Share

ما بين الذاكرة والنار

Author: Lamar
last update publish date: 2026-07-29 08:36:34

بعد منتصف الليل بقليل، وبعد أن أغلقت باب شقتها خلفها وتأكدت أن كل الأضواء مطفأة، جلست نرجس على حافة سريرها في الظلام، والذكريات التي حاربتها طوال اليوم بدأت تتسلل أخيرًا، دون استئذان، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات لتغزوها.

تذكرته. تذكرت وجهه البشري تمامًا، الدافئ بدفء إنسان عادي لا يحمل أي غرابة، ويدين اعتادت أن تمسك يدها بحذر في البداية، وكأنه يخشى أن تكون هشة أكثر مما تبدو. لم يكن يعرف حقيقتها يومًا — لا شيء منها، لا عالمها ولا طبيعتها الحقيقية. كل ما عرفه كان اسمًا، وابتسامة، وامرأة أحبها بصدق تام دون أن يعرف أنه يحب أكثر بكثير مما يتخيل.

تذكرت دفء تلك السنوات الخمس، بساطتها، الطريقة التي جعلها بها تشعر — ولو للحظات قصيرة — أنها إنسانة عادية فعلاً، لا تحمل خلفها ماضيًا مرعبًا ولا مستقبلًا مهددًا بالفناء. كان حبًا هادئًا مقارنة بما عرفته من قبل في عالمها، لكنه كان حقيقيًا بطريقته، عميقًا بما يكفي ليجعلها تنسى، لفترة، من هي أصلًا.

لكن الحب نفسه كان خطأها الأكبر. لأنها، في لحظة ضعف لم تستطع كبح نفسها فيها، كشفت له أكثر مما يجب أن يعرفه أي إنسان — لمحة صغيرة، عابرة، من حقيقة عالمها. لمحة كانت كافية لتصل إلى آذان لم يكن يجب أن تسمع، وتنقلب حياتها بأكملها رأسًا على عقب في ليلة واحدة.

الحكم بالموت لم يكن بسبب الحب نفسه فقط. كان بسبب الخيانة — خيانتها لقوانين عالمها، لأسراره التي يجب أن تبقى مخفية عن كل إنسان مهما بلغ حبها له.

نهضت فجأة، تشعر أن جسدها بدأ يضيق بها، أن تلك الطاقة المكبوتة طوال اليوم — الغضب المكتوم في المقهى، الذكريات المؤلمة، وذلك التوتر الغريب مع سرمد — بدأت تتراكم بشكل لم تعد قادرة على احتوائه داخل هذا الجسد البشري الهش.

كانت تعرف ما تحتاجه. تحتاج إلى التحرر، ولو لساعة واحدة فقط، من كل هذا التقييد المستمر.

فتحت نافذة غرفتها بهدوء، تتأكد أن الشارع خالٍ تمامًا، وأن لا عين بشرية يمكن أن تراها. ثم أغمضت عينيها، وسمحت لنفسها أخيرًا، بعد يوم كامل من الكبت، أن تترك القناع البشري ينزلق عنها كطبقة رقيقة من الثلج تحت الشمس.

تحول جسدها في لحظات، بصمت تام، إلى شيء لا يشبه أي شكل بشري مألوف — أطياف داكنة تلتف حول هيئة تشبهها لكنها أكثر انسيابية، أكثر غرابة، وعيناها تلمعان الآن بضوء خافت لا تحتاج فيه إلى إخفاء أي شيء.

انزلقت عبر النافذة كظل، تتحرك عبر أسطح المدينة النائمة بخفة لا يمكن لأي بشري أن يلاحظها، متجهة نحو أماكن معينة تشعر فيها بنبض خفي لا يشعر به إلا من كان مثلها — حانة لا تزال مضاءة رغم تأخر الوقت، حفلة صاخبة في شقة بعيدة، زاوية شارع تتقاطع فيها مشاعر كثيفة متراكمة من عابرين لا يعرفون أنهم تركوا خلفهم أثرًا من طاقتهم في الهواء.

هناك، حلّقت فوق تلك الأماكن دون أن تلمس أحدًا، ودون أن يشعر بها أحد، تمتص من تلك الأنسجة الخفية المتناثرة في الهواء — بقايا مشاعر، شذرات من رغبة وفرح وحزن تركها البشر خلفهم دون أن يدركوا — كما يشرب الظمآن أخيرًا بعد يوم طويل من العطش. شعرت بجسدها يهدأ تدريجيًا، بتلك النار الداخلية تخفت قليلًا، ولو مؤقتًا، دون أن تمسّ أحدًا بسوء، ودون أن يعرف أي إنسان في تلك الأماكن أن كائنًا من الظلام مرّ فوق رؤوسهم تلك الليلة.

لكن حتى في تلك اللحظة من الحرية النادرة، لم يكن الفراغ يملؤه ذلك السحر وحده.

كانت تفكر فيه.

ليس في عشيقها السابق هذه المرة، بل في وجه آخر، جديد، مزعج بطريقته الخاصة — وجه شاب بشعر منكوش وابتسامة ساخرة، ويدين تحملان دفئًا غريبًا لا تستطيع تفسيره بعد.

توقفت فجأة، وسط تحليقها الصامت، وتساءلت بقلق مفاجئ: لماذا يخطر ببالها الآن، في هذه اللحظة بالذات، حين هي في أضعف حالاتها وأكثرها صدقًا؟

عادت إلى شقتها قبل الفجر بقليل، ترتدي قناعها البشري من جديد بحذر معتاد، لكن ذلك السؤال ظل عالقًا في ذهنها، يرفض أن يهدأ: من هو سرمد حقًا؟ ولماذا تشعر، كلما اقترب منها، أن هناك شيئًا لا تستطيع تفسيره بالمنطق وحده؟

وفي مكان آخر من المدينة، في تلك الساعة بالذات، كان سرمد مستيقظًا هو الآخر، يقف عند نافذته، ينظر إلى السماء المظلمة بعينين لا تحملان أي أثر للنعاس — وكأنه، هو أيضًا، كان يشعر بشيء يستيقظ في الليل، شيء لا علاقة له بالنوم على الإطلاق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   بين الشك واليقين

    عادا إلى غرفتهما في القصر تلك الليلة، والصمت الذي رافق سرمد طوال الطريق لا يزال يخيّم على المكان. جلست نرجس على حافة السرير، تراقبه وهو يقف عند النافذة، ظهره لها، أفكاره واضحة الاضطراب رغم صمته."سرمد." نهضت واقتربت منه، تضع يدها على كتفه بلطف. "أعرف أن هناك شيئًا يزعجك. أرجوك لا تخفِ عني شيئًا بعد الآن، لا بعد كل ما مررنا به."استدار نحوها، عيناه تحملان صراعًا داخليًا واضحًا. "لا أعرف كيف أشرح هذا دون أن أبدو غيورًا أو تافهًا. لكن هناك شيء في طريقة استقبال الملك لكِ، في اهتمام الأمير المفاجئ، يزعجني بعمق لا أستطيع تفسيره.""سرمد، إنهم يحاولون فقط تعويضي عن سنوات فقدت فيها كل رابط بعائلتي." اقتربت أكثر، يداها ترفعان وجهه نحوها. "أفهم قلقك، لكن أرجوك لا تدع الشك يفسد هذه الفرصة النادرة بالنسبة لي."نظر إليها طويلًا، يرى في عينيها ذلك الشوق الصادق العميق، ويشعر بذنب خفيف لكونه لا يستطيع أن يمنحها ثقة كاملة في هذه اللحظة بالذات. "أنتِ محقة. ربما أنا فقط... أخاف من فقدانكِ، بعد كل ما مررنا به معًا.""لن تفقدني أبدًا." اقتربت منه أكثر، جسدها يلامس جسده، عيناها تحملان يقينًا عميقًا. "أنت من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    دعوة إلى القصر الأكبر

    مرّت الأيام التالية بسرعة غريبة، أسبوع كامل قضته نرجس تتنقل بين جناح جدتها الفخم وبين لحظات هادئة قضتها مع سرمد في إحدى غرف الضيافة المخصصة لهما داخل القصر. كانت الحياة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تشبه نوعًا من الاستقرار الهش، لكنه حقيقي بما يكفي لتسمح نرجس لنفسها بالاستمتاع به دون قلق مفرط.في صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الفطور مع سرمد في شرفة صغيرة مطلة على حدائق القصر الواسعة، وصلتها رسالة رسمية مختومة بختم ذهبي فخم، تحمل شعار العرش الأكبر لعالم الجن بأكمله.فتحتها بيدين مرتجفتين قليلًا من الفضول، لتجد دعوة رسمية موجهة إليها شخصيًا من الملك الأكبر نفسه، تطلب حضورها إلى القصر الملكي الكبير لحضور مأدبة عشاء خاصة، بمناسبة "تجديد الروابط العائلية القديمة" كما وُصف الأمر بصياغة دبلوماسية أنيقة."ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر في تعابير وجهها."دعوة من الملك الأكبر نفسه." أعطته الرسالة ليقرأها، توتر خفيف يتسلل إلى صوتها. "يريد استضافتي في مأدبة رسمية."قرأ سرمد الرسالة بعينين ضيقتين، شعور بعدم الارتياح يتصاعد بداخله فورًا. "لا أحب هذا يا نرجس. الأمر يبدو مباشرًا جدًا، ومفاجئ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   يد تمتد بحنان ظاهري

    :بعد أن أُخذ والد نرجس بعيدًا تحت حراسة صارمة بأمر مباشر من جدتها، خيّم على القاعة الكبرى هدوء مشحون بالتوتر، بينما وقفت نرجس أمام تلك المرأة العجوز الغريبة عنها، تحاول استيعاب كل ما يحدث دفعة واحدة."لا أفهم." قالت نرجس أخيرًا، صوتها لا يزال يحمل آثار الصدمة. "لماذا لم أعرف بوجودك من قبل؟ لماذا لم يخبرني أحد أن لديّ جدة حية؟"اقتربت الجدة منها بابتسامة دافئة، تمد يدها لتلمس وجه نرجس بحنان يبدو صادقًا تمامًا. "اخترت الابتعاد عن كل شؤون العشيرة منذ سنوات طويلة، بعد وفاة زوجي، تاركة الحكم لابني. لم أكن أعرف بكل ما فعله حتى وصلتني أخبار عن استيقاظ قوتك الكاملة الليلة، فأدركت أن الوقت حان أخيرًا للتدخل."نظر سرمد إلى الجدة بحذر صامت، لا يزال يشعر بشيء غير مريح في طريقة حديثها المحسوبة بدقة، لكنه لم يقل شيئًا أمام نرجس التي بدت متعطشة لأي رابط عائلي دافئ بعد كل تلك السنوات من الوحدة."تعالي معي يا نرجس." مدت الجدة يدها نحوها. "دعيني أعرّفك على بقية عائلتك، وأشرح لكِ الكثير مما تجهلينه عن تاريخ عشيرتنا وعن قوتك الحقيقية."تبعتها نرجس بثقة متجددة إلى جناح خاص في القصر، بينما بقي سرمد يسير خ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    صوت من الماضي

    اقترب الحراس أكثر، دائرة محكمة تضيق حول نرجس وسرمد ببطء مرعب، بينما كان والد نرجس يراقب المشهد بابتسامة ظافرة، واثقًا تمامًا من نتيجة هذه المواجهة غير المتكافئة.شعرت نرجس بذلك الإحساس الغريب يتصاعد بداخلها بقوة غير مسبوقة، أعمق من أي استيقاظ سابق لقوتها، وكأن شيئًا قديمًا جدًا، منسيًا، بدأ يتحرك في أعماق روحها. أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا لم تسمعه منذ سنوات طويلة، صوتًا نقيًا واضحًا يتردد في ذهنها وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا، أو من زمن آخر تمامًا:"استخدمي ما ورثتِه مني، يا شمسي الصغيرة. حان وقت الاستيقاظ الكامل."صوت أمها.فتحت نرجس عينيها فجأة، وقد تغيّر كل شيء فيها. لم يعد الضوء الذهبي المعتاد هو ما يتوهج تحت جلدها، بل شيء أكثر عمقًا وقدمًا، لون نادر يمزج بين الذهبي والأبيض الناصع، يضيء القاعة بأكملها بشكل مبهر جعل الجميع، حراسًا ووالدها نفسه، يتراجعون خطوات بذعر غير مقصود."ما هذا؟" همس والدها بذهول ورعب ممزوجين، يتراجع من على عرشه فجأة. "هذا... هذا لون قوة والدتك الكاملة. لكن هذا مستحيل، لم تكتمل تدريباتها أبدًا—""لم أكن بحاجة لتدريباتكم." قالت نرجس بصوت لا يشبه صوتها

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   المواجهة

    وصلا إلى أطراف قصر والدها عند غروب الشمس، الضوء البرتقالي الخافت يلقي ظلالًا طويلة على الأسوار الحجرية القديمة المحيطة بمقر عشيرتها. توقفت نرجس للحظة، تشعر بثقل كل الذكريات التي تربطها بهذا المكان — طفولتها، أمها، وأخيرًا لحظة طردها المهينة أمام الجميع."هل أنتِ مستعدة؟" سألها سرمد بهدوء، واقفًا بجانبها بثبات، يده تمسك يدها بإحكام يمنحها قوة إضافية."لست متأكدة أنني سأكون مستعدة تمامًا أبدًا." أجابت بصدق، تأخذ نفسًا عميقًا. "لكنني سئمت الهروب. حان الوقت لمواجهة كل هذا وجهًا لوجه."تقدما معًا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حراس مذهولون برؤيتهما تقترب بلا خوف ظاهر، بعد أن وصلتهم أخبار ما حدث في الكوخ. لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقهما، مكتفين بمراقبتهما بحذر بالغ بينما كانا يدخلان القاعة الكبرى حيث كان والد نرجس يجلس على عرشه، محاطًا بمستشاريه القلقين.نهض والدها فجأة حين رآها، مزيج من الصدمة والغضب يتصارعان على وجهه. "نرجس. تجرأتِ على العودة إلى هنا بنفسك؟""لم آتِ لأطلب الصفح أو الرحمة." تقدمت نرجس بخطوات ثابتة، صوتها يحمل قوة وثقة لم يسمعها منها من قبل أحد في تلك القاعة. "أتيت لأخبر

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   أحاديث تحت الفجر

    جلسا في عمق الكهف الصغير، النار التي أشعلها سرمد بحذر تضيء المكان بدفء خافت، بينما كانت أولى خيوط الفجر تتسلل عبر فتحة الكهف الضيقة. لم يستطع أي منهما النوم رغم الإرهاق الشديد، عقولهما لا تزالان مثقلتين بكل ما حدث تلك الليلة."سرمد،" قالت نرجس أخيرًا، كاسرة الصمت الطويل، عيناها ثابتتان على النار المتراقصة. "أريد أن أسألك شيئًا، وأريد إجابة صادقة تمامًا."نظر إليها بجدية، يدرك من نبرة صوتها أن السؤال القادم مهم. "اسأليني أي شيء.""حين أتيت إليّ أول مرة، حين اصطدمنا في ذلك الممر... هل كان ذلك جزءًا من الخطة؟ أم كان صدفة حقيقية؟"تنهد سرمد بعمق، يدرك أن هذا السؤال كان معلقًا بينهما منذ اكتشافها لحقيقته. "كان جزءًا من الخطة، نرجس. تتبعت خطواتك لأسابيع قبل ذلك اليوم، أدرس روتينك، أبحث عن أفضل طريقة للاقتراب منك دون إثارة شكوكك. ذلك الاصطدام في الممر لم يكن صدفة، كان محسوبًا بدقة."شعرت نرجس بوخزة ألم قديمة تعود، لكنها لم تنسحب هذه المرة، بل أومأت برأسها، تطلب المزيد. "استمر.""لكن كل شيء تغيّر بعد ذلك اليوم بسرعة لم أتوقعها." اقترب منها قليلًا، عيناه تحملان صدقًا عميقًا. "كنت أخطط لمهمة با

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status