Share

قوة تحت السيطرة

Author: Lamar
last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-29 08:19:52

بحلول التاسعة مساءً، كانت نرجس قد استبدلت ملابسها الجامعية بزي المقهى الأسود البسيط، وربطت شعرها إلى الخلف بإحكام، وارتدت تلك الابتسامة المهنية التي أتقنت صنعها على مدار سنوات طويلة من التدريب المتعمد.

المقهى في الليل كان مختلفًا تمامًا عنه في النهار. الزبائن أقل، لكنهم أكثر تنوعًا — طلاب يذاكرون حتى ساعات متأخرة، عشاق يبحثون عن ركن هادئ، ورجال يجلسون وحدهم بعد يوم عمل طويل، أحيانًا بمزاج لا يُحتمل، وأحيانًا أخرى بمزاج أسوأ بكثير بعد كأس أو اثنين من مكان آخر قبل وصولهم.

كانت تعرف هذا النوع من الزبائن جيدًا. تعرف نظراتهم قبل أن تصل حتى إلى طاولاتهم.

"أهلًا يا جميلة، أخيرًا نادلة تستحق النظر إليها في هذا المكان الممل."

الرجل، في منتصف الثلاثينيات تقريبًا، كان يجلس وحده منذ نصف ساعة، وكأسه الثالث من القهوة أمامه لم يمنعه من محاولة إمساك معصمها حين اقتربت لتضع الطلبية على طاولته.

توقفت نرجس للحظة، كل عضلة في جسدها تشدّدت فجأة بشكل لا يليق بجسد بشري عادي. شعرت بتلك الحرارة المألوفة تتجمع في أطراف أصابعها — إنذار داخلي صامت يخبرها أن قوة كامنة بداخلها بدأت تستيقظ، جاهزة، متلهفة تقريبًا، لتحرير نفسها ولو للحظة واحدة فقط.

كان بإمكانها كسر يده بحركة واحدة، بسيطة، دون أي مجهود يُذكر. كان بإمكانها أن تجعله يندم على تلك اللمسة لبقية حياته.

بدلًا من ذلك، سحبت يدها بهدوء مدروس، بابتسامة لم تتغير قيد أنملة على وجهها، وقالت بصوت هادئ لكنه حازم: "أرجو أن تبقي يديك لنفسك، سيدي."

"أوه، لا داعي للغضب، كنت فقط—"

"استمتع بقهوتك." قاطعته، واستدارت بسرعة، مبتعدة قبل أن يرى التوتر الحقيقي المختبئ خلف عينيها.

خلف الطاولة، أمسكت بحافة الرخام بقوة أكبر مما تقصد، حتى شعرت بأصابعها تترك أثرًا خفيفًا جدًا في السطح الصلب — أثر لن يلاحظه أحد، لكنها هي رأته، وأغمضت عينيها للحظة، تتنفس بعمق، تكرر في ذهنها الجملة التي اعتادت ترديدها في مثل هذه اللحظات بالضبط:

"أنتِ إنسانة. أنتِ إنسانة عادية. لا قوة لديك. لا خطر منكِ."

كانت كذبة، بالطبع. لكنها كذبة ضرورية، كذبة تكررها لنفسها آلاف المرات حتى تكاد تصدقها أحيانًا.

هذا لم يكن أول موقف من نوعه، ولن يكون الأخير. كانت تتعامل مع مثل هذه اللحظات بانتظام مزعج — نظرة طويلة أكثر مما ينبغي، تعليق غير لائق يُلقى بلا مبالاة، يد تحاول أن تمتد أبعد مما يُسمح لها. في كل مرة، كانت تشعر بذلك الصراع الداخلي العنيف: الغضب الحقيقي، الأصيل، الذي يولد من عمق طبيعتها غير البشرية، يصطدم بجدار من الانضباط الذي بنته بيديها على مدار سنتين كاملتين من العيش بين البشر.

لم يكن الأمر يتعلق بالخوف من الأذى الجسدي — هي كانت الطرف الأقوى دائمًا في أي مواجهة كهذه، وهذا ما كان يجعل الأمر أصعب، لا أسهل. كل موقف كان اختبارًا حقيقيًا لضبط النفس، تذكيرًا دائمًا بأنها لا تملك رفاهية أن تتصرف كما يمليه غضبها الحقيقي. لحظة ضعف واحدة، انفجار غضب واحد غير محسوب، يمكن أن يكشف كل شيء أخفته بهذا الجهد الهائل.

في وقت لاحق من تلك الليلة، بعد أن أُغلق المقهى وغادر آخر الزبائن، جلست نرجس وحدها على كرسي خلف الطاولة، تفرك معصمها بلا وعي في المكان الذي لمسه ذلك الرجل، وكأنها تحاول محو أثر لم يعد موجودًا أصلًا إلا في ذاكرتها.

"ليلة صعبة؟" سألت سارة، زميلتها في العمل، وهي تجمع آخر الأكواب المتناثرة على الطاولات.

"مثل كل ليلة تقريبًا."

"يجب أن تشتكي عليه للمدير، كان يمكن أن أرى ما فعله من هنا."

"لا بأس، تعاملت مع الأمر."

نظرت إليها سارة بقلق حقيقي، غير مصطنع. "أنتِ دائمًا تقولين هذا. أتمنى فقط لو كان لديكِ من تتحدثين معه عن هذه الأشياء، بدلًا من أن تحمليها وحدك طوال الوقت."

ابتسمت نرجس ابتسامة حزينة قليلًا، ابتسامة صادقة هذه المرة، بلا أي تدريب مسبق. "أنا معتادة على حمل الأشياء وحدي."

لم تكن سارة تعرف، بالطبع، أن الأشياء التي تحملها نرجس أثقل بكثير مما يمكن لأي صديقة عادية أن تتخيله. لم تكن تعرف أن كل لحظة ضبط نفس في ذلك المقهى كانت معركة صامتة حقيقية، معركة لا يراها أحد، ولا يقدّرها أحد، ولا يمكن لأحد أن يساعدها فيها.

في طريق عودتها إلى المنزل، تحت ضوء الشارع الخافت، فكرت نرجس في سرمد فجأة، بلا مقدمات. فكرت في ذلك الدفء الغريب الذي شعرت به حين لمس ذراعها، وقارنته بلا وعي بذلك النفور الفوري الذي شعرت به من لمسة الزبون في المقهى.

الفرق كان هائلاً. مقلقًا في هدوئه.

ماذا لو أن سرمد، بذلك الدفء غير الطبيعي، وتلك النظرة الجادة التي رأتها تتسلل خلف مزاحه المستمر، كان يخفي هو الآخر شيئًا لا تستطيع تخيله بعد؟

وماذا لو أن الليلة القادمة، حين تراه مجددًا، ستكون الليلة التي يبدأ فيها كل شيء بالانكشاف؟

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   خيوط تتشابك في الظل

    في اليومين التاليين، استقرت نرجس وسرمد في روتين هادئ داخل القصر الملكي الأكبر، حيث دُعيا للبقاء ضيوفًا لفترة إضافية بناءً على إصرار لطيف من الملك نفسه، الذي بدا مصممًا على تعويض نرجس عن كل السنوات التي حُرمت فيها من عائلتها ووطنها الحقيقي.في صباح اليوم الثالث، بينما كانت نرجس تتجول في حدائق القصر الواسعة برفقة إحدى وصيفات القصر التي عُيّنت لخدمتها، وجدت نفسها فجأة أمام الأمير كيان، يجلس وحيدًا على مقعد حجري قديم بجانب بحيرة صغيرة تعكس السماء الصافية بألوان نارية خافتة مميزة لعالم الجن."نرجس." نهض بأدب فور رؤيتها، ابتسامة ترحيبية صادقة على وجهه. "لم أتوقع أن ألتقيكِ هنا بمفردكِ هذا الصباح.""كنت أتمشى فقط، أستمتع بجمال الحدائق." جلست بحذر مهذب على الطرف الآخر من المقعد الحجري حين أشار إليها بلطف للجلوس. "لم أرَ مكانًا بهذا الجمال من قبل."تحدثا لوقت طويل، الأمير يشاركها بصدق واضح ذكريات إضافية عن والدتها، عن دفئها وحكمتها، عن طريقة تعليمها له أساسيات فن الحكم بعيدًا عن القسوة التي اعتاد عليها من مستشاري أبيه الآخرين. استمعت نرجس بشغف متجدد، تشعر وكأنها تكتشف جزءًا حقيقيًا مفقودًا من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   بين الشك واليقين

    عادا إلى غرفتهما في القصر تلك الليلة، والصمت الذي رافق سرمد طوال الطريق لا يزال يخيّم على المكان. جلست نرجس على حافة السرير، تراقبه وهو يقف عند النافذة، ظهره لها، أفكاره واضحة الاضطراب رغم صمته."سرمد." نهضت واقتربت منه، تضع يدها على كتفه بلطف. "أعرف أن هناك شيئًا يزعجك. أرجوك لا تخفِ عني شيئًا بعد الآن، لا بعد كل ما مررنا به."استدار نحوها، عيناه تحملان صراعًا داخليًا واضحًا. "لا أعرف كيف أشرح هذا دون أن أبدو غيورًا أو تافهًا. لكن هناك شيء في طريقة استقبال الملك لكِ، في اهتمام الأمير المفاجئ، يزعجني بعمق لا أستطيع تفسيره.""سرمد، إنهم يحاولون فقط تعويضي عن سنوات فقدت فيها كل رابط بعائلتي." اقتربت أكثر، يداها ترفعان وجهه نحوها. "أفهم قلقك، لكن أرجوك لا تدع الشك يفسد هذه الفرصة النادرة بالنسبة لي."نظر إليها طويلًا، يرى في عينيها ذلك الشوق الصادق العميق، ويشعر بذنب خفيف لكونه لا يستطيع أن يمنحها ثقة كاملة في هذه اللحظة بالذات. "أنتِ محقة. ربما أنا فقط... أخاف من فقدانكِ، بعد كل ما مررنا به معًا.""لن تفقدني أبدًا." اقتربت منه أكثر، جسدها يلامس جسده، عيناها تحملان يقينًا عميقًا. "أنت من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    دعوة إلى القصر الأكبر

    مرّت الأيام التالية بسرعة غريبة، أسبوع كامل قضته نرجس تتنقل بين جناح جدتها الفخم وبين لحظات هادئة قضتها مع سرمد في إحدى غرف الضيافة المخصصة لهما داخل القصر. كانت الحياة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تشبه نوعًا من الاستقرار الهش، لكنه حقيقي بما يكفي لتسمح نرجس لنفسها بالاستمتاع به دون قلق مفرط.في صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الفطور مع سرمد في شرفة صغيرة مطلة على حدائق القصر الواسعة، وصلتها رسالة رسمية مختومة بختم ذهبي فخم، تحمل شعار العرش الأكبر لعالم الجن بأكمله.فتحتها بيدين مرتجفتين قليلًا من الفضول، لتجد دعوة رسمية موجهة إليها شخصيًا من الملك الأكبر نفسه، تطلب حضورها إلى القصر الملكي الكبير لحضور مأدبة عشاء خاصة، بمناسبة "تجديد الروابط العائلية القديمة" كما وُصف الأمر بصياغة دبلوماسية أنيقة."ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر في تعابير وجهها."دعوة من الملك الأكبر نفسه." أعطته الرسالة ليقرأها، توتر خفيف يتسلل إلى صوتها. "يريد استضافتي في مأدبة رسمية."قرأ سرمد الرسالة بعينين ضيقتين، شعور بعدم الارتياح يتصاعد بداخله فورًا. "لا أحب هذا يا نرجس. الأمر يبدو مباشرًا جدًا، ومفاجئ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   يد تمتد بحنان ظاهري

    :بعد أن أُخذ والد نرجس بعيدًا تحت حراسة صارمة بأمر مباشر من جدتها، خيّم على القاعة الكبرى هدوء مشحون بالتوتر، بينما وقفت نرجس أمام تلك المرأة العجوز الغريبة عنها، تحاول استيعاب كل ما يحدث دفعة واحدة."لا أفهم." قالت نرجس أخيرًا، صوتها لا يزال يحمل آثار الصدمة. "لماذا لم أعرف بوجودك من قبل؟ لماذا لم يخبرني أحد أن لديّ جدة حية؟"اقتربت الجدة منها بابتسامة دافئة، تمد يدها لتلمس وجه نرجس بحنان يبدو صادقًا تمامًا. "اخترت الابتعاد عن كل شؤون العشيرة منذ سنوات طويلة، بعد وفاة زوجي، تاركة الحكم لابني. لم أكن أعرف بكل ما فعله حتى وصلتني أخبار عن استيقاظ قوتك الكاملة الليلة، فأدركت أن الوقت حان أخيرًا للتدخل."نظر سرمد إلى الجدة بحذر صامت، لا يزال يشعر بشيء غير مريح في طريقة حديثها المحسوبة بدقة، لكنه لم يقل شيئًا أمام نرجس التي بدت متعطشة لأي رابط عائلي دافئ بعد كل تلك السنوات من الوحدة."تعالي معي يا نرجس." مدت الجدة يدها نحوها. "دعيني أعرّفك على بقية عائلتك، وأشرح لكِ الكثير مما تجهلينه عن تاريخ عشيرتنا وعن قوتك الحقيقية."تبعتها نرجس بثقة متجددة إلى جناح خاص في القصر، بينما بقي سرمد يسير خ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    صوت من الماضي

    اقترب الحراس أكثر، دائرة محكمة تضيق حول نرجس وسرمد ببطء مرعب، بينما كان والد نرجس يراقب المشهد بابتسامة ظافرة، واثقًا تمامًا من نتيجة هذه المواجهة غير المتكافئة.شعرت نرجس بذلك الإحساس الغريب يتصاعد بداخلها بقوة غير مسبوقة، أعمق من أي استيقاظ سابق لقوتها، وكأن شيئًا قديمًا جدًا، منسيًا، بدأ يتحرك في أعماق روحها. أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا لم تسمعه منذ سنوات طويلة، صوتًا نقيًا واضحًا يتردد في ذهنها وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا، أو من زمن آخر تمامًا:"استخدمي ما ورثتِه مني، يا شمسي الصغيرة. حان وقت الاستيقاظ الكامل."صوت أمها.فتحت نرجس عينيها فجأة، وقد تغيّر كل شيء فيها. لم يعد الضوء الذهبي المعتاد هو ما يتوهج تحت جلدها، بل شيء أكثر عمقًا وقدمًا، لون نادر يمزج بين الذهبي والأبيض الناصع، يضيء القاعة بأكملها بشكل مبهر جعل الجميع، حراسًا ووالدها نفسه، يتراجعون خطوات بذعر غير مقصود."ما هذا؟" همس والدها بذهول ورعب ممزوجين، يتراجع من على عرشه فجأة. "هذا... هذا لون قوة والدتك الكاملة. لكن هذا مستحيل، لم تكتمل تدريباتها أبدًا—""لم أكن بحاجة لتدريباتكم." قالت نرجس بصوت لا يشبه صوتها

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   المواجهة

    وصلا إلى أطراف قصر والدها عند غروب الشمس، الضوء البرتقالي الخافت يلقي ظلالًا طويلة على الأسوار الحجرية القديمة المحيطة بمقر عشيرتها. توقفت نرجس للحظة، تشعر بثقل كل الذكريات التي تربطها بهذا المكان — طفولتها، أمها، وأخيرًا لحظة طردها المهينة أمام الجميع."هل أنتِ مستعدة؟" سألها سرمد بهدوء، واقفًا بجانبها بثبات، يده تمسك يدها بإحكام يمنحها قوة إضافية."لست متأكدة أنني سأكون مستعدة تمامًا أبدًا." أجابت بصدق، تأخذ نفسًا عميقًا. "لكنني سئمت الهروب. حان الوقت لمواجهة كل هذا وجهًا لوجه."تقدما معًا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حراس مذهولون برؤيتهما تقترب بلا خوف ظاهر، بعد أن وصلتهم أخبار ما حدث في الكوخ. لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقهما، مكتفين بمراقبتهما بحذر بالغ بينما كانا يدخلان القاعة الكبرى حيث كان والد نرجس يجلس على عرشه، محاطًا بمستشاريه القلقين.نهض والدها فجأة حين رآها، مزيج من الصدمة والغضب يتصارعان على وجهه. "نرجس. تجرأتِ على العودة إلى هنا بنفسك؟""لم آتِ لأطلب الصفح أو الرحمة." تقدمت نرجس بخطوات ثابتة، صوتها يحمل قوة وثقة لم يسمعها منها من قبل أحد في تلك القاعة. "أتيت لأخبر

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status