Home / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (27) : أسرار قبو جنيف

Share

الفصل (27) : أسرار قبو جنيف

last update publish date: 2026-08-23 07:46:08

انسحب طارق وإلينا من الشرفة الرخامية المطلة على بحيرة جنيف تحت جنح الظلام والضباب المتصاعد، متوغلين عبر باب خدمة جانبي مموه في الجدار الحجري لقصر "شاتو دي فالد". انقطعت أصوات الموسيقى الكلاسيكية والضحكات المخملية فجأة كأنها تنتمي إلى عالم آخر، ليحل محلها صمت بارد ورطب يفوح برائحة العفن القديم وحجارة الغرانيت التي صمدت لقرون. لم تكن الممرات السفلية للقصر مجرد سراديب نبيذ عتيقة كما يظن ضيوف الحفل، بل كانت غطاءً تاريخياً شُيدت في أحشائه واحدة من أحدث وأخطر غرف العمليات وحفظ البيانات التابعة لمجلس الظل القاري.

نزلا الدرج الحجري الضيق بخطوات حذرة وحاسمة؛ كانت إلينا قد شقت بطانة فستانها المخملي الزمردي من الجانب لتمنح ساقيها حرية الحركة والاندفاع، بينما استلت من غمدها الخفي عند فخذها خنجراً فولاذياً دقيقاً ومسدساً كاتماً للصوت. أما طارق، فقد خلع قناعه الفينيسي وألقى به جانباً، كاشفاً عن عينين صقريتين تشتعلان بتركيز مميت، مستلاً مسدسه الصامت ومثبتاً جهاز استشعار حراري مصغر على معصمه.

"القبو مقسم إلى ثلاثة مستويات أمنية،" همست إلينا بصوت رخيم متقطع ينساب في أذن طارق وهي تلتصق بظهره العريض عند منعطف الممر. "المستوى الأول مخصص لحراسة القصر الخاصة، والمستوى الثاني يحتوي على أنظمة التهوية والمولدات، أما المستوى الثالث فيقع تحت قاع البحيرة مباشرة... هناك ترقد خزائن السجلات السوداء وخوادم التشفير الكمومي التي تدير صفقات السلاح والاغتيال عبر خمس قارات."

التفت طارق نحوها، وتلاقت أعينهما في مساحة ضيقة مشحونة بالحرارة والتحدي؛ مد يده القوية وأحاط خصرها النحيل برفق حازم ليجذبها خلف عمود حجري ضخم، بينما لامست أنفاسه الدافئة وجنتها الشاحبة: "عمران عطل كاميرات المراقبة السطحية، لكن الحراس في الأسفل يتبعون بروتوكولاً مستقلاً لا يعتمد على شبكة القصر. تحركي خلفي، وأي فوهة سلاح تظهر... لا تمنحي صاحبها فرصة للرمش."

ابتسمت إلينا ابتسامة واثقة يمتزج فيها الدهاء بالرغبة المتقدة في حسم الثأر، وضغطت بيدها على صدره العريض: "أنا لا أهدر الرصاص يا طارق... دعنا نصل إلى قلب الخزينة قبل أن يستفيق فانس من صدمته."

تقدما بحذر نحو البوابة الفولاذية المؤدية للمستوى الثالث. كان الممر مكسواً بألواح عازلة للصوت ومضاءً بأنابيب نيون بيضاء باهتة تعكس برودة التكنولوجيا الحديثة داخل الأقبية القديمة. فجأة، التقط جهاز الاستشعار على معصم طارق إشارتين حراريتين تقتربان بسرعة من نهاية الرواق؛ كانا اثنين من عناصر النخبة التابعة للأمن السويسري الخاص المكلف بحماية أسرار المجلس، يرتديان سترات تكتيكية سوداء ويحملان أسلحة رشاشة مدمجة.

لم ينتظر طارق؛ بل اندفع كصاعقة ليلية مباغتة قبل أن يتمكن الحارسان من رفع أسلحتهما. بضربة خاطفة وقاتلة بقبضة يده الحديدية، كسر فك الحارس الأول وأفقده الوعي، بينما استدار نحو الثاني الذي حاول سحب خنجره، ليلوي طارق ذراعه بحركة ميكانيكية حاسمة كسرت المفصل، متبعاً إياها بلكمة ساحقة في قاع الجمجمة أسقطته جثة هامدة فوق الأرضية الإسمنتية دون أن يصدر عنهما أدنى جلبة.

في نهاية الممر، انتصبت بوابة الخزينة المركزية؛ جدار هائل من التيتانيوم الصلب المعزز بأقفال هيدروليكية ونظام مسح بيومتري متعدد الطبقات. أخرجت إلينا من حقيبتها المخملية الصغيرة جهاز فك التشفير الكهرومغناطيسي الذي يحتوي على بصمة الترددات المسروقة من يخت كوزلوف في الشمال، وربطته باللوحة الرقمية للبوابة.

بدأت أرقام الشفرات تتدفق باللون الأخضر على الشاشة الصغيرة بسرعة خاطفة، بينما وقفت إلينا تراقب المؤقت وعيناها الزمرديتان تلتمعان في الظلام: "النظام يحاول إعادة التشفير التلقائي... أمامي أربعون ثانية لاختراق جدار الحماية السابع."

وقف طارق خلفها كالسد المنيع، موجهاً سلاحه نحو الممر الطويل، يترقب أي تعزيزات قد يرسلها اللورد فانس. كانت برودة القبو تلسع الأجساد، لكن قربهما وتوتر اللحظة أشعلا في المكان حرارة مكتومة؛ التفتت إلينا إليه للحظة خاطفة، لترى في عينيه الداكنتين ثقة مطلقة لم تتزعزع قط، مما منح أصابعها ثباتاً خارقاً في كتابة الرموز البرمجية الأخيرة.

تـك... فـشـشـش.

صدر صوت تفريغ هوائي هادر، وانزلقت أقفال التيتانيوم الثقيلة نحو الجوانب لتفتح البوابة الفولاذية ببطء، كاشفة عن قلب الخزينة السرية لمجلس الظل القاري.

دلجا إلى الداخل لتستقبلهما قاعة أسطوانية مبردة بالغاز الخامل، تصطف على جدرانها صفوف لا تنتهي من خوادم حفظ البيانات المضيئة بالأزرق الداكن، وفي منتصف القاعة، فوق منصة من الرخام الأسود المحاط بزجاج مصفح ضد الرصاص، استقرت الخزينة المركزية السوداء التي تحمل رمز "الأوميغا القارية".

تقدم طارق وحطم القفل الزجاجي للمنصة بنصل خنجره القتالي بضربة دقيقة ومحكمة، ثم سحب الصندوق الفولاذي الأسود وفتحه مستخدماً المفتاح المشفر.

تناثرت فوق الرخام وثائق ذات طابع سري للغاية، ودفاتر حسابات مشفرة، ومحركات أقراص صلبة مغلفة بالتيتانيوم تحتوي على التسجيلات والاتفاقيات الأصلية لمجلس الظل. تثبتت عينا طارق وإلينا على الملف المركزي الأضخم؛ كان يحمل عنوان "مشروع الخط الساحلي - تصفية العروش القديمة"، وممهوراً بتوقيعات وأختام شمعية تعود لست سنوات مضت.

فتحت إلينا الملف بأصابع مرتجفة من فرط الغضب والألم الدفين؛ ظهرت أسماء كافة الشخصيات الدولية المتورطة: اللورد ألكسندر فانس، ووزراء خارجية، ومديرو مصارف كبرى في باريس ولندن وزيورخ، وإلى جانب خطط الاغتيال التفصيلية لوالد طارق ووالد إلينا، كانت هناك خريطة عسكرية توضح كيفية تقاسم خطوط الموانئ وشبكات تجارة السلاح عبر القارة بأكملها.

"كل شيء هنا..." همست إلينا بصوت متحشرج، وعيناها تمتلئان بدموع الغضب والانتصار الكاسح في آن واحد. "كل خائن، وكل صفقة بيعت فيها دماؤنا... موثقة بأدق التفاصيل والتحويلات المصرفية التي لا يمكن إنكارها أمام أي محكمة أو جهاز استخباري في العالم."

أمسك طارق بالملفات ومحركات الأقراص، ووضعها في حقيبته المصفحة بحزم، ثم التفت نحو إلينا. كانت تقف في ضوء الخوادم الأزرق، بملامحها الآسرة التي تجلت فيها كل معاني الشموخ والقوة بعد استعادة الحقيقة المسلوبة. مد طارق يده القوية وأحاط وجهها بكفيه، ممرراً إبهامه برفق فوق وجنتها ليمسح التوتر الذي ارتسم على ملامحها، وتلاقت أعينهما في نظرة طويلة امتزج فيها العهد بالانتماء الأبدي.

"حق عائلتك وعائلتي دُفن في هذا القبو لسنوات يا إلينا..." قال طارق بصوت عميق ورخيم يفيض بالسطوة، "والليلة أخرجناه من الظلمات، لنسحق به كل من جلس على ذلك المجلس الزائف."

انحنت إلينا مستندة بجبهتها على صدره الصلب، وتنفست رائحة التبغ والبارود العالقة في سترته، هامسة بنبرة نارية: "فانس ينتظر في الأعلى... يظن أننا سنمنحه أربعاً وعشرين ساعة للتنازل."

رفع طارق ذقنها بأصابعه، وثبت بصره الصقري في عينيها: "الذئاب لا تمنح الخونة مهلة للهروب... فانس سيسقط الليلة مع قصره، وسيشهد العالم بأسره ولادة النظام الجديد تحت راية رماد السطوة."

في تلك اللحظة، دوى صوت صفارات الإنذار في كافة أرجاء القبو والممرات العلوية للقصر؛ لقد اكتشف فانس اختراق الخزينة، وبدأت قوات الحرس الخاص في إغلاق المنافذ.

ألقى طارق الحقيبة على كتفه، وسحب سلاحه، مشابكاً يده الحرة بيد إلينا بقوة لا تنفصم، لينطلقا معاً نحو الممرات المشتعلة، مستعدين لخوض معركة التطهير الأخيرة في قلب جنيف وإسقاط رأس المجلس القاري إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد السطوة   الفصل (58): خيوط المؤامرة الأخيرة

    عادت الغواصة «قاهر الظلمات» لتستقر في الحوض الجاف الصخري أسفل قصر «لو بيلفيدير» مع انبلاج خيوط فجر ندي غسل زرقة البحر الأبيض المتوسط برذاذ فضي نقي. انحسرت مياه البحر الهادرة عبر البوابات الفولاذية العازلة بصرير هيدروليكي مهيب، مخلّفة سحباً من الأبخرة البيضاء ورائحة الملح المركز، بينما اصطفت كتائب «حراس العهد» على الأرصفة الخرسانية ببنادقها المجهزة في انضباط فولاذي صارم. لم يكن النصر في هاوية سوندا السحيقة نهاية المطاف، بل كان استئصالاً لقلب الخطر البيولوجي قبل أن ينفث سمومه؛ غير أن الجسد المتفرع لحلف الأيتام كان لا يزال يمتلك أطرافاً تتحرك في عواصم الظل، تتغذى على حسابات سرية معقدة وشركات أمنية وهمية أُسست خصيصاً لتنفيذ الانتقام بعد سقوط الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف.صعد طارق وإلينا عبر المصعد الصخري الصاعد نحو الجناح الإمبراطوري العلوي بخطوات هادئة تنضح بالجبروت واليقظة. كان طارق قد استبدل بزة الغوص بقميص أسود من القطن المعالج يلتصق بصدره العريض وساعديه المفتولين، بينما استقر خنجره الفولاذي الدمشقي في غمده الجلدي على خاصرته، وعيناه الصقريتان الداكنتان تفيضان ببرود مفترس يبحث عن

  • رماد السطوة   الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

    انحدرت الغواصة الاستراتيجية للأعماق السحيقة «قاهر الظلمات» كحوت تيتانيومي أسود في أحشاء المحيط الهندي، مخترقة طبقات المياه المظلمة نحو قاع خندق "سوندا" على عمق أربعة آلاف ومائتي متر تحت سطح البحر. في هذا السديم المائي المعزول، حيث لا يجرؤ أدنى بصيص من ضوء الشمس على التسلل منذ الأزل، كان وزن المحيط يشكل ضغطاً هيدروستاتيكياً ساحقاً يهدد بسحق أعتى الدروع الفولاذية في رمشة عين، بينما تصاعدت من الشقوق التكتونية السفلية أعمدة دخان كبريتي ومياه مغلية تقذفها الفوهات البركانية الحرارية كجحيم مستعر في قاع الصقيع. لم تكن هذه البقعة مجرد هوة جيولوجية منسية في خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المعقل الأكثر عزلة لمشروع «البرزخ الأسود»، حيث تم تشييد محطة الأبحاث «نيكسوس-سوندا» داخل تجويف بازلتي محمي بحقول ألغام مغناطيسية ومجسات رصد صوتي ترصد دبيب حركات القاع.في مقصورة القيادة المتقدمة للغواصة، خيم ضوء قرمزي شاحب امتزج بأزيز أجهزة تنقية الأكسجين ورنين نبضات السونار السلبي. وقف طارق كطود صخري لا تزعزعه أهوال الأعماق؛ ارتدى بزة غوص تكتيكية مصفحة بصفائح ألياف الكربون المعالجة بالتيتانيوم السائل لمق

  • رماد السطوة   الفصل (56): يقظة البرزخ المظلم

    مرت سبعة أشهر على ميلاد «آدم»، واستكانت مياه البحر الأبيض المتوسط تحت شمس ربيعية دافئة غمرت شرفات قصر «لو بيلفيدير» بضياء عسجدي وهاج. بدا القصر الإمبراطوري الرابض فوق الجرف الصخري الشامخ كقلعة أسطورية صلبة حفرتها يد القدر لتكون منارة السيادة للعالم الجديد؛ لم تعد البوارج الحربية الشبحية تجوب مياهه في حالة تأهب قتالي مستمر، بل اصطفت على مسافات محسوبة كحراس عملاقة تنفث وقار القوة المفرطة، بينما كانت حركة التجارة العالمية تجري في المضايق الدولية بنظام ساعاتي محكم يخضع بالكامل لشفرات وضوابط منظومة «رماد السطوة». خيل للعواصم الكبرى ولغرف التجارة أن الكوكب دخل أخيراً في عصر الاستقرار الأبدي بعد احتراق الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف، لكن القمم الشاهقة التي تصنع الملوك تدرك دائماً أن أشد أنواع الخطر ضراوة ليس ذلك الذي يزمجر بالمدافع في وضح النهار، بل الذي يتخلق في صمت مطبق داخل الأرحام المظلمة للمؤسسات المندثرة.في الجناح الإمبراطوري العلوي، حيث تتداخل نسائم البحر الرطبة مع أريج زهر البرتقال وأشجار السرو المحيطة بالحدائق المعلقة، وقفت إلينا بجوار مهاد عاجي فاخر مرصع بالذهب وخشب الأبنوس، تت

  • رماد السطوة   الفصل (55): ميلاد العهد الجديد

    تهادت زرقة البحر الأبيض المتوسط في صبيحة خريفية دافئة، لتغسل أمواجها الهادئة قواعد الجرف الصخري الشامخ لقصر «لو بيلفيدير»، حيث استقرت أساطيل الحماية التابعة لقيادة «رماد السطوة» في تشكيلات بحرية مهيبة ترسم حدود العاصمة السرية للعالم الجديد. لم تعد الممرات المعلقة في القصر تشهد صخب بنادق الاقتحام أو رنين أجهزة الإنذار التكتيكية؛ بل ساد المكان هدوء ملكي فاره، تتخلله حركة دبلوماسية استثنائية لم تشهد لها القارة مثيلاً منذ قرون. في المرفأ الخاص المنحوت في الصخر، اصطفت مروحيات الوفود الرسمية وسفن الدبلوماسيين القادمين من عواصم آسيا، وأوروبا، والأمريكتين، بعد أن خضع كل وفد لإجراءات تفتيش بيومترية دقيقة أشرف عليها قادة «حراس العهد»، ليجتمعوا تحت سقف واحد للتوقيع على المعاهدة الشاملة التي خطتها أيدي المنتصرين بعد سحق آخر أطياف مجلس الظل في جنيف.في الجناح الإمبراطوري الشرقي، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر الحريرية العاجية، لتلقي بظلالها الوارفة على أرضية خشب الساج المعتق والمفروشات المخملية الفاخرة. وقفت إلينا أمام الواجهة الزجاجية الكبرى المطلة على البحر؛ ارتدت فستاناً أسطوري

  • رماد السطوة   الفصل (54): فجر النظام الأبدي

    تنفس فجر جنيف البارد دخاناً أسود كثيفاً تصاعد من أنقاض قصر «لو بريزيدينسيال»، ليشهد العالم السري واحدة من أعنف الهزات في تاريخه الحديث؛ هزة لم تسجلها مقاييس الزلازل الجيولوجية، بل رصدتها خوادم غرف العمليات المغلقة في واشنطن، وبكين، ولندن، وموسكو. في غضون أسبوعين فقط، تهاوت الرؤوس السبعة التي حكمت الكوكب من وراء أقنعة الظل لأكثر من نصف قرن؛ سقط دراكوف في الكاربات، وميداس في كومو، وكروغر في بحر البلطيق، ويانوس في محافل جنيف، ورافاييل في أودية الأندلس، وشتاينر في صقيع بيرنغ، وصولاً إلى اللورد سيباستيان مورغان—«أوريون»—الذي احترق عرشه الأخير في وضح الفجر. تجمدت أسواق المال المشبوهة، وانسحبت خلايا المرتزقة من بؤر النزاع الإقليمية كفئران مذعورة أدركت أن جحورها باتت مكشوفة، بينما خيم وجوم مرعب على أجهزة الاستخبارات الدولية؛ لم يعد هناك مجلس أطياف يدير دفة النزاعات، بل صار هناك سيدان مطلقان لا شريك لهما في السيادة على هذا الكوكب: طارق وإلينا.حطت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» فوق المهبط الصخري السري المعلق في خاصرة جرف قصر «لو بيلفيدير». تلاشت عواصف الثلوج وأمطار الشمال الباردة

  • رماد السطوة   الفصل (53): عرش أوريون في جنيف

    هطلت أمطار جنيف الخريفية كشلالات باردة من الرصاص المذاب، تغسل أرصفة ضاحية "كولوني" الأرستقراطية وتلف قصورها الرخامية بغلالة رمادية كثيفة من الضباب الرطب العالق فوق مياه بحيرة "ليمان". كانت شوارع المدينة الدبلوماسية غارقة في هدوء مخادع، إلا أن قصر «لو بريزيدينسيال» الشاهق، الرابض على تلة حرجية معزولة تشرف على صفحة الماء والضفاف المقابلة للحدود الفرنسية، كان يعيش استنفاراً غير مرئي للعين المجردة. لم تكن هناك مدرعات تجوب الحديقة أو جنود بزيهم الرسمي؛ بل انتشر حول الأسوار الحجرية العتيقة خمسون عنصراً من نخبة "الحرس الأسود"، مدججين بأسلحة كهرومغناطيسية ونظارات رؤية بيومترية متصلة بغرف التوجيه المركزية، بينما جابت أسراب من الطائرات المسيرة فائقة الصغر فضاء القصر، تحميه من أي تسلل بري أو جوي. هنا، في هذا الحصن المنيف الذي توارثته عائلات الظل لأكثر من قرن، جلس رأس الأفعى الأخير: "الإمبراطور أوريون"، البارون الأكبر والمهندس الحقيقي لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي نسج خيوط المؤامرة، ومول كارتيلات الشمال، ووجّه حروب القارات الخمس دون أن تُلتقط له صورة واحدة في سجلات العالم العلني.في قبو صخري مه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status