LOGIN---
في الأيام التالية للقاء والدها، بدأت نرجس تعيش حياة مختلفة تمامًا عمّا اعتادته منذ سنتين — لم تعد وحيدة تمامًا، ولا خائفة بنفس الطريقة القديمة. زارها والدها مرتين إضافيتين، في كل مرة يجلب معه دفئًا أبويًا بدا حقيقيًا أكثر فأكثر، يحدثها عن ذكريات طفولتها، عن أمها التي غابت منذ سنوات طويلة، عن تفاصيل صغيرة من عالمها القديم كانت قد نسيتها أو حاولت أن تنساها. بدأت نرجس، ببطء وحذر، تسمح لنفسها بالثقة به مجددًا، رغم أن سرمد ظل محتفظًا بمسافة صامتة من التشكيك، لا يعبّر عنها بصوت عالٍ احترامًا لسعادتها النادرة، لكنه لم يستطع التخلص منها تمامًا أيضًا. في المقابل، بدأت العلاقة بين نرجس وسرمد تتعافى تدريجيًا من جرح الخيانة العميق. لم يكن الأمر سهلاً أو سريعًا؛ كانت لا تزال تحمل بقايا غضب وشك كل مرة يقترب منها بلطف، لكنها بدأت تلاحظ أيضًا كل التفاصيل الصغيرة التي أثبتت له بها إخلاصه الحقيقي — كيف وقف بينها وبين الموت دون تردد رغم معرفته أنه سيخسر كل شيء، كيف راقبها وحماها من بعيد حتى وهي ترفضه بعنف، كيف واجه كبير عشيرته بنفسه طلبًا للرحمة رغم المخاطرة الهائلة على حياته. في مساء هادئ، جلسا معًا على سطح مبنى شقتها، تحت سماء صافية مليئة بالنجوم، صمت مريح يخيّم بينهما لأول مرة منذ أسابيع من التوتر المستمر. "لا زلت غاضبة منك،" قالت نرجس أخيرًا، تكسر الصمت بصوت هادئ خالٍ من الحدة السابقة. "لكنني أعتقد أنني بدأت أفهم لماذا فعلت ما فعلته." نظر إليها سرمد بأمل حذر. "لن أطلب منكِ أن تنسي بسرعة. فقط أريدك أن تعرفي أن كل يوم قضيته معكِ، منذ اللحظة الأولى، كان حقيقيًا بالنسبة لي، حتى لو بدأ بكذبة كبيرة." "أعرف ذلك الآن." اقتربت منه قليلًا، تضع رأسها على كتفه بثقة متجددة ببطء. "لكن أخبرني بصدق: هل ما زلت تخشى أن تُجبر يومًا على تنفيذ ذلك الحكم؟" صمت سرمد للحظة طويلة، يوازن بين رغبته في طمأنتها وصدقه معها. "كبير عشيرتي منحني مهلة شهر لأقنعك بالخضوع والاعتذار. لم يتبقَّ الكثير من ذلك الوقت. وأنا لا أعرف، بصراحة، ماذا سيحدث حين ينتهي." شعرت نرجس بقلق قديم يعود، لكنها هذه المرة لم تنسحب بعيدًا، بل أمسكت يده بثبات. "سنجد حلًا معًا. لن أدعك تتحمل هذا وحدك بعد الآن." في تلك اللحظة بالذات، بينما كانا يتشاركان تلك النظرة الصادقة تحت النجوم، شعرت نرجس فجأة بوخزة غريبة تسري في جسدها — ليست تهديدًا خارجيًا هذه المرة، بل شيئًا من الداخل، إحساسًا مفاجئًا بطاقة تتحرك في عروقها لم تشعر بها من قبل بهذا الوضوح. "ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر المفاجئ في ملامحها. "لا أعرف." نظرت إلى يديها بذهول، ترى وميضًا خافتًا من ضوء ذهبي يسري تحت جلدها كأنه نبض جديد استيقظ للتو. "أشعر بشيء مختلف تمامًا... كأن شيئًا بداخلي بدأ يتحرك." تذكرت فجأة كلمات سمعتها صدفة من والدها قديمًا، في زمن بعيد قبل هروبها بسنوات، حين كانت طفلة تختبئ خلف باب مكتبه نصف المفتوح تتنصت دون قصد على حديث بينه وبين أحد كبار العشيرة. كانت الكلمات غامضة حينها، لم تفهمها طفلة صغيرة لا تدرك ثقل ما تسمعه: "قوة كامنة... نائمة في دمها... لا يجب أن تستيقظ قبل الأوان." لم تكن قد فكرت في تلك الذكرى منذ سنوات طويلة، دفنتها عقلها كأي حديث عابر لا معنى واضحًا له. لكنها الآن، وهي تشعر بذلك الوميض الذهبي الغريب يسري تحت جلدها، عادت تلك الكلمات القديمة تطفو على السطح بثقل مختلف تمامًا. "سرمد، أظن أنني أتذكر شيئًا،" قالت بصوت مرتجف قليلًا، لا تزال تراقب يديها المتوهجة بذهول. "حين كنت طفلة، سمعت أبي يتحدث عن قوة نائمة بداخلي. لم أفهم وقتها ماذا كان يقصد، ونسيت الأمر تمامًا لسنوات." نظر إليها سرمد بقلق متزايد. "هل تعتقدين أن ما يحدث الآن مرتبط بذلك؟" "لا أعرف. لكن التوقيت مريب جدًا." أغمضت عينيها، تحاول أن تهدئ ذلك الاضطراب الداخلي الغريب. "لماذا تستيقظ هذه القوة الآن بالذات، بعد كل هذه السنوات من الهدوء، وبعد عودة أبي المفاجئة تحديدًا؟" لم يكن لدى سرمد جواب مطمئن يقدّمه، اكتفى بالجلوس بجانبها، يمسك يدها المتوهجة بثبات، محاولًا أن يمنحها شعورًا بالأمان وسط كل هذا الغموض المتصاعد. استمر ذلك الوميض الغريب في التذبذب تحت جلدها لدقائق طويلة قبل أن يخفت تدريجيًا ويختفي، تاركًا وراءه إرهاقًا مفاجئًا اجتاح جسدها بالكامل. "أشعر وكأنني أنهيت للتو معركة كاملة." همست، تستند إلى كتف سرمد بضعف غير معتاد. في تلك الليلة، بعد أن نامت نرجس أخيرًا منهكة بين ذراعي سرمد، بقي هو مستيقظًا، عيناه ثابتتان على السماء المرصعة بالنجوم، عقله يعمل بسرعة محمومة يحاول ربط كل الخيوط المتناثرة معًا — عودة الأب المفاجئة، تلك الزيارات المتكررة، ولمساته "البريئة" في كل مرة، وأخيرًا هذا الاستيقاظ الغريب لقوة نائمة كان يُفترض أن تبقى كذلك. قرر في تلك اللحظة أن يبحث بنفسه، بعيدًا عن علم نرجس، عن الحقيقة الكاملة وراء عودة والدها المفاجئة، قبل أن يفوت الأوان على كليهما.في اليومين التاليين، استقرت نرجس وسرمد في روتين هادئ داخل القصر الملكي الأكبر، حيث دُعيا للبقاء ضيوفًا لفترة إضافية بناءً على إصرار لطيف من الملك نفسه، الذي بدا مصممًا على تعويض نرجس عن كل السنوات التي حُرمت فيها من عائلتها ووطنها الحقيقي.في صباح اليوم الثالث، بينما كانت نرجس تتجول في حدائق القصر الواسعة برفقة إحدى وصيفات القصر التي عُيّنت لخدمتها، وجدت نفسها فجأة أمام الأمير كيان، يجلس وحيدًا على مقعد حجري قديم بجانب بحيرة صغيرة تعكس السماء الصافية بألوان نارية خافتة مميزة لعالم الجن."نرجس." نهض بأدب فور رؤيتها، ابتسامة ترحيبية صادقة على وجهه. "لم أتوقع أن ألتقيكِ هنا بمفردكِ هذا الصباح.""كنت أتمشى فقط، أستمتع بجمال الحدائق." جلست بحذر مهذب على الطرف الآخر من المقعد الحجري حين أشار إليها بلطف للجلوس. "لم أرَ مكانًا بهذا الجمال من قبل."تحدثا لوقت طويل، الأمير يشاركها بصدق واضح ذكريات إضافية عن والدتها، عن دفئها وحكمتها، عن طريقة تعليمها له أساسيات فن الحكم بعيدًا عن القسوة التي اعتاد عليها من مستشاري أبيه الآخرين. استمعت نرجس بشغف متجدد، تشعر وكأنها تكتشف جزءًا حقيقيًا مفقودًا من
عادا إلى غرفتهما في القصر تلك الليلة، والصمت الذي رافق سرمد طوال الطريق لا يزال يخيّم على المكان. جلست نرجس على حافة السرير، تراقبه وهو يقف عند النافذة، ظهره لها، أفكاره واضحة الاضطراب رغم صمته."سرمد." نهضت واقتربت منه، تضع يدها على كتفه بلطف. "أعرف أن هناك شيئًا يزعجك. أرجوك لا تخفِ عني شيئًا بعد الآن، لا بعد كل ما مررنا به."استدار نحوها، عيناه تحملان صراعًا داخليًا واضحًا. "لا أعرف كيف أشرح هذا دون أن أبدو غيورًا أو تافهًا. لكن هناك شيء في طريقة استقبال الملك لكِ، في اهتمام الأمير المفاجئ، يزعجني بعمق لا أستطيع تفسيره.""سرمد، إنهم يحاولون فقط تعويضي عن سنوات فقدت فيها كل رابط بعائلتي." اقتربت أكثر، يداها ترفعان وجهه نحوها. "أفهم قلقك، لكن أرجوك لا تدع الشك يفسد هذه الفرصة النادرة بالنسبة لي."نظر إليها طويلًا، يرى في عينيها ذلك الشوق الصادق العميق، ويشعر بذنب خفيف لكونه لا يستطيع أن يمنحها ثقة كاملة في هذه اللحظة بالذات. "أنتِ محقة. ربما أنا فقط... أخاف من فقدانكِ، بعد كل ما مررنا به معًا.""لن تفقدني أبدًا." اقتربت منه أكثر، جسدها يلامس جسده، عيناها تحملان يقينًا عميقًا. "أنت من
مرّت الأيام التالية بسرعة غريبة، أسبوع كامل قضته نرجس تتنقل بين جناح جدتها الفخم وبين لحظات هادئة قضتها مع سرمد في إحدى غرف الضيافة المخصصة لهما داخل القصر. كانت الحياة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تشبه نوعًا من الاستقرار الهش، لكنه حقيقي بما يكفي لتسمح نرجس لنفسها بالاستمتاع به دون قلق مفرط.في صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الفطور مع سرمد في شرفة صغيرة مطلة على حدائق القصر الواسعة، وصلتها رسالة رسمية مختومة بختم ذهبي فخم، تحمل شعار العرش الأكبر لعالم الجن بأكمله.فتحتها بيدين مرتجفتين قليلًا من الفضول، لتجد دعوة رسمية موجهة إليها شخصيًا من الملك الأكبر نفسه، تطلب حضورها إلى القصر الملكي الكبير لحضور مأدبة عشاء خاصة، بمناسبة "تجديد الروابط العائلية القديمة" كما وُصف الأمر بصياغة دبلوماسية أنيقة."ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر في تعابير وجهها."دعوة من الملك الأكبر نفسه." أعطته الرسالة ليقرأها، توتر خفيف يتسلل إلى صوتها. "يريد استضافتي في مأدبة رسمية."قرأ سرمد الرسالة بعينين ضيقتين، شعور بعدم الارتياح يتصاعد بداخله فورًا. "لا أحب هذا يا نرجس. الأمر يبدو مباشرًا جدًا، ومفاجئ
:بعد أن أُخذ والد نرجس بعيدًا تحت حراسة صارمة بأمر مباشر من جدتها، خيّم على القاعة الكبرى هدوء مشحون بالتوتر، بينما وقفت نرجس أمام تلك المرأة العجوز الغريبة عنها، تحاول استيعاب كل ما يحدث دفعة واحدة."لا أفهم." قالت نرجس أخيرًا، صوتها لا يزال يحمل آثار الصدمة. "لماذا لم أعرف بوجودك من قبل؟ لماذا لم يخبرني أحد أن لديّ جدة حية؟"اقتربت الجدة منها بابتسامة دافئة، تمد يدها لتلمس وجه نرجس بحنان يبدو صادقًا تمامًا. "اخترت الابتعاد عن كل شؤون العشيرة منذ سنوات طويلة، بعد وفاة زوجي، تاركة الحكم لابني. لم أكن أعرف بكل ما فعله حتى وصلتني أخبار عن استيقاظ قوتك الكاملة الليلة، فأدركت أن الوقت حان أخيرًا للتدخل."نظر سرمد إلى الجدة بحذر صامت، لا يزال يشعر بشيء غير مريح في طريقة حديثها المحسوبة بدقة، لكنه لم يقل شيئًا أمام نرجس التي بدت متعطشة لأي رابط عائلي دافئ بعد كل تلك السنوات من الوحدة."تعالي معي يا نرجس." مدت الجدة يدها نحوها. "دعيني أعرّفك على بقية عائلتك، وأشرح لكِ الكثير مما تجهلينه عن تاريخ عشيرتنا وعن قوتك الحقيقية."تبعتها نرجس بثقة متجددة إلى جناح خاص في القصر، بينما بقي سرمد يسير خ
اقترب الحراس أكثر، دائرة محكمة تضيق حول نرجس وسرمد ببطء مرعب، بينما كان والد نرجس يراقب المشهد بابتسامة ظافرة، واثقًا تمامًا من نتيجة هذه المواجهة غير المتكافئة.شعرت نرجس بذلك الإحساس الغريب يتصاعد بداخلها بقوة غير مسبوقة، أعمق من أي استيقاظ سابق لقوتها، وكأن شيئًا قديمًا جدًا، منسيًا، بدأ يتحرك في أعماق روحها. أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا لم تسمعه منذ سنوات طويلة، صوتًا نقيًا واضحًا يتردد في ذهنها وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا، أو من زمن آخر تمامًا:"استخدمي ما ورثتِه مني، يا شمسي الصغيرة. حان وقت الاستيقاظ الكامل."صوت أمها.فتحت نرجس عينيها فجأة، وقد تغيّر كل شيء فيها. لم يعد الضوء الذهبي المعتاد هو ما يتوهج تحت جلدها، بل شيء أكثر عمقًا وقدمًا، لون نادر يمزج بين الذهبي والأبيض الناصع، يضيء القاعة بأكملها بشكل مبهر جعل الجميع، حراسًا ووالدها نفسه، يتراجعون خطوات بذعر غير مقصود."ما هذا؟" همس والدها بذهول ورعب ممزوجين، يتراجع من على عرشه فجأة. "هذا... هذا لون قوة والدتك الكاملة. لكن هذا مستحيل، لم تكتمل تدريباتها أبدًا—""لم أكن بحاجة لتدريباتكم." قالت نرجس بصوت لا يشبه صوتها
وصلا إلى أطراف قصر والدها عند غروب الشمس، الضوء البرتقالي الخافت يلقي ظلالًا طويلة على الأسوار الحجرية القديمة المحيطة بمقر عشيرتها. توقفت نرجس للحظة، تشعر بثقل كل الذكريات التي تربطها بهذا المكان — طفولتها، أمها، وأخيرًا لحظة طردها المهينة أمام الجميع."هل أنتِ مستعدة؟" سألها سرمد بهدوء، واقفًا بجانبها بثبات، يده تمسك يدها بإحكام يمنحها قوة إضافية."لست متأكدة أنني سأكون مستعدة تمامًا أبدًا." أجابت بصدق، تأخذ نفسًا عميقًا. "لكنني سئمت الهروب. حان الوقت لمواجهة كل هذا وجهًا لوجه."تقدما معًا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حراس مذهولون برؤيتهما تقترب بلا خوف ظاهر، بعد أن وصلتهم أخبار ما حدث في الكوخ. لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقهما، مكتفين بمراقبتهما بحذر بالغ بينما كانا يدخلان القاعة الكبرى حيث كان والد نرجس يجلس على عرشه، محاطًا بمستشاريه القلقين.نهض والدها فجأة حين رآها، مزيج من الصدمة والغضب يتصارعان على وجهه. "نرجس. تجرأتِ على العودة إلى هنا بنفسك؟""لم آتِ لأطلب الصفح أو الرحمة." تقدمت نرجس بخطوات ثابتة، صوتها يحمل قوة وثقة لم يسمعها منها من قبل أحد في تلك القاعة. "أتيت لأخبر