LOGINالفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيها
لم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها. جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما. لم يتحدث أحد. كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي. وضعت ليان يدها على يد سليم. التفت إليها للحظة. «خائفة؟» ابتسمت ابتسامة صغيرة. «كنت سأقول لا.» «لكن؟» «لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.» ابتسم. «إذن قولي الحقيقة.» «أنا خائفة جدًا.» ضغط على يدها. «وأنا أيضًا.» رفعت حاجبها. «أنت؟» «نعم.» «أنت لا تخاف.» «كنت أظن ذلك.» «ومتى اكتشفت العكس؟» نظر إليها. «منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.» صمتت. ثم قالت: «لن تخسرني.» «وعد؟» «وعد.» عاد ينظر إلى الطريق. لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق. ليلى منصور. جدتها. المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها. المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها. والأخطر من ذلك... أنها ما زالت حية. قالت ليان: «سليم.» «نعم؟» «ماذا لو كانت جدتي هي السبب في كل ما حدث؟» «سنكتشف ذلك.» «وماذا لو كانت هي من فصلت بين أمي وأبي؟» «سنكتشف ذلك أيضًا.» «وماذا لو كانت هي من جعلت والدك يختفي؟» صمت قليلًا. «سنكتشفه.» التفتت إليه. «كيف تستطيع أن تقولها بهذه البساطة؟» «لأنني لو بدأت أتخيل كل الاحتمالات، سأفقد قدرتي على التفكير.» «وأنا أفكر في كل شيء.» «أعرف.» «هذا يزعجك؟» «لا.» «لماذا؟» ابتسم. «لأنني أحب كل شيء فيك، حتى الأشياء التي تجعلني أفقد صبري.» ضحكت. «أنت بدأت تصبح رومانسيًا.» «الفضل لك.» «لم تكن هكذا عندما تزوجنا.» «لأنني لم أكن أعرف أنك ستصبحين أهم إنسانة في حياتي.» ساد الصمت للحظات. ثم قالت: «سليم.» «نعم؟» «لو لم يحدث كل هذا...» «ماذا؟» «لو لم يكن هناك سر، ولا عائلات، ولا يونس، ولا جدك... هل كنت ستتزوجني؟» نظر إليها طويلًا. «نعم.» «كيف أنت متأكد؟» «لأنني عندما رأيتك للمرة الأولى، لم أعرف شيئًا عن كل هذا.» «ومع ذلك؟» «ومع ذلك لم أستطع أن أتوقف عن التفكير فيك.» ابتسمت. «وأنا أيضًا.» ثم أعادت رأسها إلى المقعد. لكن قبل أن تستريح، ظهر المنزل القديم أمامهما. كان مهجورًا. مظلمًا. والبوابة الحديدية مفتوحة. قال سليم: «لقد وصلنا.» --- توقفت السيارتان. نزل الجميع. كان آدم أول من اقترب من المنزل. نظر إلى النوافذ. «لا أحد ظاهر.» قالت نادين: «وهذا ما يخيفني.» سأل سليم: «لماذا؟» «لأنهم يعرفون أننا قادمون.» قال آدم: «بالطبع يعرفون.» نظرت ليان إليه. «كيف؟» «لأننا لم نكن نتحرك في الخفاء منذ أن خرجنا من المستشفى.» قال سليم: «إذن يريدوننا هنا.» «نعم.» قالت ليان: «إذن سندخل.» أمسكت سلمى بيدها. «لن تبتعدي عني.» نظرت إليها ليان. «لم أعد طفلة.» ابتسمت سلمى. «بالنسبة لي ستظلين طفلتي دائمًا.» توقفت ليان للحظة. ثم احتضنتها. كان ذلك أول عناق حقيقي بينهما منذ عودتها إلى حياتها. قالت ليان: «كنت أحتاج هذا منذ سنوات.» أغمضت سلمى عينيها. «وأنا كذلك.» ابتعدتا. قال سليم: «لن ندخل جميعًا من الباب الرئيسي.» قال آدم: «هناك مدخل خلفي.» سألت ليان: «هل تعرف هذا المكان جيدًا؟» «كنت أجيء إليه مع إياد.» تغير وجه سليم. «أبي؟» «نعم.» «إذن خذني إليه.» --- دخلوا من الباب الخلفي. كانت رائحة الرطوبة تملأ المكان. الأثاث مغطى بقطع قماش قديمة. الصور على الجدران مائلة. لكن شيئًا لفت انتباه ليان. توقفت أمام صورة معلقة. كانت لسلمى. وبجوارها امرأة أخرى. رفعت يدها. «هذه هي.» اقتربت سلمى. «ليلى.» قالت ليان: «جدتي.» نظرت سلمى إلى الصورة. «كنت أكرهها.» «لماذا؟» «لأنها لم تكن ترى الناس إلا باعتبارهم أوراقًا في لعبة.» قال آدم: «وكانت خطيرة.» سألت ليان: «ماذا فعلت؟» صمتت سلمى. ثم قالت: «كانت هي التي بدأت الاتفاق بين العائلتين.» «أي اتفاق؟» «الاتفاق الذي جعل حياتك مرتبطة بحياة سليم قبل أن تعرفي اسمه.» نظر سليم إليها. «كيف؟» قالت سلمى: «كانت تريد دمج أموال العائلتين.» «بالزواج؟» «نعم.» «لكن لماذا أنا وليان؟» «لأنكما كنتما الطفلين الوحيدين اللذين يمكن أن يحدث من خلالهما ذلك.» قالت ليان: «هذا يعني أن كل شيء بدأ قبل أن نولد.» «نعم.» قال آدم: «لكن ليلى لم تكن تعرف أن الحب سيهدم كل خططها.» نظر سليم إلى ليان. «الحب؟» قال آدم: «إياد أحب سلمى.» ثم نظر إلى ليان. «وآدم أحب سلمى أيضًا.» رفعت سلمى عينيها. «لم يكن الأمر بهذه البساطة.» قالت ليان: «لكنني أريد أن أعرف.» تنهدت سلمى. «كنت أحب إياد.» نظر سليم إلى أمه. «وأبي أحبك.» «نعم.» «فلماذا تزوجتِ يونس؟» أخفضت رأسها. «لأنني كنت مجبرة.» تدخلت نادين. «وكان ذلك جزءًا من خطة ليلى.» --- قالت ليان: «إذن جدتي أجبرتك على الزواج من يونس؟» «لم يكن الأمر إجبارًا مباشرًا.» «ماذا يعني؟» «هددتني.» «بماذا؟» «بإياد.» تجمد سليم. «ماذا كانت ستفعل؟» «كانت تستطيع تدمير حياته.» «فوافقتِ؟» «نعم.» «ثم؟» «بعد أن تزوجت يونس، حملت بك.» نظرت ليان إلى بطنها. «أنا؟» «نعم.» «وكان يونس يعرف أنني ابنته؟» «منذ اللحظة الأولى.» «ولماذا أراد التخلص مني؟» قالت سلمى: «لأنه لم يرَ فيك ابنة.» «ماذا رأى؟» «وريثة.» --- كان صوت سليم هادئًا حين قال: «هذا المكان يخفي شيئًا.» نظر آدم إليه. «ماذا؟» «هناك شيء غير طبيعي.» أشار إلى الجدار. «كل الصور هنا مرتبطة بعائلتنا.» قالت نادين: «نعم.» «لكن لماذا توجد هذه الغرفة؟» «لأنها كانت مكتب ليلى.» اقترب سليم من المكتب. فتح الأدراج. فارغة. قالت ليان: «ربما الخزنة هنا.» توقف. «أي خزنة؟» «الخزنة التي تحدث عنها الرجل.» قال آدم: «ابحثوا عن شيء غير طبيعي.» بدأ الجميع في تفحص الجدران. وضعت ليان يدها على أحد الألواح الخشبية. شعرت بتيار هواء. قالت: «هنا.» اقترب سليم. «ماذا؟» «هناك فراغ خلف الخشب.» طرق عليه. كان الصوت أجوف. قال: «ابتعدي.» دفع اللوح. لم يتحرك. أخرج آدم أداة صغيرة من جيبه. «اتركه لي.» بعد دقائق، انفتح اللوح. ظهر ممر ضيق. قالت نادين: «وجدنا المدخل.» --- نزلوا. كلما نزلوا أكثر، أصبح الهواء أبرد. كانت الجدران مصنوعة من الحجر. وعلى أحدها ظهرت عبارة محفورة: «لا يدخل إلا من اختار الآخر دون أن يعرف اسمه.» توقفت ليان. قالت: «ماذا يعني هذا؟» قرأ سليم العبارة. «أظن أنها تتحدث عنا.» قالت نادين: «الخزنة.» «ماذا؟» «هذه العبارة كانت جزءًا من الأسطورة القديمة.» سأل آدم: «أي أسطورة؟» «أسطورة الوريثين.» قالت ليان: «احكي.» «كان يقال إن العائلتين ستعودان إلى شخصين لا يختاران بعضهما بسبب المال أو الاسم أو السلطة.» نظرت إلى سليم. «بل يختار كل منهما الآخر دون أن يعرف من يكون.» ابتسم سليم. «وهذا حدث بالفعل.» قالت ليان: «لكننا لم نعرف الحقيقة إلا بعد الزواج.» «ولهذا فشلت الخطة.» سأل سليم: «أي خطة؟» «خطة ليلى.» --- وصلوا إلى باب حجري. في وسطه فتحتان. واحدة تحمل الرقم 17. والأخرى تحمل الرقم 1. أخرجت ليان مفتاحها. ووضع سليم مفتاحه. نظر كل منهما إلى الآخر. قال: «مستعدة؟» «معك.» أدارا المفتاحين معًا. صدر صوت عميق. تحرك الباب. وانفتح ببطء. خلفه كانت هناك غرفة كبيرة. وفي منتصفها خزنة ضخمة. لكنها لم تكن خزنة عادية. كانت مصنوعة من الحديد الأسود، وعلى بابها نقوش لعائلتي منصور والراوي. اقتربت ليان. قالت: «هذه هي.» قال آدم: «نعم.» لكن قبل أن يتقدم أحد... اشتعلت الأنوار. وتردد صوت من مكبرات مخفية. «أحسنتم.» استدار الجميع. ظهر وجه على شاشة كبيرة في نهاية الغرفة. رجل مسن. كان هو نفسه الرجل الذي ظهر في صورة مازن. قال سليم: «جدي.» ابتسم. «مرحبًا يا حفيدي.» قالت ليان: «أين أنت؟» «قريب جدًا.» «أظهر نفسك.» «ليس بعد.» قال سليم: «لماذا أحضرتنا إلى هنا؟» «لأنني احتجت إليكما.» «في ماذا؟» «لفتح الخزنة.» قالت ليان: «لماذا لم تفتحها بنفسك؟» ضحك. «لأنها لا تفتح إلا بكما.» --- قال سليم: «ماذا يوجد فيها؟» «شيء سيغير حياتكما.» «أموال؟» «لا.» «وثائق؟» «أكثر خطورة.» «ما هو؟» قال الرجل: «دليل.» «على ماذا؟» «على الشخص الذي أدار العائلتين طوال عشرين عامًا.» سألت ليان: «أنت؟» ابتسم. «كنت مجرد منفذ.» «إذن من كان يديرهما؟» لم يجب. قال سليم: «أين يونس؟» «قريب.» «وماذا يريد؟» «مثل الجميع.» «ماذا؟» «أن ينجو.» --- تقدم سليم نحو الخزنة. قال: «افتحها.» قال الرجل: «لا أستطيع.» «لماذا؟» «لأنها لن تفتح لي.» «إذن لماذا جعلتنا نأتي؟» «لأنكما صاحبا المفتاح.» قالت ليان: «ماذا يحدث عندما نفتحها؟» «لن تستطيعوا إغلاقها مرة أخرى.» «وماذا يعني ذلك؟» «أن كل شيء سيظهر.» نظرت إلى سليم. «أنا مستعدة.» «وأنا.» أدارت المفتاح. لكن الخزنة لم تفتح. قالت نادين: «هناك شيء آخر.» لاحظت ليان نقشًا صغيرًا أسفل القفل. قرأته: «لا يكفي المفتاح.» قال سليم: «ما المطلوب؟» كانت هناك بصمتان محفورتان. واحدة لليد اليمنى. وأخرى لليد اليسرى. قال آدم: «بصماتكما.» وضعت ليان يدها. وضع سليم يده. صدر صوت. ثم انفتحت الخزنة. --- لم يتوقع أي منهم ما وجدوه. لم تكن هناك أموال. ولا ذهب. كانت هناك عشرات الملفات. وصور. وتسجيلات. وأشرطة قديمة. وفي المنتصف صندوق زجاجي. داخل الصندوق خاتم. تقدمت ليان. «هذا خاتم أمي.» قالت سلمى: «مستحيل.» اقتربت. «هذا الخاتم أعطيته لإياد.» قال سليم: «لماذا كان هنا؟» أخذ آدم إحدى الأوراق. قرأها. ثم تغير وجهه. قالت ليان: «ماذا؟» «هذا سجل التحويلات.» «لمن؟» «لأسماء كثيرة.» «ومن بينها؟» أشار إلى اسم. تقدمت. وقرأت. ثم تجمدت. كان اسمًا تعرفه. فارس. قالت: «أبي؟» قال آدم: «فارس كان يعمل معهم.» «لا.» قالت سلمى: «ليان...» «لا.» أخذت ملفًا آخر. وجدت توقيع فارس. قالت: «هذا لا يعني أنه كان ضدنا.» قال آدم: «لا.» «إذن ماذا؟» «كان يتظاهر بأنه يعمل معهم.» «لحمايتي؟» أومأ. «كان يتجسس عليهم.» بدأت دموع ليان تنزل. «طوال كل هذه السنوات...» قال سليم: «كان يحميك.» «كنت أعتقد أنه أخفى عني الحقيقة لأنه لا يثق بي.» «كان يخاف أن تقتلك الحقيقة.» --- وجد سليم شريط تسجيل. وضعه في جهاز قديم. ظهر صوت إياد. توقفت أنفاسه. «إذا كنت تسمع هذا التسجيل، فأنا لم أستطع العودة.» جلس سليم أمام الجهاز. قال إياد: «سليم، ابني...» أغمض عينيه. «إذا كبرت، فأرجوك لا تكره والدتك.» نظرت سلمى إلى الأرض. تابع إياد: «لم تكن تريد تركك.» ثم جاء صوته أكثر هدوءًا: «أما ليان، فإذا كانت إلى جانبك، فاعرف أنك وجدت الشخص الذي يجب أن تحميه.» نظرت ليان إلى سليم. كان يبكي. قال إياد: «لكن لا تجعل حمايتك لها تتحول إلى قيد.» توقفت ليان. «دعها تختارك.» ثم قال: «إذا اختارتك، فلا تخذلها.» انتهى التسجيل. ظل سليم صامتًا. اقتربت ليان. جلست بجانبه. أمسكت يده. قال: «كنت أتمنى أن أسمع صوته وأنا طفل.» «لكنك سمعته الآن.» «متأخرًا.» «لكن ليس متأخرًا جدًا.» نظر إليها. «أبي كان يعرف أنك ستدخلين حياتي.» «ربما.» «لكنه لم يعرف أنني سأحبك بهذه الطريقة.» ابتسمت. «هل تحبني بهذه الطريقة؟» قال: «أكثر مما ينبغي.» --- في تلك اللحظة... سمعوا صوت تصفيق. استداروا. كان يونس واقفًا عند المدخل. وراءه ثلاثة رجال. قال: «لحظة مؤثرة.» وقف سليم. «ابتعد عنها.» ضحك يونس. «ما زلت تفكر فيها قبل نفسك.» «نعم.» «وهذا ما جعلني أخسر.» قالت ليان: «ماذا تريد؟» «الملف.» «لن تأخذه.» «لا أحتاج إلى أخذه.» «ماذا؟» «أحتاج فقط إلى شيء واحد.» نظر إلى سليم. «أن يفتح الصندوق الأخير.» أشار إلى صندوق صغير أسفل الخزنة. قال سليم: «ما فيه؟» «شهادة.» «أي شهادة؟» «الحقيقة عن أمك.» تجمد. «نادين أخبرتنا.» «نادين لا تعرف كل شيء.» تقدم يونس. «والدتك لم تكن مجرد زوجة لإياد.» قال سليم: «ماذا تقصد؟» ابتسم. «كانت تملك مفتاحًا آخر.» ثم نظر إلى ليان. «وأنت تملكينه.» قالت: «أنا؟» «نعم.» «أي مفتاح؟» أشار إلى عنقها. «السلسلة التي ترتدينها.» وضعت يدها على السلسلة. كانت قديمة. ورثتها من والدها. قال يونس: «لم تكوني تعرفين أنها مفتاح.» --- خلعت ليان السلسلة. كان في نهايتها جزء معدني صغير لم تنتبه إليه من قبل. قال سليم: «أعطني إياها.» ناولته. اقترب من الصندوق. وجد فتحة صغيرة. أدخل الجزء المعدني. انفتح الصندوق. في داخله ورقة واحدة. رفعها. قرأها. ثم شحب وجهه. قالت ليان: «ماذا؟» لم يجب. أخذت الورقة. قرأت. وكان أول سطر كافيًا لتغيير كل شيء: «أنا إياد الراوي، وأعترف أن سليم ليس ابني البيولوجي.» شهقت. نظرت إلى سليم. لكن قبل أن تتمكن من قول أي شيء... أكمل يونس: «أخبرتك.» رفع سليم رأسه. «إذن من أنا؟» صمت يونس. ثم قال: «اسأل أمك.» استدارت ليان نحو سلمى. كانت تبكي. قالت: «أمي...» لم تستطع سلمى الكلام. قال سليم: «أريد الحقيقة.» رفعت سلمى عينيها إليه. ثم قالت: «سليم... أنت ابني.» «أعرف.» «لكن إياد...» «ماذا؟» أغمضت عينيها. «إياد لم يكن والدك.» سقطت الورقة من يد سليم. قالت ليان: «إذن من والده؟» لم تجب سلمى. نظر الجميع إليها. ثم قالت بصوت مرتجف: «والد سليم هو الرجل الذي يقف خلف يونس.» ساد الصمت. قال سليم: «من؟» لكن قبل أن تجيب... أُغلقت أبواب الغرفة. وانطفأت الأنوار. ثم ظهر الرجل العجوز على الشاشة مرة أخرى. وقال: «الآن فقط... بدأت الحقيقة.» ثم أضاف: «لأن والد سليم الحقيقي هو الشخص الذي ظننتم أنه مات منذ عشرين عامًا.» وانطفأت الشاشة. وفي الظلام... سمعت ليان صوتًا خلفها. صوت رجل تعرفه جيدًا. قال: «وأنا لم أمت.» استدارت. وتجمدت. كان الرجل يقف أمامها. وجه مألوف. صوت مألوف. والأكثر رعبًا... أنه كان الشخص الذي دفنوه بأيديهم في ذاكرتهم منذ سنوات. إياد الراوي.الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







