LOGINكانت منهارة تمامًا، حطام أنثى، لا من الحزن وحده، بل من ثقل ما جرى بينها وبين “راغب” في إطار الزواج الإجباري، جلست أرضًا في المرحاض، تحدق في الفراغ كأنها تحاول استعادة أنفاسها، بينما كانت ذاكرتها تعيد عليها المشهد مرة بعد أخرى… كلمات لم تُقل، وروح تسلب، وحدود تكسرت بصمت مؤلم.
لم تكن قادرة على استيعاب أن ما ينبغي أن يحدث بين الزوجين بقبول وتناغم، يحدث قسرًا وبرغبة منقطعة من ناحيتها، كل ما تشعر به الآن أن شيئًا داخلها قد انكسر، وترك خلفه فراغًا غريبًا جعل كل ما تلاه يبدو أكثر قسوة وأقل احتمالًا. وكل ذلك كان نتيجة لابتعاد من كان يلوذ عنها، من كان حصنها وملجأها، نتيجة لموت والدها --- في ذلك اليوم وفي تلك اللحظة… دوى صراخ حاد في أرجاء البيت، هزّ أركانه من شدته، حتى انتفض جميع من في الداخل فور سماعه. هرعوا نحو مصدر الصوت، ليجدوا “كيان” في غرفة والدها، حيث لم تغادرها منذ أن دخل في غيبوبته. كانت هي من أصرت على بقائه في المنزل بدلًا من المستشفى، رافضة أي نقاش في الأمر، ومكتفية بإشراف الطبيب الخاص عليه، بينما وفّرت كل الأجهزة والأدوية التي يحتاجها. لم يكن الأمر مجرد قرار طبي بالنسبة لها، بل كان خوفًا عميقًا ورغبة في البقاء قربه حتى آخر لحظة. لكن الآن… لم يعد هناك شيء يمكن إنقاذه. كانت تصرخ بلا توقف، جسدها يرتجف بعنف، وهي تحاول منع أي أحد من الاقتراب من الجسد المسجّى أمامها. والدها… الذي فارق الحياة للتو بسكتة قلبية. صوتها كان ينهار مع كل صرخة، وهي تناديه وكأن نداءها قادر على إعادته: -أبي… ارجع! لا ترحل أرجوك! كانت تدفع كل من يقترب منها بعشوائية يائسة، بينما حاول الطبيب الاقتراب بعد أن أدرك أن حالتها خرجت عن السيطرة. كانت علامات انهيار عصبي حاد واضحة عليها، فاستدعى ممرضتين لإحكام الإمساك بها. كانت تقاوم بعنف، تصرخ وتبكي في آنٍ واحد، بينما قبض الطبيب على ذراعها وحقنها سريعًا بمهدئ. شيئًا فشيئًا، بدأ جسدها يخذلها. ارتخت أطرافها، وتباطأت حركتها، وصوتها انطفأ تدريجيًا، حتى لم تعد قادرة حتى على الصراخ. كانت تشعر بأنها تغرق في فراغ كثيف، كل شيء حولها يتلاشى، وصوت العالم يبتعد شيئًا فشيئًا، إلى أن ساد الصمت الكامل. --- استيقظت بعد ساعات، وقد بدأ أثر المهدئ يتلاشى ببطء. فتحت عينيها بتثاقل، ونظرت حولها بتيه واضح، ثم جلست على الفراش وهي تشعر بدوار حاد يضغط على رأسها. وضعت يدها على جبهتها، تحاول استيعاب ما يحدث، قبل أن يتسلل الشك إلى قلبها ببطء ثقيل. نهضت، واتجهت خارج الغرفة، ثم تجمدت فجأة عند رؤية والدتها. كانت “سمية” ترتدي ثوبًا أسود، وملامحها شاحبة، وعيناها منتفختان من البكاء. تسارع نبضها بشكل مؤلم، وكأن قلبها يرفض تصديق ما تراه. اقتربت منها ببطء، وصوتها يرتجف وهي تسأل: -بابا… لم يحدث له شيء… أليس كذلك؟ ترددت والدتها لحظة، ثم وضعت يدها على ذراعها بحزن عميق وقالت بصوت متهدج: -ادعي له بالرحمة. هو الآن في مكان أفضل. تجمدت الكلمات في صدرها. هزّت رأسها بعدم تصديق، ثم فجأة اندفعت خارج الغرفة تركض، كأنها تهرب من الحقيقة نفسها. وصلت إلى غرفة والدها، ودخلت بعنف، فقط لتجده مسجّى أمامها، مغطى بالكفن الأبيض. توقفت قدماها عن العمل، وسقطت على الأرض في لحظة واحدة، وكأن قوتها كلها انسحبت منها. اتكأت بيديها على الأرض، ثم انفجرت بالبكاء، بكاءً خرج من أعماقها دون سيطرة. اقتربت منه بصعوبة، وكل خطوة كانت كأنها تُسحب منها روحها. وحين وصلت، رمت نفسها فوقه وهي تصرخ بحرقة: -لا… لا تتركني… أرجوك يا أبي، قم… لا أستطيع العيش بدونك! كانت تهز جسده المغطى بالكفن، وكأنها تحاول إيقاظه من الموت نفسه، بينما دموعها لا تتوقف، وصوتها ينهار مع كل كلمة. اقترب أحدهم منها بحذر، وحاول إبعاد يديها بلطف وهو يقول: -لا يجوز يا ابنتي… دعيه الآن، لقد تم تكفينه. التفتت إليه بعينين حمراوين، ممتلئتين بالرجاء، وقالت بصوت مكسور: -أريد فقط أن أراه… أريد أن أودعه… أرجوك. لكن الرجل احتواها برفق وأبعدها عن الجثمان، بينما كانت تتمسك به بضعف، ترفض الفقد بكل ما فيها. أخيرًا، تركت جسدها ينهار بين ذراعيه، قبل أن تُجبر على الابتعاد، فيما بدأ الرجال في حمل النعش. وحين بدأ الجسد يبتعد عنها، انفجرت من جديد، محاولة الركض خلفه وهي تصرخ: -أبي… انتظر… لا تذهب! لكن ذراعين قويين أحاطا بها من الخلف وأوقفاها. التفتت بذهول، لتجد “راغب” يمسكها، بينما كانت تحاول الإفلات منه بكل ما تبقى من قوتها المنهكة. كانت تلوح بيديها، وتصرخ، وعيناها لا تفارقان النعش الذي يبتعد: -اتركني! سيأخذونه! أبي! ضغط عليها أكثر بحزم، وصوته جاء منخفضًا وقاسيًا في أذنها: -اهدئي… لقد مات. ما تفعلينه لن يعيده. تجمدت لثوانٍ، وكأن الكلمة الأخيرة سقطت داخلها كحقيقة لا مهرب منها… لم تتحمل مجابهتها، اختل توازنها تمامًا، فقد حطت سحابة سوداء أمام عينيها، سلبت إدراكها تمامًا، فانهارت أرضًا مغشيًا عليها.إلى قرّائي الأعزاء… روايتي «عُدتُ باسمٍ لا يعرفه… ليقع في حبي من جديد» قيد النشر الآن إذا كنتم تحبون الروايات التي تجمع بين الحب، الغموض، الأسرار، الانتقام، والمشاعر المتناقضة… فأعتقد أن هذه الرواية ستأخذكم في رحلة مختلفة تمامًا. هناك أسرار لم تُكشف بعد، وشخصيات تحمل الكثير خلف هدوئها، وحكاية حب ستجعلكم تتساءلون طوال الوقت: هل يمكن للحب أن يجد الشخص نفسه من جديد… حتى لو لم يعرفه؟ إذا أثارت الرواية فضولكم، أضيفوها إلى مكتبتكم وتابعوا فصولها القادمة، ولا تنسوا أن تخبروني برأيكم في كل فصل. تعليقاتكم وتوقعاتكم تعني لي الكثير، وقد تكون توقعاتكم أقرب للحقيقة مما تتخيلون… أتمنى أن تستمتعوا بهذه الرواية الحكاية بدأت… فهل ستتمكنون من كشف الحقيقة قبل أبطالها؟
بعد ثلاثة أعوام... لم تعد الفيلا هي المكان نفسه. ذلك المنزل الذي شهد يومًا صرخات... وخصامًا... وفقدًا... ودموعًا... كان يمتلئ الآن بأصوات مختلفة تمامًا. ضحكات أطفال. في الحديقة الواسعة... كانت "رها" تركض فوق العشب بساقيها الصغيرتين. تضحك بصوت مرتفع. ثم تلتفت خلفها كل عدة خطوات. وخلفها... كان أحمد الصغير يحاول اللحاق بها. يركض بخطوات غير متزنة... يتعثر أحيانًا... ثم يعاود الوقوف. صرخت "رها" وهي تضحك: — لن تمسكني! واصل الصغير الركض خلفها. حتى توقفت هي عمدًا. فأمسك بطرف ثوبها. ثم انفجرا معًا بالضحك. وفي الجهة الأخرى من الحديقة... كانت "كيان" تراقبهما. ابتسامة هادئة تستقر فوق شفتيها. لم تشعر باقتراب "راغب" منها... إلا عندما أحاطها بذراعيه من الخلف. أسندت جسدها إليه بصورة تلقائية. ووضع "راغب" ذقنه فوق كتفها. ثم نظر إلى الطفلين. وقال: — يبدو أن رها وجدت من تعذبه بدلًا مني. ضحكت "كيان". — أنت من علمتها الدلال. — ما زلتِ تصرين على اتهامي؟ — لأنك مذنب. ضحك. ثم انتقلت إحدى يديه ببطء... واستقرت فوق بطنها المنتفخة. وما إن فعل... حتى تحرك الجنين. توقف "را
تجمدت في مكانها. حدقت فيه... وكأنها تنتظر منه أن يبتسم ويخبرها أنه يمزح. لكنه لم يفعل. كان جادًا تمامًا. قالت بذهول: — نوح... ابتسم. — أعرف أن الأمر مفاجئ. — بل مفاجئ جدًا. ضحك بخفة. ثم قال: — ولهذا لن أطلب إجابتك الآن. رفعت حاجبها. — حقًا؟ — حقًا. صمتت "يسر" قليلًا. ثم نظرت ناحية ابنتها التي كانت تضحك بسعادة إلى جوار "يوسف". وعادت تنظر إليه. ارتسمت ابتسامة خجولة فوق شفتيها. وقالت: — سأجيبك... بعد انتهاء الفرح. رفع "نوح" حاجبه. — أهذا يعني أن هناك أملًا؟ حاولت إخفاء ابتسامتها. — قلت بعد انتهاء الفرح. ضحك. — حسنًا... سأنتظر. ابتعدت "يسر" عنه وهي تهز رأسها مبتسمة. أما "نوح"... فظل واقفًا مكانه. يتابعها بعينيه. والابتسامة لا تفارق وجهه. ربما... لم يكن العمر قد انتهى بعد. وربما كان من حقه هو الآخر... أن يبدأ من جديد. ❈-❈-❈ بعد عدة أشهر... كان الهدوء الذي يميز المستشفى ليلًا قد اختفى تمامًا أمام غرفة الولادة. كان "فارس" يتحرك ذهابًا وإيابًا أمام الباب للمرة التي لم يعد يستطيع عدها. يجلس دقيقة... ثم يقف. يمسك هاتفه... ثم يعيده إلى جيبه. ينظر إل
مرّت الأيام...وبدأت الحياة، شيئًا فشيئًا، تستعيد هدوءها بعد كل ما حدث، لم تختفِ الجراح تمامًا، ولم تُمحَ الذكريات المؤلمة من القلوب، لكن الجميع تعلموا أن بعض الأشياء لا تُنسى... وإنما نتعلم فقط كيف نعيش بعدها.وجاء اليوم الذي انتظره الجميع...يوم زفاف "يوسف" و"داليدا".منذ ساعات الصباح الأولى، كانت الأجواء مختلفة، امتلأت القاعة بالزهور البيضاء، وتدلت الأضواء الصغيرة من السقف، وانعكست فوق الطاولات بطريقة جعلت المكان يبدو أكثر دفئًا، بينما كانت الموسيقى الهادئة تنساب في الخلفية وسط أصوات الضحكات والأحاديث.وبعد كل ما عاشته العائلة خلال الشهور الماضية...كان ذلك اليوم أشبه باستراحة طويلة من الحزن.يومًا قرر فيه الجميع، ولو لساعات قليلة، أن يتركوا خلفهم كل ما حدث...ويفرحوا فقط.وقفت "داليدا" أمام المرآة داخل غرفتها، تتأمل صورتها بفستانها الأبيض، ولم تستطع منع دموعها من التجمع في عينيها، كانت تبتسم، ثم تبكي، ثم تعود للابتسام من جديد، وكأنها لا تصدق أن اليوم الذي انتظرته طويلًا قد جاء أخيرًا.أما "يوسف"...فمنذ أن وقعت عيناه عليها، لم يستطع إبعاد نظره عنها.ظل يراقبها وهي تتقدم نحوه ببطء،
ما إن دوّى صوت "فريدة":— سمية... انتهى الأمر...!حتى التفتت "سمية" نحوها.ساد صمت ثقيل...وتشابكت نظرات الأختين لثوانٍ بدت وكأنها عمرٌ كامل.ارتجفت يد "سمية"...ثم أفلتت المسدس الذي تمسكه.لم ينتظر "راغب" لحظة واحدة.اندفع بكل قوته نحو "رها"، واحتضنها بين ذراعيه، ثم تراجع بها سريعًا وهو يضمها إلى صدره كأنما يخشى أن تختفي مرة أخرى.انطلقت "كيان" نحوه، وما إن وقعت عيناها على صغيرتها حتى انهارت باكية.مدت يديها إليها وهي تنتحب:— رها... صغيرتي...ضمها "راغب" إلى أمها، فأخذتها "كيان" بين ذراعيها، وأغرقتها بالقبلات، وهي تبكي وتحمد الله أنها عادت إليها.لكن الهدوء لم يدم.في لحظة خاطفة...تحول الموقف إلى فوضى.تعالت الصرخات...وتحرك الجميع في آن واحد.ثم دوّى صوتٌ حاد داخل الشقة. أطلقت سمية طلقة من المسدس أصأبت جسد راغبتجمدت "كيان" في مكانها.ورأت "راغب" يترنح إلى الخلف قبل أن يسقط على الأرض.اتسعت عيناها بفزع.وانطلقت صرختها تمزق المكان:— راغب...!وفي اللحظات التالية...تحرك "نوح" غريزيًا ليوقف الخطر قبل أن يمتد إلى أحد آخر، وقام بإطلاق رصاصة عليها استقرت في كتفها.وبعد ثوانٍ قليلة...
لم يستغرق الأمر سوى دقائق...حتى كانت سيارة "راغب" تشق الطريق بسرعة جنونية.جلس خلف المقود...وعيناه لا تفارقان الطريق.كانت قبضتاه مشدودتين فوق المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه.أما "كيان"...فكانت تجلس إلى جواره.تضم بطانية "رها" الصغيرة إلى صدرها.وشفتاها لا تكفان عن التمتمة بالدعاء.وفي المقعد الخلفي...جلس "نوح".لم ينطق بكلمة واحدة.كان يحدق من النافذة بشرود.كل دقيقة تمر...كانت تزيد شعوره بالذنب.لو لم يجمعه عداء مع سمية..لما وصلت الأمور إلى هذا الحد.قطع "راغب" الصمت وهو يقول بصوت أجش:— كم بقي؟نظر "نوح" إلى شاشة هاتفه.ثم قال:— شارِعان فقط.أسرع "راغب" أكثر.حتى توقفت السيارة أخيرًا أمام بناية قديمة.لم ينتظر أحد.فتحوا الأبواب في اللحظة نفسها.وأسرعوا إلى الداخل.---كان المصعد في الطابق الأخير.فلم ينتظروه.صعدوا الدرج ركضًا.أنفاسهم تتلاحق...وقلوبهم تكاد تخرج من صدورهم.توقفت "كيان" أمام باب الشقة.كان الباب مواربًا.نظرت إلى "راغب" بعينين امتلأتا بالرعب.همست:— الباب... مفتوح.لم يجبها.دفع الباب ببطء.فصدر عنه صرير خافت.دخل أولًا...ثم تبعه "نوح".أما "كيان"...فدخلت
ابتلعت ريقها وردّت عليه بوجوم، وقد تفشّى الضيق في ملامحها: - صباح الخير. وجدت شفتيه تنفرجان عن بسمة رائقة، ومدّ يده نحو خصلاتها المبللة يزيحها عن عنقها وهو يسألها باهتمام: - متى استيقظتِ؟ على ما يبدو أنه لا يلحظ انطفاءها، فأدارت جسدها نحو الحقيبة، متظاهرة بالانشغال بما تخرجه منها، وأجابته بف
أغمض عينيه كاتمًا انفعاله، كي لا ينهال عليها بصفعات متعاقبة، عقابًا على ما أقحمته فيه، وهدر بعد أن فتحهما: -إذًا بمَ تفسّرين سبب تعبه؟ قضمت شفتيها بغلٍ من هديرة المستثير لأعصابها، وقالت بنبرة مزعوجة: -ربما يكون قد عاد من السفر فجأة لأنه متعب. لغوها الفارغ، وثرثرتها التي لا يوجد منها فائدة لا
بدا حفل عقد القران وكأنه مشهد مُعدّ بعناية، تزيّنت فيه الوجوه بابتساماتٍ مصطنعة، ورُسمت على الملامح علامات سرورٍ متكلفة، فقط ليبدو الجمع أمام الحضور وكأنه مناسبة سعيدة مكتملة. خاصة أولئك الذين استغربوا التوقيت؛ فالموت لم يمضِ عليه سوى شهرٍ واحد، وكان من الصعب عليهم تقبّل إقامة مثل هذه المناسبة بهذه
فستان العرس، حين يُقدَّم عادةً للعروس كهدية من العريس، يكون لفتةً رقيقة تبقى عالقة في الذاكرة وتترك أثرًا دافئًا في القلب. غير أن الأمر معها كان مختلفًا تمامًا. كانت تحدّق بسخرية في العلبة المفتوحة فوق السرير، حيث بدا فستان أبيض أنيق التصميم، لو أنها رأته في ظرفٍ آخر لأُعجبت به وبكل تفاصيله الراقي







