Share

عودة غير متوقعة

Author: Lamar
last update publish date: 2026-08-04 05:21:08

وقف الجميع في الشارع المظلم صامتين تمامًا، بينما كانت نرجس تحدّق في الشكل الضخم أمامها بذهول لا يوصف، جسدها لا يزال منهكًا من القتال، لكن قلبها كان أكثر اضطرابًا بكثير من تلك الكلمات الأربع التي سمعتها للتو.

"أبي؟"

تحول الشكل الضخم ببطء، يتقلص ويعيد ترتيب نفسه حتى استقر على هيئة رجل طاعن في السن، لكنه يحمل هيبة وقوة لا تخطئهما العين، بعينين ذهبيتين حادتين تشبهان عينيها تمامًا، ووجه بدأت ملامحه الصارمة تلين بشكل غير متوقع وهو ينظر إليها.

"نرجس..." همس اسمها بصوت مثقل بمشاعر بدت حقيقية تمامًا، اقترب منها ببطء، وكأنه يخشى أن تختفي إن تحرك بسرعة أكبر. "لا تتخيلين كم بحثت عنكِ. كم ليلة قضيتها أتساءل إن كنتِ بخير، إن كنتِ حية أصلًا."

تراجعت نرجس خطوة بحذر، لا تزال غير مصدقة أن هذا حقيقي. "أنت من حكم عليّ بالموت. أنت من طردني وتبرأت مني أمام كل العشيرة."

انكسر شيء في وجه والدها عند سماع تلك الكلمات، ألم حقيقي بدا عليه. "كنت غاضبًا، مصدومًا، وخائفًا على مستقبل عشيرتنا بأكملها. لكن الغضب يهدأ يا ابنتي، والوقت يعلّمنا أشياء كثيرة لم نكن نراها بوضوح من قبل." اقترب أكثر، يمد يده بتردد نحو وجهها، دون أن يلمسها، منتظرًا إذنًا صامتًا. "افتقدتكِ كل يوم منذ رحيلكِ. هذا أصدق شيء يمكنني قوله لكِ الآن."

شعرت نرجس بدموع غير متوقعة تتجمع في عينيها، سنوات من الشوق المكبوت لأب فقدته فجأة دون وداع تتصاعد بقوة لم تتحكم بها. "لم أتوقع أن أراك مرة أخرى أبدًا."

"وأنا لم أتوقع أن أسامح نفسي على ما فعلته، حتى قررت أخيرًا أن أبحث عنكِ." نظر إليها بحنان أبوي بدا صادقًا تمامًا. "أعرف أن الكلمات لا تكفي لتعويض كل ذلك الألم، لكنني هنا الآن، وأريد فقط أن أصلح ما أفسدته بيدي."

نظر سرمد، الواقف بجانب نرجس في حذر لم يتزحزح رغم الدفء الظاهري في المشهد، إلى الأب بعين متفحصة، شيء بداخله لم يستطع أن يثق به بالكامل رغم كل الكلمات المؤثرة، لكنه لم يقل شيئًا، غير راغب في تعكير هذه اللحظة على نرجس التي بدت، للمرة الأولى منذ سنتين، وكأن جزءًا من قلبها المكسور بدأ يلتئم قليلًا.

"هل... هل يمكنني العودة يومًا؟" سألت نرجس بصوت مرتجف، تسمح لنفسها للحظة أن تحلم بحياة لم تعد تظن أنها ممكنة.

"هذا بالضبط ما آمله." ابتسم والدها ابتسامة دافئة، تحمل في عمقها حسابات لم تظهر على ملامحه على الإطلاق. "لكن ليس اليوم، وليس بهذه العجلة. تحتاجين وقتًا لتتعافي، ولنعيد بناء الثقة بيننا تدريجيًا. سأعود لزيارتك مجددًا قريبًا، وسنتحدث أكثر حينها."

اقترب منها أخيرًا، يحتضنها احتضانًا أبويًا حذرًا، وشعرت نرجس بدفء غريب يتسلل إلى صدرها، دفء افتقدته منذ سنتين طويلتين من العزلة القسرية.

"اعتنِ بنفسك يا ابنتي." همس في أذنها قبل أن يبتعد، ينظر لمرة أخيرة نحو سرمد بنظرة يصعب تفسيرها تمامًا — ليست عدائية، لكنها ليست ودودة بالكامل أيضًا — قبل أن يختفي في سحابة من الدخان الداكن، تاركًا خلفه صمتًا مثقلًا بمشاعر متضاربة.

وقفت نرجس طويلًا في مكانها بعد رحيله، تمسح دموعها بيد لا تزال ترتجف قليلًا، بينما اقترب سرمد منها بحذر، يضع يده على كتفها بلطف.

"هل أنتِ بخير؟"

"أعتقد ذلك." ابتسمت ابتسامة صغيرة، أول ابتسامة حقيقية يراها منها منذ أسبوع كامل من الغضب المتواصل تجاهه. "لم أتوقع أبدًا أن أشعر بهذا القدر من الراحة برؤيته مجددًا."

نظر سرمد إليها بصمت، شكوكه الداخلية لا تزال قائمة رغم كل شيء، لكنه اختار ألا يشاركها إياها في تلك اللحظة بالذات، غير راغب في سلب فرحتها النادرة بلقاء والدها.

لكن بينما كانا يسيران معًا عائدين إلى شقتها، بقي سؤال صامت يثقل صدر سرمد، لا يجرؤ على البوح به بعد: هل كانت عودة ذلك الأب المفاجئة، بعد سنتين كاملتين من الصمت التام والحكم القاسي بالموت، نابعة فعلاً من حب أبوي متأخر، أم أن هناك شيئًا أعمق بكثير يختبئ خلف تلك الدموع والعناق الدافئ؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   خيوط تتشابك في الظل

    في اليومين التاليين، استقرت نرجس وسرمد في روتين هادئ داخل القصر الملكي الأكبر، حيث دُعيا للبقاء ضيوفًا لفترة إضافية بناءً على إصرار لطيف من الملك نفسه، الذي بدا مصممًا على تعويض نرجس عن كل السنوات التي حُرمت فيها من عائلتها ووطنها الحقيقي.في صباح اليوم الثالث، بينما كانت نرجس تتجول في حدائق القصر الواسعة برفقة إحدى وصيفات القصر التي عُيّنت لخدمتها، وجدت نفسها فجأة أمام الأمير كيان، يجلس وحيدًا على مقعد حجري قديم بجانب بحيرة صغيرة تعكس السماء الصافية بألوان نارية خافتة مميزة لعالم الجن."نرجس." نهض بأدب فور رؤيتها، ابتسامة ترحيبية صادقة على وجهه. "لم أتوقع أن ألتقيكِ هنا بمفردكِ هذا الصباح.""كنت أتمشى فقط، أستمتع بجمال الحدائق." جلست بحذر مهذب على الطرف الآخر من المقعد الحجري حين أشار إليها بلطف للجلوس. "لم أرَ مكانًا بهذا الجمال من قبل."تحدثا لوقت طويل، الأمير يشاركها بصدق واضح ذكريات إضافية عن والدتها، عن دفئها وحكمتها، عن طريقة تعليمها له أساسيات فن الحكم بعيدًا عن القسوة التي اعتاد عليها من مستشاري أبيه الآخرين. استمعت نرجس بشغف متجدد، تشعر وكأنها تكتشف جزءًا حقيقيًا مفقودًا من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   بين الشك واليقين

    عادا إلى غرفتهما في القصر تلك الليلة، والصمت الذي رافق سرمد طوال الطريق لا يزال يخيّم على المكان. جلست نرجس على حافة السرير، تراقبه وهو يقف عند النافذة، ظهره لها، أفكاره واضحة الاضطراب رغم صمته."سرمد." نهضت واقتربت منه، تضع يدها على كتفه بلطف. "أعرف أن هناك شيئًا يزعجك. أرجوك لا تخفِ عني شيئًا بعد الآن، لا بعد كل ما مررنا به."استدار نحوها، عيناه تحملان صراعًا داخليًا واضحًا. "لا أعرف كيف أشرح هذا دون أن أبدو غيورًا أو تافهًا. لكن هناك شيء في طريقة استقبال الملك لكِ، في اهتمام الأمير المفاجئ، يزعجني بعمق لا أستطيع تفسيره.""سرمد، إنهم يحاولون فقط تعويضي عن سنوات فقدت فيها كل رابط بعائلتي." اقتربت أكثر، يداها ترفعان وجهه نحوها. "أفهم قلقك، لكن أرجوك لا تدع الشك يفسد هذه الفرصة النادرة بالنسبة لي."نظر إليها طويلًا، يرى في عينيها ذلك الشوق الصادق العميق، ويشعر بذنب خفيف لكونه لا يستطيع أن يمنحها ثقة كاملة في هذه اللحظة بالذات. "أنتِ محقة. ربما أنا فقط... أخاف من فقدانكِ، بعد كل ما مررنا به معًا.""لن تفقدني أبدًا." اقتربت منه أكثر، جسدها يلامس جسده، عيناها تحملان يقينًا عميقًا. "أنت من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    دعوة إلى القصر الأكبر

    مرّت الأيام التالية بسرعة غريبة، أسبوع كامل قضته نرجس تتنقل بين جناح جدتها الفخم وبين لحظات هادئة قضتها مع سرمد في إحدى غرف الضيافة المخصصة لهما داخل القصر. كانت الحياة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تشبه نوعًا من الاستقرار الهش، لكنه حقيقي بما يكفي لتسمح نرجس لنفسها بالاستمتاع به دون قلق مفرط.في صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الفطور مع سرمد في شرفة صغيرة مطلة على حدائق القصر الواسعة، وصلتها رسالة رسمية مختومة بختم ذهبي فخم، تحمل شعار العرش الأكبر لعالم الجن بأكمله.فتحتها بيدين مرتجفتين قليلًا من الفضول، لتجد دعوة رسمية موجهة إليها شخصيًا من الملك الأكبر نفسه، تطلب حضورها إلى القصر الملكي الكبير لحضور مأدبة عشاء خاصة، بمناسبة "تجديد الروابط العائلية القديمة" كما وُصف الأمر بصياغة دبلوماسية أنيقة."ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر في تعابير وجهها."دعوة من الملك الأكبر نفسه." أعطته الرسالة ليقرأها، توتر خفيف يتسلل إلى صوتها. "يريد استضافتي في مأدبة رسمية."قرأ سرمد الرسالة بعينين ضيقتين، شعور بعدم الارتياح يتصاعد بداخله فورًا. "لا أحب هذا يا نرجس. الأمر يبدو مباشرًا جدًا، ومفاجئ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   يد تمتد بحنان ظاهري

    :بعد أن أُخذ والد نرجس بعيدًا تحت حراسة صارمة بأمر مباشر من جدتها، خيّم على القاعة الكبرى هدوء مشحون بالتوتر، بينما وقفت نرجس أمام تلك المرأة العجوز الغريبة عنها، تحاول استيعاب كل ما يحدث دفعة واحدة."لا أفهم." قالت نرجس أخيرًا، صوتها لا يزال يحمل آثار الصدمة. "لماذا لم أعرف بوجودك من قبل؟ لماذا لم يخبرني أحد أن لديّ جدة حية؟"اقتربت الجدة منها بابتسامة دافئة، تمد يدها لتلمس وجه نرجس بحنان يبدو صادقًا تمامًا. "اخترت الابتعاد عن كل شؤون العشيرة منذ سنوات طويلة، بعد وفاة زوجي، تاركة الحكم لابني. لم أكن أعرف بكل ما فعله حتى وصلتني أخبار عن استيقاظ قوتك الكاملة الليلة، فأدركت أن الوقت حان أخيرًا للتدخل."نظر سرمد إلى الجدة بحذر صامت، لا يزال يشعر بشيء غير مريح في طريقة حديثها المحسوبة بدقة، لكنه لم يقل شيئًا أمام نرجس التي بدت متعطشة لأي رابط عائلي دافئ بعد كل تلك السنوات من الوحدة."تعالي معي يا نرجس." مدت الجدة يدها نحوها. "دعيني أعرّفك على بقية عائلتك، وأشرح لكِ الكثير مما تجهلينه عن تاريخ عشيرتنا وعن قوتك الحقيقية."تبعتها نرجس بثقة متجددة إلى جناح خاص في القصر، بينما بقي سرمد يسير خ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    صوت من الماضي

    اقترب الحراس أكثر، دائرة محكمة تضيق حول نرجس وسرمد ببطء مرعب، بينما كان والد نرجس يراقب المشهد بابتسامة ظافرة، واثقًا تمامًا من نتيجة هذه المواجهة غير المتكافئة.شعرت نرجس بذلك الإحساس الغريب يتصاعد بداخلها بقوة غير مسبوقة، أعمق من أي استيقاظ سابق لقوتها، وكأن شيئًا قديمًا جدًا، منسيًا، بدأ يتحرك في أعماق روحها. أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا لم تسمعه منذ سنوات طويلة، صوتًا نقيًا واضحًا يتردد في ذهنها وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا، أو من زمن آخر تمامًا:"استخدمي ما ورثتِه مني، يا شمسي الصغيرة. حان وقت الاستيقاظ الكامل."صوت أمها.فتحت نرجس عينيها فجأة، وقد تغيّر كل شيء فيها. لم يعد الضوء الذهبي المعتاد هو ما يتوهج تحت جلدها، بل شيء أكثر عمقًا وقدمًا، لون نادر يمزج بين الذهبي والأبيض الناصع، يضيء القاعة بأكملها بشكل مبهر جعل الجميع، حراسًا ووالدها نفسه، يتراجعون خطوات بذعر غير مقصود."ما هذا؟" همس والدها بذهول ورعب ممزوجين، يتراجع من على عرشه فجأة. "هذا... هذا لون قوة والدتك الكاملة. لكن هذا مستحيل، لم تكتمل تدريباتها أبدًا—""لم أكن بحاجة لتدريباتكم." قالت نرجس بصوت لا يشبه صوتها

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   المواجهة

    وصلا إلى أطراف قصر والدها عند غروب الشمس، الضوء البرتقالي الخافت يلقي ظلالًا طويلة على الأسوار الحجرية القديمة المحيطة بمقر عشيرتها. توقفت نرجس للحظة، تشعر بثقل كل الذكريات التي تربطها بهذا المكان — طفولتها، أمها، وأخيرًا لحظة طردها المهينة أمام الجميع."هل أنتِ مستعدة؟" سألها سرمد بهدوء، واقفًا بجانبها بثبات، يده تمسك يدها بإحكام يمنحها قوة إضافية."لست متأكدة أنني سأكون مستعدة تمامًا أبدًا." أجابت بصدق، تأخذ نفسًا عميقًا. "لكنني سئمت الهروب. حان الوقت لمواجهة كل هذا وجهًا لوجه."تقدما معًا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حراس مذهولون برؤيتهما تقترب بلا خوف ظاهر، بعد أن وصلتهم أخبار ما حدث في الكوخ. لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقهما، مكتفين بمراقبتهما بحذر بالغ بينما كانا يدخلان القاعة الكبرى حيث كان والد نرجس يجلس على عرشه، محاطًا بمستشاريه القلقين.نهض والدها فجأة حين رآها، مزيج من الصدمة والغضب يتصارعان على وجهه. "نرجس. تجرأتِ على العودة إلى هنا بنفسك؟""لم آتِ لأطلب الصفح أو الرحمة." تقدمت نرجس بخطوات ثابتة، صوتها يحمل قوة وثقة لم يسمعها منها من قبل أحد في تلك القاعة. "أتيت لأخبر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status