LOGINالفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقد
كان البيت هادئًا على نحو مخيف. لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه. وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها. كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها. قال سليم بهدوء: «لو أردتِ أن نعود، سنعود.» نظرت إليه. «هل تريد العودة؟» «لا.» «إذن لا تسألني.» ابتسم. «كنت أعرف إجابتك.» «لماذا؟» «لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.» خفضت عينيها. «وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.» «ربما.» «بل بالتأكيد.» فتحا الباب. دخلا. --- كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان. أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر. قال سليم: «إنها تعرف أننا هنا.» «نعم.» «لكنها لا تختبئ.» «لأنها تريدنا أن ندخل.» «وهذا أكثر ما يقلقني.» تقدما ببطء. وصل صوت امرأة من الطابق العلوي: «كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.» توقفت ليان. عرفت الصوت. جدتها. ليلى. صعدت الدرج، وسليم خلفها. عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر. شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة. لم تكن تبدو امرأة ضعيفة. كانت عيناها حادتين. وعندما نظرت إلى ليان، حدث شيء غريب. ابتسمت. «كبرتِ.» قالت ليان: «وأنتِ لم تموتي.» «لم أمت.» «لماذا؟» «لأن الموت كان سيكون أسهل من مواجهة ما فعلته.» قال سليم: «نحن لا نبحث عن اعترافات.» «بل تبحثون عن الحقيقة.» «نعم.» «والحقيقة مؤلمة.» قالت ليان: «لقد تعبت من التحذيرات.» ابتسمت ليلى. «إذن ادخلي.» --- كانت الغرفة أشبه بمكتبة قديمة. كتب كثيرة. ملفات. صور. وعلى الجدار صورة كبيرة لامرأتين شابتين. سلمى وليلى. وقفت ليان أمامها. «أنتما كنتما مقربتين.» قالت ليلى: «كنا أكثر من أختين.» «ثم ماذا حدث؟» «الحب.» نظرت إليها ليان. «الحب؟» «الحب أفسد كل شيء.» قال سليم: «الحب لا يفسد شيئًا.» نظرت إليه. «كنت أقول الشيء نفسه عندما كنت في عمرك.» «والآن؟» «الآن أعرف أن الحب يجعل الإنسان ضعيفًا.» قالت ليان: «لا.» التفتت إليها. «الحب يجعل الإنسان يملك شيئًا يخاف عليه.» سكتت ليلى. للحظة بدا عليها التأثر. ثم عادت إلى برودها. «ربما.» جلست خلف المكتب. «لكنكم لم تأتوا لتناقشوا فلسفة الحب.» قالت ليان: «أريد أن أعرف لماذا تزوجتُ سليم.» «لأنك أحببته.» «قبل أن أعرفه؟» «لا.» «إذن؟» «لأن هناك أشياء بدأت قبل أن تولدي.» --- أخرجت ليلى ملفًا. وضعته أمامهما. قالت: «هذا هو عقد زواجكما الأول.» فتح سليم الملف. قرأ. ثم قال: «هذا ليس العقد الذي وقعناه.» «لا.» «إذن ما هذا؟» «العقد الذي كان يجب أن توقعاه.» قالت ليان: «ما الفرق؟» «هذا العقد يحتوي على الحقيقة.» قلب سليم الصفحات. وجد اسمًا. توقف. قال: «هذا توقيع والدي.» قالت ليلى: «نعم.» «لكنه كان ميتًا.» «كان حيًا عندما وقع.» «متى؟» «قبل أن يختفي.» رفع سليم رأسه. «إذن كان أبي يعرف أننا سنتزوج.» «نعم.» «لماذا؟» «لأنه طلب مني أن أرتب الأمر.» تجمدت ليان. «أنت؟» «نعم.» «أنت رتبت زواجنا؟» «جزء منه.» قال سليم: «هل كنت تراقبيننا؟» «منذ ولادتكما.» --- شعرت ليان بالغضب. «لماذا؟» قالت ليلى: «لأنكما كنتما آخر فرصة لإيقاف الحرب بين العائلتين.» «أي حرب؟» «حرب بدأت بسبب المال.» «لا أصدق.» «ستصدقين.» أخرجت ملفًا آخر. «والدك الحقيقي كان يملك نصف شركة منصور.» قالت ليان: «نادر.» «نعم.» «لكن لماذا أخفى هويته؟» «لأن نصف الشركة لم يكن المشكلة.» «ما المشكلة؟» «النصف الآخر.» سأل سليم: «لمن كان؟» «لعائلتك.» «الراوي؟» «نعم.» «إذن كانت الشركتان ملكًا لعائلة واحدة؟» «في الأصل.» ثم قالت: «لكن شخصًا سرقها.» قالت ليان: «من؟» رفعت ليلى عينيها. «أنا.» --- ساد الصمت. قالت ليان: «أنتِ؟» «نعم.» «سرقتِ الشركة؟» «لم أسرقها.» «إذن ماذا فعلت؟» «أخذت ما كنت أعتقد أنه حقي.» قال سليم: «وهذا سبب كل شيء؟» «كان أحد الأسباب.» «وما السبب الآخر؟» «والدك.» نظر سليم إليها. «إياد؟» «كان يحب سلمى.» «نعرف.» «لكن نادر كان يحبها أيضًا.» توقفت ليان. «نادر؟» «نعم.» قالت ليلى: «وكانت سلمى تحب إياد.» «ثم؟» «ثم حملت منك.» نظرت ليان إليها. «من نادر.» «نعم.» «وأبي كان يعرف؟» «في البداية لا.» «ثم؟» «عرف.» «وماذا فعل؟» «حاول أن يأخذك.» «لماذا؟» «لأنه كان يعتقد أنك ابنته.» قال سليم: «لكن ليان كانت ابنته.» «نعم.» «إذن لماذا أخفيتم الأمر؟» قالت ليلى: «لأن هناك شخصًا آخر كان يريدك.» «من؟» «يونس.» --- قالت ليان: «لماذا؟» «لأن يونس كان يعرف أن نسبك يمكن أن يمنحه السيطرة على كل شيء.» «كيف؟» «لو ثبت أنك ابنة نادر، فإنك ترثين جزءًا كبيرًا من ممتلكاته.» قال سليم: «وهذا يعني أن يونس كان يريد التخلص منها.» «نعم.» «ولهذا تزوجتها؟» نظر إلى ليان. ثم قال: «لا.» قالت ليلى: «بل لأن إياد طلب منه ذلك.» تغير وجه سليم. «أبي؟» «نعم.» «لماذا؟» «حتى تصبح تحت حماية شخص لا يستطيع يونس الاقتراب منه.» «وأنا؟» «أنت كنت الدرع.» سكت سليم. ثم قال: «لم أكن أعرف.» «كان يجب ألا تعرف.» «لكنني أحببتها.» ابتسمت ليلى. «وهذا ما لم يتوقعه أحد.» --- اقتربت ليان من سليم. «هل أنت بخير؟» «لا.» «وأنا كذلك.» «لكنني ما زلت هنا.» «وأنا هنا.» تشابكت أصابعهما. قالت ليلى: «هذا بالضبط ما أخشاه.» نظر إليها سليم. «ماذا؟» «أن تكونا مستعدين للتضحية بكل شيء من أجل بعضكما.» قالت ليان: «وهذا شيء سيئ؟» «أحيانًا.» «لماذا؟» «لأن الحب عندما يصبح أقوى من الخوف، لا تستطيع السيطرة عليه.» قال سليم: «وأنتِ كنت تريدين السيطرة علينا.» «نعم.» «لماذا؟» «لأنني كنت أريد حماية العائلة.» قالت ليان: «لا.» توقفت ليلى. «كنتِ تريدين حماية نفسك.» لم تجب. عرفت ليان أنها أصابت الحقيقة. --- قال سليم: «أين فارس؟» تغير وجه ليلى. «أنت تعرف أنه كان هنا؟» «نعرف.» «لم يعد.» «أين؟» «ذهب إلى المكان الذي يجب أن يكون فيه.» «أين؟» «إلى والدك.» قال سليم: «إياد؟» «نعم.» «إذن هما معًا؟» «في الوقت الحالي.» «لماذا؟» «لأنهما اكتشفا شيئًا.» قالت ليان: «ماذا؟» أخرجت ليلى ظرفًا. «هذا.» فتحه سليم. كان تقريرًا قديمًا. قال: «هذه نتائج فحص الحمض النووي.» تقدمت ليان. «لمن؟» قرأ سليم الأسماء. ثم رفع رأسه. «إياد ونادر.» قالت ليلى: «كانا يتنازعان على الأبوة.» «أبوة من؟» نظرت إلى ليان. «أبوك.» «ماذا؟» «نادر لم يكن والدك الحقيقي.» --- شعرت ليان أن العالم توقف. «لكننا وجدنا الوثيقة.» «الوثيقة مزورة.» «أنت قلت إن نادر أبي.» «كنت مخطئة.» «أين الحقيقة؟» «في التقرير.» أمسك سليم الورقة. قرأها مرة أخرى. ثم قال: «لا أفهم.» قالت ليلى: «الفحص أثبت أن إياد هو والد ليان.» شهقت ليان. «إذن أنا...» نظرت إلى سليم. «وأنت؟» قال سليم: «أنا لست ابن إياد.» صمتا. ثم قال: «هذا يعني أننا لسنا إخوة.» قالت ليان: «ولا أنا ابنة نادر.» قالت ليلى: «الحقيقة أنكما مرتبطان بعائلتين مختلفتين.» قال سليم: «من والدي؟» لم تجب. «ليلى.» «ستعرف.» «من؟» قالت: «فارس.» --- قبل أن يسأل أحد، انفتح الباب. دخل فارس. كان وجهه متعبًا. لكنه حي. اندفعت ليان نحوه. «أبي!» احتضنته. ضمها بقوة. قال: «كنت أعرف أنك ستأتين.» «كنت خائفًا عليك.» «وأنا كنت خائفًا عليك.» ابتعدت عنه. «أريد الحقيقة.» نظر إليها. «أعرف.» «من أنا؟» صمت. ثم قال: «أنت ابنتي.» «بالدم؟» «لا.» تجمدت. «ماذا؟» «أنا الرجل الذي رباك.» «وأبي الحقيقي؟» نظر إلى سليم. ثم قال: «إياد.» تراجعت ليان. «لكن...» «نعم.» قال سليم: «إذن أنا...» قال فارس: «أنت ابن امرأة أخرى.» نظر إلى سليم. «لكن إياد رباك.» قال سليم: «من أمي؟» صمت. ثم قال: «امرأة ماتت قبل سنوات.» --- جلست ليان. كانت تشعر أنها لم تعد تعرف اسمها. قالت: «لماذا كل هذه الأكاذيب؟» جلس فارس أمامها. «لأن الحقيقة كانت ستقتلك.» «أنتم جميعًا تستخدمون الجملة نفسها.» «لأنها الحقيقة.» «أنا أريد أن أعرف.» «ستعرفين.» «الآن.» قال فارس: «أمك الحقيقية ليست سلمى.» تجمدت. نظرت إلى الباب. كانت سلمى تقف هناك. وجهها شاحب. قالت ليان: «أمي؟» أجابت سلمى: «أنا أمك.» «لكن فارس يقول...» «هو يقصد الحقيقة البيولوجية.» «وأنت؟» «أنا أمك التي ربتك.» «ومن المرأة الأخرى؟» قالت سلمى: «ماتت قبل أن تولدي.» «من؟» قالت: «مريم.» --- توقف سليم. «مريم؟» نظرت إليه سلمى. «نعم.» «المرأة التي كنت مخطوبًا لها؟» «لا.» «إذن من هي؟» قال فارس: «كانت أمك.» لم يستطع سليم الكلام. «أمي؟» «نعم.» «ولماذا لم تخبروني؟» قال إياد من خلفهم: «لأن مريم لم تكن تريد أن يعرف أحد.» استدار الجميع. كان إياد واقفًا عند الباب. قال سليم: «أنت تعرفها؟» «نعم.» «كانت أمي؟» «نعم.» «وأنا؟» «أنت ابنها.» «ومن أبي؟» صمت إياد. قال: «لا أعرف.» --- نظر سليم إليه طويلاً. ثم قال: «أنت لا تعرف من هو أبي؟» «لا.» «كيف ربيتني؟» «لأن والدتك طلبت مني ذلك.» «لماذا؟» «لأنها كانت تحتضر.» «متى؟» «بعد ولادتك بأيام.» جلس سليم. «ولماذا لم تخبرني؟» «لأنني وعدتها.» «بماذا؟» «أن أكون والدك.» نظر إليه سليم. «كنت أبي.» «وما زلت.» «حتى لو لم يكن بيننا دم؟» اقترب إياد. «الدم لا يصنع الأبوة.» نظر سليم إلى ليان. ثم قال: «إذن كل ما حدث...» قاطعه إياد: «لم يكن بسبب النسب.» «بل بسبب ماذا؟» «الحب.» --- جلست ليان بجانب سليم. كان كلاهما منهكًا. قالت: «أعتقد أننا وصلنا إلى النقطة التي لا نستطيع فيها أن نعرف من نكون.» نظر إليها. «أنا أعرف شيئًا واحدًا.» «ماذا؟» «أنا زوجك.» ابتسمت رغم دموعها. «وأنا زوجتك.» قال: «كل شيء آخر يمكن أن يتغير.» «إلا هذا.» «إلا هذا.» --- قالت ليلى: «لكن هناك شيئًا يجب أن تعرفاه.» نظر إليها سليم. «ماذا؟» «العقد.» أخرجت الورقة القديمة. «أنتم لم تتزوجوا لأنني أردت ذلك.» «من إذن؟» قالت: «مريم.» تجمد سليم. «أمي؟» «نعم.» «كيف؟» «قبل موتها، تركت رسالة.» «ماذا قالت؟» «طلبت أن يتزوج ابنها المرأة التي ستجعله يتوقف عن الهرب من الحب.» نظر إلى ليان. «هي؟» أومأت ليلى. «ليان.» قالت ليان: «لكنها لم تكن تعرفني.» «كانت تعرف والدك.» «إياد؟» «نعم.» قالت سلمى: «وكان إياد يعرفك.» «منذ طفولتي؟» «نعم.» قال إياد: «كنت أعرف أنك ستكبرين لتكوني الشخص الوحيد الذي يستطيع الوصول إلى سليم.» سأل سليم: «ولهذا رتبتما اللقاء؟» قال إياد: «لا.» «إذن؟» «اللقاء كان صدفة.» «والزواج؟» «كان اختيارًا.» نظر سليم إلى ليان. «اختيارنا؟» «نعم.» --- جلست ليان في صمت. تذكرت أول لقاء. نظرة سليم الغاضبة. كلماته الجافة. ثم الأيام التي تحولت فيها المسافة إلى اهتمام. والاهتمام إلى حب. ثم الزواج. ثم كل الأسرار. قالت: «إذن رغم كل شيء...» «ماذا؟» «نحن من اخترنا بعضنا.» «نعم.» ابتسم سليم. «وهذا يكفيني.» --- لكن يونس دخل الغرفة فجأة. كان يحمل مسدسًا. تراجعت ليان. قال: «انتهى وقت الكلام.» قال سليم: «يونس.» «أعطني الملف.» قال إياد: «لن تحصل عليه.» «إذن سيموت أحدكم.» وقف سليم أمام ليان. «خذني.» «لا.» «اتركها.» «أنت دائمًا تفكر فيها.» قال سليم: «لأنها زوجتي.» ابتسم يونس. «ولهذا بالضبط هي نقطة ضعفك.» قالت ليان: «لا.» نظر إليها. «ماذا؟» «أنا لست نقطة ضعفه.» ثم تقدمت خطوة. «أنا قوته.» صمت يونس. قالت: «وأنت لا تفهم الفرق.» ابتسم سليم. --- رفع يونس السلاح. لكن قبل أن يطلق، أمسك إياد بيده. انطلقت رصاصة في السقف. صرخ الجميع. اندفع آدم نحو يونس. وسقط السلاح. اشتباك قصير. ثم تمكن آدم من تثبيت يونس. قال سليم: «اتصل بالشرطة.» قال آدم: «فعلت.» لكن يونس كان يضحك. «أنتم لا تفهمون.» قال سليم: «ماذا؟» «الرجل الذي تبحثون عنه ليس أنا.» توقف. «من؟» «الشخص الذي وضع العقد.» قالت ليان: «من؟» نظر إليها. «جدك.» «لكنه...» ابتسم. «ليس جدك الحقيقي.» تجمدت. «ماذا تقول؟» قال يونس: «اسألي سلمى.» التفت الجميع إليها. كانت تبكي. قالت: «ليان...» «ماذا؟» «والدك الحقيقي...» توقفت. ثم قالت: «ليس إياد.» شهقت. قال سليم: «إذن من؟» رفعت سلمى عينيها. «الرجل الذي ظل الجميع يخافون اسمه.» «نادر؟» هزت رأسها. «لا.» «إذن من؟» قالت: «والدك الحقيقي هو الرجل الذي مات ليلة ولادتك.» --- ساد الصمت. قالت ليان: «ما اسمه؟» لم تجب سلمى. قال إياد: «ليس الآن.» «لا.» صرخت ليان. «الآن.» اقتربت منها سلمى. «اسمه...» لكن صوتًا جاء من خلفهم. صوت رجل. «اتركيها تعرف.» استدار الجميع. كان رجل يقف عند الباب. وجهه مألوف. لكن هذه المرة لم يكن شبحًا. كان شخصًا حيًا. نظر إلى ليان. ثم قال: «أنا والدك.» تجمدت. سقط الملف من يد سليم. قال إياد: «مستحيل.» ابتسم الرجل. «أنت كنت تظنني ميتًا.» قالت ليان: «من أنت؟» اقترب. «اسمي كريم.» ثم نظر إلى سلمى. «وأنا الرجل الذي أحببته قبل إياد.» قالت سلمى: «كريم...» قال إياد: «أنت مت.» «كنت أتمنى ذلك.» «ماذا تريد؟» نظر إلى ليان. «ابنتي.» ثم إلى سليم. «وأريد أن أعرف لماذا جعلتم ابنتي تتزوج ابن امرأة قتلتني.» تجمد سليم. قال: «ماذا؟» أجاب كريم: «والدتك، مريم، لم تمت طبيعيًا.» نظر إلى إياد. «وهو يعرف من قتلها.» قال سليم: «أبي؟» رفع كريم إصبعه نحو إياد. «اسأله.» نظر سليم إلى إياد. كان وجهه قد تحول إلى شحوب كامل. قال: «هذا ليس الوقت المناسب.» لكن كريم ابتسم. «بل هو الوقت الوحيد.» ثم قال الجملة التي جعلت ليان وسليم ينظران إلى بعضهما: «لأن زواجكما لم يكن مجرد خطة لإنقاذكما... بل كان محاولة لإخفاء الجريمة التي بدأت قبل ولادتكما.» وانطفأت أنوار المنزل. وفي الظلام... سمعوا صوت باب يُغلق. ثم صرخة سلمى. وعندما عادت الأنوار بعد ثوانٍ... كانت سلمى قد اختفت.الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







