LOGINالفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتين
لم تصرخ ليان. لم تستطع. ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه. وجهه لم يكن غريبًا. لقد رأته عشرات المرات. في الصور القديمة. في التسجيلات. في أحلام أمها. في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط. كان هو نفسه. الشعر الذي شاب قليلًا. الملامح الحادة. العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم. لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور. وأكثر تعبًا. وأكثر حزنًا. قال بصوت منخفض: «سليم.» ارتجفت شفتا سليم. لم يتحرك. كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا. قال: «أبي؟» لم يجب الرجل. فقط نظر إليه. ثم قال: «كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.» تقدم سليم خطوة. «أنت ميت.» «أعرف.» «رأيت شهادة وفاتك.» «كانت مزورة.» «دفنوك.» «لم أُدفن.» «رأيت القبر.» «كان هناك رجل آخر.» هز سليم رأسه. «لا.» اقترب أكثر. «لا يمكن.» قال إياد: «يمكن.» رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث. أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى. كانت أمها تبكي. قالت ليان: «كنتِ تعرفين.» رفعت سلمى عينيها. «نعم.» «كنت تعرفين أنه حي؟» «نعم.» «منذ متى؟» لم تجب. صرخت ليان: «منذ متى؟!» قالت سلمى: «منذ سبعة عشر عامًا.» ساد الصمت. شعر سليم بأن الأرض تميد تحته. قال: «سبعة عشر عامًا؟» اقتربت منه سلمى. «كنت أحاول حمايتك.» ابتعد عنها. «الجميع يقول الجملة نفسها.» قالت: «لأنها الحقيقة.» «لا.» نظر إليها. «الحقيقة أنني قضيت حياتي أعتقد أن أبي مات.» «كنت سأخبرك.» «متى؟ عندما أصبح في الثمانين؟» «عندما أصبح الأمر آمنًا.» ضحك سليم بمرارة. «وهل أصبح آمنًا الآن؟» قال إياد: «لا.» التفت الجميع إليه. «لم يصبح آمنًا أبدًا.» --- كانت ليان أول من تحرك. ذهبت نحو إياد. وقفت أمامه. قالت: «أنت تعرفني.» نظر إليها. «منذ أن كنتِ طفلة.» «وأنا لا أعرفك.» «أعرف.» «كنت أسمع اسمك كأنه اسم رجل مات منذ سنوات.» «كنت أريد أن أعود.» «لماذا لم تفعل؟» خفض عينيه. «لأن عودتي كانت ستقتل أمك.» نظرت إلى سلمى. ثم إلى إياد. «والآن؟» «الآن أصبح الخطر أكبر من أن نخفيه.» قال يونس من الخلف: «جميل جدًا.» استدار الجميع. كان يونس يبتسم. «لم أتوقع أن أراك هنا يا أخي.» نظر إليه إياد. «وأنا لم أتوقع أن أراك ما زلت حيًا.» «أنت تعرفني.» «أعرفك أكثر مما ينبغي.» قال سليم: «إذن أنتما تعرفان بعضكما.» رد يونس: «نحن إخوة.» تجمدت ليان. قال سليم: «أنت أخو أبي؟» «نعم.» قال إياد: «لكن يونس ليس الشخص الذي يقف خلف كل شيء.» نظر سليم إليه. «إذن من؟» صمت إياد. ثم قال: «والدنا.» --- تراجع يونس. «لا تستخدم اسمه.» قال إياد: «انتهى وقت الخوف.» «أنت لا تعرف ما الذي تفعله.» «أعرف.» «إذا عرفوا أنه حي، فسنموت جميعًا.» «لقد عرف.» قال سليم: «من؟» نظر إياد إليه. «جدك.» «هو حي؟» «نعم.» قالت ليان: «الرجل الذي ظهر على الشاشة؟» أومأ إياد. «نعم.» «لكن لماذا؟» «لأنه يريد الخزنة.» قالت ليان: «فتحناها.» ابتسم إياد. «لم تفتحوا سوى الطبقة الأولى.» قال سليم: «كم طبقة فيها؟» «ثلاث.» «وما الذي يوجد في الثانية؟» «أسماء.» «وفي الثالثة؟» «الدليل.» قالت ليان: «دليل على ماذا؟» نظر إليها إياد طويلًا. «على أن والدتك ليست المرأة التي ظننتِ أنها أمك فقط.» تجمدت. «ماذا تقصد؟» قال: «سلمى تحمل سرًا عنك.» التفتت ليان إلى أمها. «أمي؟» خفضت سلمى رأسها. قال إياد: «قولي لها.» صمتت سلمى. ثم قالت: «أنا لم أولد في عائلة منصور.» --- شعرت ليان أن الأسرار لا تنتهي. قالت: «ماذا؟» «والدك لم يكن والدك بالدم.» «ماذا تقولين؟» «الرجل الذي ربّاكِ... كان زوجي.» قال إياد: «لكنها لم تكن ابنة الرجل الذي تظنينه.» «إذن من أبي؟» صمت الجميع. قال إياد: «هذه الإجابة موجودة في الخزنة.» «ولماذا لا تقولها؟» «لأنني أريد أن تريها بنفسك.» قالت ليان: «كفى.» ارتفع صوتها. «أنا تعبت.» نظر إليها سليم. اقترب منها. «تعالي.» هزت رأسها. «لا.» «ليان.» «لا أريد أن أسمع شيئًا آخر.» أمسك يدها. «أنا هنا.» نظرت إليه. كانت عيناه تحملان نفس الضياع الذي تشعر به. قالت: «أنت أيضًا اكتشفت أن والدك حي.» «نعم.» «وأنا أكتشف كل يوم أن الأشخاص الذين ظننت أنهم موتى أحياء، والأحياء ليسوا كما ظننتهم.» ابتسم بحزن. «إذن نحن متشابهان.» «هذا الشيء الوحيد الذي ما زال يطمئنني.» شد على يدها. «لن نسمح لهم أن يفرقونا.» قالت: «وإذا كان هناك سر آخر بيننا؟» نظر في عينيها. «سنواجهه معًا.» --- قال إياد: «هناك شيء يجب أن تعرفاه قبل أن نكمل.» تقدم سليم. «قل.» «الخزنة لم تُفتح بالكامل.» قال آدم: «نعرف.» «لا.» قال إياد. «أنتم لا تعرفون ما يعنيه ذلك.» اقترب من الخزنة. لمس طرفها. «هذه الخزنة صُنعت على ثلاث مراحل.» «لماذا؟» «لأن أبي لم يكن يثق بأحد.» «ومن هم أصحاب المفاتيح؟» نظر إلى ليان. «أنت.» ثم إلى سليم. «وأنا.» قال سليم: «لكن مفتاحك لم يكن معنا.» «كان.» أخرج سلسلة من عنقه. تعلق بها مفتاح صغير. حدقت ليان فيه. «إذن أنت كنت تعرف.» «منذ سنوات.» قال سليم: «لماذا تركتنا نفتحها؟» «لأنني أردت أن أتأكد أنكما اخترتما بعضكما قبل أن تعرفا الحقيقة.» نظر إلى ليان. «هذا كان شرط إياد.» ثم ابتسم. «شرطي أنا أيضًا.» قالت: «ما علاقة الحب بكل هذا؟» أجاب إياد: «كل شيء.» --- اقترب سليم من أبيه. «كنت تراقبني؟» «نعم.» «منذ متى؟» «منذ كنت طفلًا.» «كنت أعرف أن هناك رجلًا يراقبني.» «كنت أنا.» «كنت أظن أنك رجل من رجال جدي.» «كنت أريدك أن تكرهني.» «لماذا؟» «لأن كرهك لي كان أكثر أمانًا من معرفتك بالحقيقة.» «لكنني لم أكرهك.» تأثر إياد. «أعرف.» «كنت أبحث عنك.» «وأنا كنت أبحث عنك.» «فلماذا لم تظهر؟» «لأن أول مرة حاولت فيها الاقتراب منك، تعرضت أمك للخطر.» نظر سليم إلى سلمى. «ثم؟» قال إياد: «أدركت أن أفضل طريقة لحمايتكما هي أن أظل ميتًا.» قال سليم: «لكنني كنت أحتاج أبًا.» خفض إياد رأسه. «وأنا كنت أحتاج ابني.» ساد الصمت. ثم اقترب سليم منه. لثوانٍ لم يعرف أي منهما ماذا يفعل. ثم احتضنه سليم. احتضنه بقوة. وكأن سبعة عشر عامًا من الغياب انكسرت في لحظة واحدة. أغمض إياد عينيه. وضم ابنه. قال: «سامحني.» رد سليم بصوت مبحوح: «لا أستطيع.» ابتعد إياد. تألم. لكن سليم أكمل: «لا أستطيع أن أسامحك الآن.» ثم نظر إليه. «لأنني أحتاج أولًا أن أتعلم كيف أعرفك.» أومأ إياد. «هذا حقك.» --- كانت ليان تراقبهما. شعرت بشيء دافئ في قلبها. ربما لأن سليم، رغم كل ما حدث، لم يهرب. كان يواجه الحقيقة. اقتربت منه. وضعت يدها على كتفه. نظر إليها. قال: «أنت الشيء الوحيد الذي لم يتغير.» ابتسمت. «لا.» «ماذا؟» «أنا تغيرت.» «كيف؟» «أصبحت أحبك أكثر.» نظر إليها. لم يهتم بمن حولهما. أمسك وجهها بين يديه. «هل تعرفين كم كنت أحتاج سماع ذلك؟» «أعرف.» «بعد كل ما حدث...» «لن أتراجع.» «حتى لو أصبح كل شيء أكثر تعقيدًا؟» «حتى لو أصبح العالم كله ضدنا.» اقترب منها. ثم قبّل جبينها. لم يكن قبلة طويلة. لكنها كانت تحمل وعدًا أكبر من الكلمات. قال: «إذن سنبقى معًا.» «دائمًا.» --- قال يونس: «كفى.» استدار سليم. «لماذا أنت غاضب؟» «لأنني أرى شيئًا لم أحصل عليه.» «ما هو؟» «اختيار.» سكت. قال يونس: «كل حياتي كنت أعيش وفق اختيارات الآخرين.» قال إياد: «ولهذا أصبحت مثلهم.» «أنت لا تعرف شيئًا.» «أعرف أنك كنت تستطيع أن تختار غير هذا الطريق.» ضحك يونس. «وأنت؟» «أنا اخترت الحب.» «وخسرت كل شيء.» نظر إياد إلى سلمى. «تقريبًا.» قال يونس: «وهي اختارتك.» قالت سلمى: «نعم.» «رغم كل ما فعلته؟» «نعم.» «إذن أنت فزت.» قالت سلمى: «لا أحد يفوز عندما يضيع نصف عمره.» --- فجأة سمعوا صوت ارتطام قوي من الخارج. قال آدم: «علينا أن نتحرك.» أخرج هاتفه. «هناك سيارات.» قال سليم: «كم؟» «أربع.» قال إياد: «وصلوا.» سألت ليان: «من؟» «رجال أبي.» قالت: «ماذا نفعل؟» قال إياد: «نهرب.» نظر سليم إلى الخزنة. «لن نترك الملفات.» «خذوها.» «كلها؟» «خذوا الملف الأحمر.» بحثت ليان. وجدته. كان يحمل اسمًا واحدًا: سلمى. فتحت الملف. كانت هناك صور. وتقارير. وشهادة ولادة. وأوراق كثيرة. قالت: «أمي...» اقتربت سلمى. «لا تفتحيه الآن.» «لماذا؟» «لأنني لا أريدك أن تعرفي بهذه الطريقة.» «لقد سئمت من الطرق الناقصة.» ثم فتحت الصفحة الأولى. قرأتها. وتغير وجهها. «هذا...» قال سليم: «ماذا؟» ناولته الورقة. قرأ. ثم نظر إلى ليان. «ليان...» «ماذا؟» «هذه ليست شهادة ميلادك.» «أعرف.» «لا.» رفع عينيه. «أنتِ مولودة باسم آخر.» توقفت. «ماذا؟» قلب الصفحة. كان هناك اسم مكتوب: ليان إياد الراوي. تجمد الجميع. قالت ليان: «ماذا يعني هذا؟» قال إياد: «يعني أنني كنت والدك.» صمت. ثم أضاف: «بيولوجيًا.» --- لم تستوعب ليان الكلمات. نظرت إلى سلمى. ثم إلى إياد. ثم إلى سليم. قالت: «أنا... أخت سليم؟» ساد صمت مرعب. تراجع سليم خطوة. قال إياد بسرعة: «لا.» «لكن اسمك على شهادة ميلادي.» «نعم.» «وأنت والد سليم.» «نعم.» «إذن؟» اقترب منها. «لأنني لست والد سليم البيولوجي.» تجمدت. «ماذا؟» قال إياد: «الورقة التي وجدتموها كانت مزورة.» قال سليم: «قلت إنك والدي.» «وأنت ابني.» «لكن ليس بالدم.» «نعم.» قالت ليان: «إذن من أبي؟» نظر إياد إلى سلمى. ثم قال: «الرجل الذي يجب أن تسأليه بنفسك.» «من؟» وقبل أن يجيب... انفتح الباب بعنف. دخل رجال مسلحون. صرخ آدم: «انبطحوا!» انطلقت رصاصة. ثم أخرى. سحب سليم ليان خلفه. احتضنها. قال: «لا تتحركي.» «وأنت؟» «أنا معك.» تحرك آدم ونادين نحو المخرج الجانبي. سلمى أمسكت بيد ليان. أما إياد فوقف في منتصف الغرفة. قال يونس: «إياد!» صرخ: «خذهم واخرج.» «وماذا عنك؟» «سأؤخرهم.» قال سليم: «لن أتركك.» نظر إليه إياد. «هذه أول مرة أطلب منك فيها أن تطيع أباك.» توقف سليم. ثم قال: «أنت أبي.» «نعم.» «إذن تعال معنا.» ابتسم إياد. «سأأتي.» ثم أطلق النار في الهواء. تراجع الرجال. بدأ الجميع بالركض. --- خرجوا من الممر الخلفي. كان المطر قد توقف. لكن السماء بقيت مظلمة. ركبوا السيارات. كان سليم وليان في السيارة الأولى. وفي اللحظة التي أغلق فيها الباب، أمسكت ليان بوجهه. «أنت بخير؟» «نعم.» «متأكد؟» «نعم.» «كنت خائفة عليك.» «وأنا خفت عليك أكثر.» احتضنها. «لن أسمح لهم بأخذك.» قالت: «أنا لست ضعيفة.» «أعرف.» «لكنني أحتاجك.» «وأنا أحتاجك.» ظلّا هكذا لحظات. ثم قالت: «سليم.» «نعم؟» «ماذا لو لم نكن أخوة؟» نظر إليها. «لسنا كذلك.» «أنت متأكد؟» «أبي قالها.» «لكنه أخفى أشياء كثيرة.» «سنعرف.» «وأنت...» ترددت. «ماذا؟» «هل ما زلت تريدني؟» حدق بها. ثم قال: «أنا لم أحبك لأنك ليان منصور.» «ولا أنا أحببتك لأنك سليم الراوي.» «إذن؟» «أحببتك لأنك أنت.» اقترب منها. «وهذا لن يتغير بسبب اسم على ورقة.» ابتسمت. «وعد؟» «وعد.» --- وصلوا إلى منزل آمن. بعد ساعة، عاد إياد. كان مصابًا في كتفه. اندفعت سلمى نحوه. «إياد!» «أنا بخير.» «أنت تنزف.» «جرح بسيط.» قال سليم: «اجلس.» جلس. بدأت ليان تساعد سلمى في تضميد الجرح. نظر إليها إياد. «أنت تشبهينها.» «من؟» «أمك.» ابتسمت. «كنت أتمنى أن أعرفك.» «وأنا كنت أتمنى أن أعرفك.» قالت: «لماذا لم تقل لي إنك أبي؟» «لأنني لم أكن متأكدًا أنني أستطيع حمايتك.» «والآن؟» نظر إلى سليم. «الآن أعرف أنك لست وحدك.» ابتسمت. ثم قالت: «أنا أيضًا أعرف ذلك.» نظر سليم إليها. التقت عيناه بعينيها. ابتسم. --- في منتصف الليل، خرج سليم إلى الشرفة. لحقت به ليان. وقفت بجانبه. قالت: «لا تستطيع النوم؟» «لا.» «وأنا أيضًا.» صمتا. ثم قال: «أشعر أن حياتي بدأت اليوم.» «وأنا أشعر أن حياتي انتهت وبدأت في الوقت نفسه.» نظر إليها. «هل أنت نادمة؟» «على ماذا؟» «على الزواج مني.» ضحكت. «بعد كل هذا؟» «أحتاج أن أسمعها.» اقتربت منه. «لا.» «أبدًا؟» «أبدًا.» «حتى لو لم يكن هناك عقد؟» «كنت سأختارك.» «حتى لو لم تكن هناك عائلة؟» «كنت سأختارك.» «حتى لو لم يكن هناك سر؟» «كنت سأختارك.» «لماذا؟» وضعت رأسها على كتفه. «لأنني عندما كنت معك، كنت أشعر للمرة الأولى أنني لست وحدي.» أمسك يدها. «وأنا أيضًا.» ثم قال: «ليان.» «نعم؟» «إذا انتهت هذه الحرب...» «ماذا؟» «أريد أن نتزوج من جديد.» ضحكت. «نحن متزوجان.» «أعرف.» «إذن؟» «أريد زواجًا لا يحتوي على أسرار.» نظرت إليه. «ولا شروط.» «ولا عائلات.» «ولا خطط.» «ولا عقود.» «ولا أسرار.» ابتسم. «فقط نحن.» قالت: «موافقة.» اقترب منها. هذه المرة كانت القبلة أطول، هادئة، مليئة بكل الكلمات التي عجزا عن قولها وسط الفوضى. وعندما ابتعدا، قالت: «لكن هناك مشكلة.» «ما هي؟» «ما زلنا لا نعرف من والدي.» ضحك. «كنت أتمنى أن ننسى.» «لن نستطيع.» «أعرف.» «إذن نبدأ غدًا.» «غدًا؟» «نعم.» «وماذا عن الليلة؟» ابتسمت. «الليلة نعيش كزوجين طبيعيين.» نظر إليها. «لأول مرة؟» «لأول مرة.» --- في الصباح... كان إياد قد وضع كل الملفات على الطاولة. قال: «وجدت شيئًا.» اقترب الجميع. كان يحمل ظرفًا أبيض. عليه اسم واحد: ليان. قالت: «من كتبه؟» «والدك الحقيقي.» «أنت قلت إنك لا تعرف من هو.» «كنت مخطئًا.» فتح الظرف. كانت بداخله صورة لرجل شاب. نظرت ليان إليها. شعرت بشيء في قلبها. لم تكن تعرفه. لكنها رأت وجهه من قبل. في صورة قديمة جدًا داخل منزل جدتها. قالت: «هذا...» نظر سليم إلى الصورة. ثم اتسعت عيناه. «مستحيل.» قالت ليان: «أنت تعرفه؟» قال: «نعم.» «من؟» رفع الصورة. «هذا هو الرجل الذي كان جدي يخشاه.» تدخل إياد: «والدك الحقيقي يا ليان.» تجمدت. «من؟» نظر إياد إلى سليم. ثم قال الاسم الذي لم يتوقعه أحد: «فارس منصور.» شهقت ليان. «فارس؟» «نعم.» «لكنه...» «ليس والدك الذي رباك.» «لكنه كان يقول إنه أخي الأكبر.» قال إياد: «وهذه كانت أكبر كذبة في حياتك.» وضعت ليان يدها على فمها. ثم نظرت إلى سليم. «فارس كان أبي؟» «نعم.» «لكن فارس في المستشفى.» قال إياد: «ولهذا يجب أن نصل إليه قبلهم.» وفي اللحظة نفسها، رن هاتف سليم. رفع السماعة. كان صوت الطبيب يرتجف. «سليم... تعال فورًا.» «ماذا حدث؟» صمت الطبيب لحظة. ثم قال: «فارس اختفى من المستشفى.» انقطع الاتصال. نظر سليم إلى ليان. ثم إلى إياد. قال إياد: «بدأوا التحرك.» سألته ليان: «ومن أخذ أبي؟» لم يجب. لكن هاتفها رن. رقم مجهول. فتحت الخط. لم تتحدث. جاءها صوت رجل هادئ: «مرحبًا يا ليان.» تجمدت. كان الصوت مألوفًا. ثم قال: «إذا أردتِ أن تري والدك حيًا، أحضري سليم إلى المكان الذي بدأت فيه قصة زواجكما.» سألت: «أين؟» جاءت الإجابة: «الفندق الذي التقيتما فيه للمرة الأولى.» ثم انقطع الاتصال. نظرت إلى سليم. قال: «لن تذهبي وحدك.» «لن أذهب.» «ماذا؟» أمسكت يده. «سنذهب معًا.» ابتسم رغم الخطر. «كما وعدتِ.» قالت: «دائمًا.» لكن خلفهما، كان إياد ينظر إلى الصورة القديمة لفارس. وكان وجهه قد تغير تمامًا. قال آدم: «ماذا هناك؟» رفع إياد عينيه. «هذا ليس فارس.» تجمد الجميع. قال سليم: «ماذا؟» أشار إلى الصورة. «هذا الرجل يشبه فارس... لكنه ليس فارسًا.» سألته ليان: «إذن من هو؟» أجاب إياد: «الرجل الذي انتحل شخصية والدك طوال هذه السنوات.» ثم نظر إلى الساعة. «والأسوأ من ذلك... أنني أعرفه.» قالت ليان: «من؟» نظر إياد إليها. «الشخص الذي تزوجته أمك قبل عشرين عامًا.» سقط الصمت. قالت سلمى: «إياد...» لكن إياد أكمل: «والد ليان الحقيقي ما زال مجهولًا.» ثم نظر إلى سليم. «والرجل الذي أخذ فارسًا من المستشفى يريدكما أن تذهبا إليه.» سأل سليم: «لماذا؟» أجاب إياد: «لأنه يعرف السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







