال عبد الحق،" نطق مراد بالاسم، وخرج صوته الجهوري المبحوح بنبرة منخفضة للغاية، لكنها كانت أشبه بزئير نمر حوصر في شباك الصيد ولم تفارقه هيبته الملكية، "أنت واهمٌ إن ظننتَ أن متفجراتك السي فور وعقليتك الثعبانية قادرة على فرض الركوع على مراد السيوفي. لقد صنعتُ مملكتي من وسط دماء الخائنين الذين كانوا يشبهونك، ولم تعلم بعد أن جنون تملكي لليلى يفوق حجم مخططاتك السيادية برمتها. شاشتك الرقمية هذه سأحطمها فوق رأسك قريباً، وسأنتزع روحك بيديّ هاتين رغماً عن حالة طوارئك وقوانينك القذرة."

لم يتحرك للفريق جلال جفن خلف الشاشة؛ بل نفث دخان سيجاره الفاخر ببرود مميت، وارتسمت على شفتيه النحيفتين ابتسامة مسمومة تفيض بالخراب، وقال بنبرة أجشة خلا تماماً من أي شرف عسكري:

"الخطابات الحماسية لا تفكك المتفجرات يا نمر العاصمة الصغير.. والوقت يتسرب من بين أصابعك كرمال الصحراء. أمامكم أربع دقائق الآن.. إما أن تدفع بالآنسة ليلى وحساباتها السويسرية عبر المخرج الغربي لتنقذ حياتك وحياة شقيقك اللدود، أو سأجعل من هذا النفق قبراً جماعياً يطوي صفحة السيوفي والجارحي معاً."

التفت مراد بكامل جسده الطاغي وعرض منكبين الشامخين نحو أدهم الجارحي الذي كان يقف ممسكاً بمدفعه الرشاش الرسمي، والدماء تسيل من صدغه النحيت لتصبغ ياقة معطفه الكحلي الطويل بلون الحرب والنصر المكسور. كانت عينا أدهم السوداوان الباردتان تقطران بغضب وحش جُرح في شرفه العسكري وعائلته، وضغط بقبضته الكبيرة فوق غلاف اللوحة الرقمية المحطمة بذهول تملكه بالكامل.

"أدهم،" صاح مراد بصوته الجهوري، ونبرته تحمل تلك البحة الذكورية الساحرة والمخدرة للحواس، "قانونك الرسمي وشرفك العسكري تعرضا للخيانة الكبرى من قِبل رأس جهاز أمنك. هل ستظل واقفاً تتأمل تكتكة القنابل، أم أن جينات الجارحي تملك حلاً للخروج من هذه الشباك المطبقة؟"

نظر أدهم إلى مراد بنظرة تداخلت فيها عداوة الأمس مع وقار الواجب المقدّس لحماية دم ابنة عمه، وقال بصوت رخيم عميق، حازم ومثبت كأوتاد الجبال:

"شرف الجارحي لا ينحني للخونة يا مراد.. وجلال عبد الحق أصدر حكم الإعدام على نفسه بلمسه لدم عائلتي. المخرج الفرعي الغربي الذي يتحدث عنه ليس سوى فخ آخر لتصفيتنا بالرصاص ما إن نفتح الباب. لكنه أخطأ في الحسابات الرقمية؛ النظام الإلكتروني الذي اخترقه يتحكم بالبوابات الرئيسية الفولاذية، لكنه غفل عن وجود صمام هيدروليكي يدوي قديم أسسه السيوفي الكبير أسفل قاعدة الباب مباشرة كمخرج للطوارئ في حالات الانهيار الهيكلي."

خطا أدهم خطوة واسعة نحو الأسفل، وجثا على ركبتيه العسكريتين فوق الطين والرطوبة، وبدأ يزيل غطاءً حديدياً صدئاً مستقراً تحت الباب الفولاذي الضخم. تبين وجود رافعة حديدية ضخمة تتطلب قوة بدنية خارقة لتحريكها وفتح الباب يدوياً رغماً عن إغلاق النظام الرقمي المشفر.

"مراد! تعال إلى هنا!" صاح أدهم وهو يحاول تحريك الرافعة بكل قوته، وعروق يديه تبرز بعنف، "الرافعة تحتاج لقوة رجلين ببنظرة فاهية لنتمكن من كسر الضغط الهيدروليكي قبل أن تنتهي الدقيقتان المتبقيتان!"

أطلق مراد سراحي بلطف طاغٍ يتناقض تماماً مع قسوته، ودفعني خلف عمود خرساني سميك لحمايتي، ثم التفت بكامل هيبته وجبروته نحو أدهم. جثا بجانبه، وقبض بيديّه الضخمتين الحارتين على الرافعة الحديدية بجانب يديّ أدهم. تلاحمت عضلات منكبيهما الشامخين، واختلطت أنفاسهما الحارة والمتلاحقة بغبار النفق المظلم في مشهد ملحمي تجسد فيه تحالف المافيا والدولة من أجل هدف واحد.. من أجل إنقاذي.

"معاً يا أدهم! عند العد لثلاثة!" زأر مراد بصوت رعدي زلزل الأركان.

"واحد.. اثنان.. ثلاثة!" صرخا معاً.

باندفاعة خارقة تفيض بالقوة البدنية الغاشمة والأدرينالين، ضغطا على الرافعة بعنف، ليدوي صوت تحطم تروس الحديد القديمة بداخل الجدار بصرير حاد ومفاجئ، وبدأ الباب الفولاذي الضخم يرتفع ببطء نحو الأعلى، كاشفاً عن ممر ضيق ومضاء بأضواء كشافة بيضاء يقود مباشرة نحو المدرج العسكري المغلق!

"ليلى! اركضي!" صرخ مراد وهو يلتفت نحوي وعيناه الصقريتان تلمعان ببحّة غيرة قاتلة وتملك مفرط، وامتدت يده ليقبض على معصمي مجدداً وجذبني إليه بعنف وشغف عارم، ليرتطم جسدي بصدره العريض الدافئ.

حملني بين ذراعيه الضخمتين وركض بي بسرعة النمر الكاسر عبر الفتحة الضيقة، وتبعه أدهم الجارحي بمعطفه الكحلي الطويل ومدفعه الرشاش شاهر في وجه عتمة الممر الجديد. وما إن عبرنا عتبة الباب بالكامل ووطأت أقدامنا أرضية المدرج العسكري المغلق، حتى انتهت الثواني العشر الأخيرة من العد التنازلي خلفنا.

ودوت انفجارات متتالية، مرعبة وهائلة دمرت النفق الخرساني بالكامل وراء ظهرنا! انطلقت موجة عصف انفجاري ضخمة وحرارة لافحة قذفت بنا للأمام، وانهارت أطنان من الخرسانة والحجارة لتسد المدخل الفولاذي تماماً، وتملأ أجواء المدرج الشاسع بأبخرة البارود الرمادية والغبار الكثيف الذي حجب الرؤية في ثوانٍ معدودة.

سقط مراد فوق الأرض الإسمنتية للمدرج، لكنه أحكم ذراعيه حولي ليكون جسده الضخم هو الوسادة الحانية التي تمنع ارتطامي بالأرض الحادة. كان يتنفس بحدة، وصدره العريض يعلو ويهبط بعنف، وعيناه تلتهمان ملامحي الشاحبة والباكية بفحص جنوني مرعوب.

"هل أنتِ بخير يا قطتي الفاتنة؟! هل مسّتكِ نيران خيانتهم القذرة؟!" سأل بنبرة منخفضة مفعمة ببحّة الغيرة القاتلة والتملك الذي لا يرحم، وهو يضغط على خصري بيده الكبيرة الدافئة ليرفع جسدي إليه، وتغلغلت شفتاه الحادتان لتلامسا جرح ذراعي بنعومة حارقة تشتت عقلي وسط الفوضى.

"أنا بخير.. أنا بخير طالما أنني في قبضة يدك يا مراد،" همستُ بنبرة مخنوقة بالدموع وأنا أحيط عنقه الصلب بيديّ المرتعشتين، مستسلمة تماماً لهيب عشقه الشرس وتحديه للموت. انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم الغبار بلهيب الرغبة والتملك المطلق الذي لا يموت، سحبت مني آخر ذرات وعيي وجعلتني أنصهر بالكامل بين يديه.

لكن سكون هذه اللحظة الرومانسية الحارقة تمزق فجأة بصوت هدير محركات طائرة مروحية عسكرية ضخمة من طراز (أباتشي)، كانت تقبع في منتصف المدرج الشاسع ومراوحها تدور بسرعة جنونية تثير عواصف من الغبار والرماد في المكان. ومن حول الطائرة، انتشر عشرون من رجال النخبة التابعين للأمن القومي، يرتدون أقنعة سوداء ويوجهون بنادقهم الأوتوماتيكية الحاملة لمؤشرات الليزر الحمراء مباشرة نحو أجسادنا!

وعلى عتبة باب الطائرة المروحية، كان يقف الفريق جلال عبد الحق بنفسه، ممسكاً بمدفعه الرشاش الرمادي، وعيناه تفيضان بغدر وخيانة تفوق كل الحدود وهو يرى خروجنا من النفق حياً.

"لقد استهنتما بقواتي وبذكائي كثيراً يا أشقاء الموت،" صاح جلال بصوته الأجش والبارد الذي دوى وسط زئير محركات المروحية، "خروجكم من النفق كان محسوباً بالكامل.. والآن حان وقت نهاية هذه اللعبة وتطهير العاصمة من نفوذكم الملوث."

التفت جلال بنظراته الجليدية الشامتة نحوي أنا، ووجه فوهة مدفعه الرشاش مباشرة نحو صدري ورداء الحرير الأحمر، ووضع أصبعه فوق الزناد مستعداً لإطلاق رصاصة الإبادة القاتلة وانتزاع ثروتي وحساباتي السويسرية بقوة السلاح، وصاح بنبرة قاطعة لا تعرف الرحمة:

"ليلى ستموت الليلة لتكون الممول الشرعي لمملكتي الجديدة.. والسيوفي والجارحي سيلحقان بها فوراً!"

وفي تلك الأجزاء من الثانية الخاطفة للأنفاس والمشحونة برعب لا مثيل له، تحرك مراد وأدهم معاً بسرعة تفوق الخيال لحماية شرفه وتملكه المطلق لدم ليلى وحرمها الفاتن. ألقى مراد بجسده الطاغي وعرض منكبيه الشامخين فوقي بالكامل ليصبح درعي البشري الأوحد وسط النيران، وسحب مسدسه الفضي بيده اليمنى ليوجهه نحو جلال، بينما اندفع أدهم الجارحي للأمام بمعطفه الكحلي الطويل ورفع مدفعه الرشاش الرسمي ليطلق سيل من الرصاص المدمر نحو صدر الفريق جلال!

انطلقت الطلقات من كل حدب وصوب لتشعل المدرج العسكري بنيران الحرب الشاملة؛ الرصاص يخترق الهواء ويمزق الحديد، ومؤشرات الليزر الحمراء تتشابك بجنون فوق الأجساد، والدماء تتناثر فوق الأرضية الإسمنتية، وسط صرخات الغضب والغيرة الشرسة وتملك النمر وقانون الدولة التي تلاحمت جميعاً في معركة البقاء الأخيرة، حيث بات الموت والدموع والنيران يطوقون الغرفة المحترقة.. والجميع يقف على حافة الهاوية في مشهد خاطف للأنفاس حبس النبض في العروق!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   مطاردة الفريسة

    تسلل مارك من فتحة النافذة، ووجهه الشاب مشوه ببرودة الطقس وذعر المطاردة الدولية، وكان يحمل معطفاً فضفاضاً مصنوعاً من ألياف الكربون العازلة للحمل الحراري."بسرعة يا ليلى هانم! سليم يواجه الآن اختراقاً مضاداً من روما، ومروحية أليكساندر الشبحية تم رصد طيفها اللاسلكي على بعد عشرة أميال!" همس مارك بصوت مخنوق بالذعر الحاد، وعيناه الزرقاوان تلتفتان بنظرات مرعوبة نحو الممرات الداخلية للقصر. "مراد السيوفي سيعلم بغيابكِ في أي ثانية، وإن لم نصل إلى عمق الغابة الثلجية أسفل الجرف قبل تفعيل الحراسة الآلية... فلن يتبقى منا سوى جثث تتفحم تحت وطأة خنجره الفضي!"لم تنطق ليلى بكلمة؛ بل ألجمت لسانها لوعة العشق المظلم الذي يمزق أحشاءها. نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة، إلى الفراش الملكي الوثير المكسو بالحرير الأسود حيث انصهرت مقاومتها بالكامل تحت وطأة أنفاس مراد الحارة، وشعرت بشرخ نفسي مرعب يتسع بين رغبتها في الحرية وهوسها بتملك النمر الذي وشم جسدها باسمه. قبضت بيديها الصغيرتين المرتجفتين على حافة المعطف العازل، واندفعت خلف مارك عبر فتحة النافذة نحو الممر الخارجي الضيق المعلق في الهواء كجسر سري فوق

  • رسالة إلى الشيطان   شرخ في جدار التملّك

    كانت الغرفة الأسطورية الشاسعة تغرق في صمتٍ مطبق يحمل في طياته هيبةً جنائزية، كأنها قاعة معزولة في حصنٍ تهاوت دونه عروش الجبابرة. تلاشت تدرجات الضوء البرتقالي الشرس لليلة الشغف العنيف، ليحل محلها وهج رمادي شاحب، منبعث من خلال الألواح الزجاجية العملاقة المصفحة ضد القذائف والانفجارات. خلف ذلك الزجاج المنيع، كانت جبال الألب السويسرية تبدو ككتل من الغرانيت المتجمد، تلتف حولها سحب الضباب الكثيف المنبعث من الهاوية السحيقة أسفل الجرف، بينما كانت العاصفة الثلجية تضرب الجدران الخارجية بدوي تكتيكي مكتوم يشبه نبضات قلب الأرض المذعورة.فوق الفراش الملكي الوثير، المكسو بالحرير الأسود الداكن، كانت ليلى مستيقظة منذ ساعات الفجر الأولى. كان جسدها الرقيق، الملفوف برداء الحرير الأسود الناعم، ينبض بحرارة دافئة متبقية من أثر الاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادة النمر. تلمست شفتيها المطبوعتين بأثر قبلاته التدميرية العنيفة، وشعرت ببقايا عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جلد مراد يطوق أنفاسها كالقيد غير المرئي. وعلى الرغم من أن جسدها الفاتن قد انصهر تماماً تحت لمساته الشرسة المليئة

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status