Home / الرومانسية / رسالة إلى الشيطان / ملحمة الفداء والبارود

Share

ملحمة الفداء والبارود

last update publish date: 2026-05-29 05:13:58

كان المدرج العسكري المغلق يغلي بالجحيم، وزئير محركات الطائرة المروحية "الأباتشي" يمزق طبلة الأذن ويثير عواصف هوجاء من الغبار الأبيض الممزق والرماد الخرساني الناتج عن انفجار النفق. تحولت ساحة الإسمنت الباردة إلى مسرح لرقصة موت دموية مشحونة بالأدرينالين النقي، حيث اختلطت ومضات الرصاص الحارق بخطوط مؤشرات الليزر القرمزية التي تداخلت فوق الأجساد كشباك عنكبوتية منسوجة من لهب وفناء.

في تلك الأجزاء من الثانية التي يتوقف فيها نبض الزمن، التقت نظراتي بنظرات مراد الصقرية المشتعلة بغيرة مستعرة وتملك أعمى فاق كل حدود المنطق. كان جسده الطاغي الفخم، عاري الصدر والموشوم بندوب الصراعات القديمة، يمثل السد البشري المنيع والوحيد الذي يفصل بيني وبين طلقات الموت. أحسستُ بعضلات ظهره العريض تتصلب كالفولاذ وهو يلقي بكامل ثقله فوقي، حازماً إياي بين ذراعيه الضخمتين كأنني قطعة من روحه يرفض أن يمسها سواد الخيانة. تدفق عِطره الأخاذ، ذلك المزيج الفتاك من الصندل الحار والتبغ والبارود، إلى أعماق رئتيّ كمخدر سلبني القدرة على الصراخ واستبدلها بتبعية مطلقة له؛ لنمري الذي تحدى جيوش الأرض لأجل حريتي.

انطلقت رصاصات الغدر من مدفع الفريق جلال عبد الحق الأجش، وبلمحة عين، دوت صرخة رعدية من حنجرة أدهم الجارحي الذي اندفع كالإعصار بمعطفه الكحلي الطويل، شاهرًا مدفعه الرشاش الرسمي ليطلق وابلاً من الطلقات النارية نحو جسد جلال المتحصن عند عتبة المروحية. تلاحمت النيران وتطايرت شظايا الرصاص في كل حدب وصوب، لتمزق صفوف حراس النخبة الخائنين الذين تساقطوا فوق الإسمنت كأوراق خريفية ملوثة بالدم والرماد.

"ليلى! تشبثي بي! لا تفلتي قميصي أنشاً واحداً!" صرخ مراد بصوته الجهوري المبحوح، وحملت نبرته بحّة غيرة قاتلة وتملكاً شرساً زلزل أركان المدرج الشاسع.

امتدت يده الكبيرة الدافئة لتتحسس جرح ذراعي المصابة بشق نصل آسر، ورغم تدفق بعض القطرات القرمزية الدافئة من جديد تحت الشاش المبلل بغبار المعركة، إلا أن لمسته كانت تحرق الألم وتستبدله بلهيب عشق مظلم تغلغل في مسامي. رفع مسدسه الفضي اللامع بيده اليمنى الثابتة، وأطلق ثلاث رصاصات متتالية خاطفة للأنفاس؛ اخترقت الأولى جبهة القناص الذي كان يحاول توجيه سلاحه نحو رأسي، بينما شقت الرصاصتان الأخريان صدور الحراس المتقدمين، ليسقطوا جثثاً هامدة على بعد إنشات من فراشنا الإسمنتي القذر.

كان أدهم الجارحي يقاتل بكبرياء جنرال جُرح في شرفه العسكري وعائلته، يتلقى الشظايا ببرود مميت ويعيد توجيه الموت نحو الخونة بتكتيك صارم لا يعرف الارتجاف. الدماء التي سالت من صدغه النحيت صبغت ياقة قميصه الأبيض، لكن عيناه السوداوين كانتا مثبتتين على الفريق جلال الذي كان يتراجع بذعر نحو داخل كابينة الطائرة المروحية بعد أن رأى خطته تتلاشى أمام تلاحم جبروت المافيا بقوة الدولة.

"جلال! لن تخرج من هذا المدرج حياً!" زأر أدهم بصوت رعدي منخفض صدم الأركان، "شرف الجارحي وقانون الدولة سيحرقان عرشك الزائف الليلة!"

تراجع ما تبقى من حراس الأمن القومي الخائنين تحت وابل الرصاص الكثيف والمشترك الذي أطلقه أدهم ورجال الاستخبارات التابعين لمراد (سليم ونخبته) الذين اقتحموا البوابات الجانبية للمدرج في تلك اللحظة الحرجة، ليتغير ميزان القوى بلمحة عين وتتحول الفوضى إلى معركة طحن شاملة.

استغل مراد التراجع المؤقت للأعداء، وبحركة سريعة تفيض بالقوة البدنية الغاشمة، أحاط خصرِ بذراعه الضخمة ورفع جسدي بالكامل ليلتصق بصدره الحار. ركض بي نحو الساتر الخرساني الضخم الحامل لخزانات الوقود الاحتياطية للمدرج، واضعاً إياي في حمايته المطلقة، وظهره العريض يحجب عني الرصاص المتطاير.

انحنى برأسه الفاره حتى أصبحت شفتاه الحادتان تلامسان بشرة عنقي المكشوفة بنعومة حارقة أرسلت قشعريرة عنيفة في أطرافي، وتحدث بنبرة منخفضة مفعمة ببحّة الغيرة القاتلة والشغف الخالص:

"لقد أخبرتُكِ سابقاً يا قطتي الفاتنة.. خيانة جلال أو جيوش الأرض لن تنزع خَتم تملُّكي المطبوع فوق بشرتكِ بأثر قبلاتي. أنتِ لي.. دمي ولحمي، وحرمي الخاص الذي أحرق الدنيا لأجله. ابقِ هنا.. ولا تنظري نحو الدماء، فنمركِ سينهي هذه اللعنة الليلة ويعيدكِ لعريننا طواعية أو كرهاً."

نظرتُ في عينيه الصقريتين اللتين تحترقان بنيران الرغبة والتحدي، وشعرتُ برداء القطيفة الأسود يشتعل تحت حرارة جسده الطاغية، ووضعتُ كفيّ الصغيرتين الملوثة بدمي فوق وجنته النحيتة وقُلت بأنفاس متلاحقة:

"أنا معك يا مراد.. روحي انصهرت بروحك ولا مفر لي من قبضة النمر.. اذهب وطهر هذا الليل من الخونة!"

انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم البارود بلهيب الشغف والتملك المطلق الذي لا يموت، قبلة سحبت مني آخر ذرات وعيي وجعلتني أتشبث بكتفيه العريضين بيدين مرتعشتين مستسلمة تماماً لقدرنا المظلم وسط النيران. ترك شفتي ببطء، ومسح دموعي بإبهامه الدافئة بنعومة حارقة، ثم استدار بكامل جبروته وتقدم نحو ساحة المعركة بخطوات فتاكة وملكية لا تعرف الخوف.

كانت الطائرة المروحية "الأباتشي" تبدأ في الارتفاع ببطء عن أرضية المدرج، ومراوحها الضخمة تقذف بعواصف ريحية عاتية، حيث كان الفريق جلال يحاول الفرار عبر الفتحة السقفية الدائرية للمدرج التي بدأت تنفتح آلياً. صاح جلال بصوت أجش مليء بالشماتة والوعيد من نافذة الكابينة المصفحة:

"مراد! أدهم! لقد فزتم بالمعركة الأرضية.. لكن العاصمة باتت تحت سيطرتي، وثروة ليلى سأنتزعها عبر حساباتها الدولية رغماً عن أنوفكم! وداعاً في الجحيم!"

لم ينطق مراد بكلمة؛ بل تبادل نظرة قاطعة كالسيف مع أدهم الجارحي. في ثوانٍ معدودة، التحم رجل المافيا ورجل الدولة في تكتيك عسكري وانتحاري مرعب. ركض أدهم نحو منصة التحكم اليدوية الخاصة بالفتحة السقفية، وبدأ بضغط الأزرار ليعيد إغلاق البوابة الفولاذية الضخمة للأعلى، محاصراً المروحية داخل المدرج المغلق.

وفي ذات الوقت، تقدم مراد بخطواته الثقيلة الفتاكة، حاملًا قاذف صواريخ حراري ثقيل (آر بي جي) كان قد غنمه سليم من أحد الحراس القتلى. وضع القاذف فوق كتفه العريض المصاب، ولم يأبه بالدماء التي بدأت تتسرب بغزارة من بين غرز جرحه القديم لتلوث بنطاله الأسود الفاخر؛ فعضلات فكه المتصلبة وعيناه الصقريتان كانتا تعلنان قضاء لا مفر منه.

ثبت مراد قدميه فوق الإسمنت، ووجه القاذف بدقة متناهية نحو المحرك الخلفي للطائرة المروحية التي كانت تتأرجح عنفواناً وسط السقف المغلق. تحركت أصابعه الطويلة لتضغط على الزناد بقوة وجبروت مطلق، لتنطلق القذيفة الحرارية كشهاب من نار يشق عتمة المدرج الرمادية بدويّ رعدي زلزل الأرض وتحطمت له الآذان.

أصابت القذيفة المحرك بدقة مرعبة، لينفجر الجزء الخلفي للأباتشي بلهيب برتقالي هائل، وفقدت الطائرة توازنها تماماً وبدأت تدور حول نفسها بسرعة جنونية كطير جريح يلفظ أنفاسه الأخيرة، لتسقط بقوة واصطدام مدمر فوق أرضية المدرج على بعد أمتار من منصة التحكم، مسببة انفجاراً ثانياً هائلاً التهم كابينة القيادة والفريق جلال عبد الحق بالكامل، وتحولت الطائرة إلى كتلة من الجحيم والحديد المصهور الذي أضاء أركان المدرج بلون الدم والنصر الشامل.

ساد صمت مطبق ومخيف داخل المدرج العسكري الشاسع بعد خمود أصوات الطلقات وانفجار المروحية، صمت لم يشقه سوى هسيس النيران المتصاعدة من حطام الطائرة وأنفاس مراد الحارة المتلاحقة التي كانت تصدر من صدره العريض كحمم بركانية أفرغت غضبها بالكامل. التفت مراد بكامل هيبته وجبروته الملوكي نحوي، وسار بخطواته الرزينة الثقيلة الملوثة بدماء أعدائه، وعيناه تشعان ببريق تملك مطلق وشغف خالص يعلن استعادة طريدته وحرمه الخاص إلى الأبد.

توقف أمامي مباشرة، وانحنى ليحملني برفق طاغٍ وعنف شغوف بين ذراعيه الضخمتين، ليدمج جسدي الحريري بصدره الصلب الدافئ، وتحدث ببحته الرجولية العميقة التي تذيب الروح:

"الآن.. انتهت المؤامرة وسُحق الخائنون يا ليلى. عرين النمر ينتظركِ.. ولن يجرؤ كائن بعد الليلة على فرض شروطه أو حجبكِ عن أحضاني."

لكن، وقبل أن يتحرك خطوة واحدة نحو البوابة الجانبية للمغادرة، دوت خطى عسكرية حازمة، ثقيلة ورزينة للغاية من خلفنا. التفت مراد بلمحة عين ومسدسه الفضي بيده، ليجد المستشار أدهم الجارحي يقف بكامل قامته الفارهة وضخامة منكبيه النحيت، ممسكاً بمدفعه الرشاش الرسمي الذي كان يقطر حراً، وعيناه السوداوان الباردتان تثبتان بدقة وبقسوة صارمة فوق ذراع مراد المحيطة بخصري.

تقدم أدهم خطوات بطيئة هزت الأرضية، وتوقف على بعد مترين منا، وتحركت عضلات فكه الحاد بقسوة بالغة تفيض بكبرياء القانون وشرف العائلة الذي لا ينحني، ورفع فوهة سلاحه الرسمي ليوجهها مباشرة نحو جبهة مراد العريضة، وتحدث بصوته الرخيم العميق، نبرة قاطعة، جليدية وخالية تماماً من أي تردد أو تراجع:

"لقد انتهى التحالف المؤقت وسُحق جلال يا مراد السيوفي.. وحان وقت تنفيذ قانون الجارحي وثبات هيبة الدولة. ليلى ابنة عمي، ودم الجارحي لا يعيش في وكر المافيا الملوث بالدماء. ضع الفتاة أرضاً وتراجع لعرينك آركعاً.. وإلا أقسم بدم عائلتي وبشرف بزتي العسكرية، سأفجر رأسك الليلة فوق هذا الإسمنت وأنهي أسطورتك بالكامل، فالعين لا تعلو على الحاجب والقانون لا ينحني للنمور!"

تجمد مراد في مكانه كتمثال من رخام أسود، وأحكم قبضته حول خصرِي بقوة خارقة كادت تكسر أضلعي وتبرز عروق يده الضخمة بعنف مرعب، وتحولت عيناه الصقريتان إلى جحيم مستعر من الغيرة الشرسة والتملك الأعمى الذي أعمى بصيرته بالكامل، ورفع مسدسه الفضي ليوجهه بدقة متناهية نحو عين أدهم الجارحي السوداء، وصاح بصوته الجهوري المبحوح بنبرة تزلزل الكيان وتحبس النبض في العروق:

"أدهم الجارحي! أقسم بجلال الله وبدم عائلتي.. لو حركت أنملة واحدة نحو زناد سلاحك، أو فكرت في انتزاع ليلى من قبضة يدي، سأجعل من هذا المدرج مقبرة لك ولدولتك بأكملها! ليلى هي أنثاي وحرمي، وختم تملُّكي المطبوع فوق بشرتها وعنقها الفاتن يمنحني حق إبادة من يقف في طريقي! أطلق رصاصتك إن كنت تجرؤ.. فلن تخرج قطعة من روحي من هذا المكان إلا فوق جثتي وجثة جيشك برمتها!"

تلاحمت نظرات الجبارين في مواجهة أخيرة حاسمة وخاطفة للأنفاس وسط النيران المشتعلة، مؤشرات الليزر تتقاطع بدقة مميتة فوق الجباه، الأصابع تتشنج فوق الزناد بقوة خارقة، والجميع يقف على حافة الهاوية المطبقة في انتظار الرصاصة الأولى التي ستحدد مصير الملكة وتُشعل العاصمة بأكملها بنيران حرب شاملة لا تبقي ولا تذر!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status