Share

الفودكا

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-05-04 05:25:06

في المساء، نزلتُ الدرج بخطوات مترددة.

​كانت الأصوات الصاخبة تنبعث من الطابق الأرضي: موسيقى تضجُّ بالقلق، ضحكات متعالية، وصوت زجاج يتكسر بين الحين والآخر. وقفتُ أمام الباب الخشبي الثقيل، ترددتُ لبرهة، ثم دفعته ليدقَّ جرس دخولي عالمًا لم أعهده.

​اجتاحتني رائحة نفاذة لمزيج من التبغ الرديء والكحول والعرق. نحو عشرين شاباً وشابة، معظمهم من الروس وقليل من آسيا الوسطى، يتكدسون في المكان. وفي الزاوية، كان هناك مسجل شرائط قديم ينفث أغاني حزينة بصوت رجل يبدو وكأنه يبكي؛ فالموسيقى هنا لا تُصنع لتبهج، بل لتعول.

​كان نيكولاي يتوسط الحشد، يطوق بذراعه امرأة شقراء ترتدي فستاناً أحمر قصيراً يتحدى برودة المكان. لمحني، فاتسعت ابتسامته وصفق بيديه بحماس: "صديقي العربي قد وصل!"

​التفتت الرؤوس نحوي، ورمقتني الشقراء بنظرات فضولية فاحصة. شعرتُ بحرارة تجتاح وجهي؛ فلم أعتد قط أن أكون مركز الاهتمام، ففي حلب، كنتُ أتقن فن الاختفاء في الزوايا.

​جذبني نيكولاي من كتفي نحو طاولة ازدحمت بالزجاجات، وملأ كأساً صغيراً بالفودكا ثم دفعه نحوي: "اشرب.. جرعة واحدة، ولا تتوقف."

​تأملتُ السائل؛ كان شفافاً كالماء، لكن رائحته كانت تخترق الحواس كالأسيتون. رفعتُ الكأس وتجرعته دفعة واحدة.

​للحظة، شعرتُ بنارٍ تندلع في حلقي وتستقر في صدري. سعلتُ بشدة حتى كدتُ أختنق، فانفجر الجميع بالضحك. حتى نيكولاي ضحك، لكنه ربت على ظهري بقوة مشجعة.

​"المرة الأولى؟" سألتني فتاة بصوت هادئ.

​رفعتُ نظري؛ كانت سمراء، بشعر أسود طويل وعينين خضراوين تشعان ذكاءً. كانت ترتدي كنزة صوفية زرقاء، وبدا فيها وقار غريب وسط هذا الصخب.. شيء ما فيها يذكر بالوطن.

​"نعم، المرة الأولى،" أجبتُ بصوتٍ مبحوح.

مدت يدها قائلة: "أنا أولغا."

"يوسف."

"أعرف.. أخبرنا نيكولاي عنك، قال إنك عبقري في الكيمياء."

ضحكتُ بخجل: "مبالغة منه لا أكثر."

"نيكولاي لا يوزع المديح بالمجان، إذا قال ذلك، فهو يراه."

​جلست أولغا بجانبي، وتحدثت عن الجامعة والأساتذة، وعن الشتاء الماضي الذي حصد أرواح ثلاثة مشردين في الحرم الجامعي. كان صوتها دافئاً كالشاي بالعسل، ووجدتُ نفسي أنصت إليها دون تكلف، ولأول مرة، دون أن أتظاهر بشيء.

​رأيت نيكولاي من بعيد يرقص مع تلك الشقراء، يحيطها بذراعيه في مشهد بدا طبيعياً للجميع، لكنه كان غريباً على عينيّ اللتين اعتادتا تحفظ الشرق. كأنني كنتُ أعيش في قفص، والآن فُتح الباب على مصراعيه.

​"إنه هكذا دائماً،" قالت أولغا وكأنها تقرأ أفكاري، "نيكولاي يعشق الحياة، والنساء يعشقن هذا النوع من الرجال."

"هل أنتِ.. مرتبطة به؟"

ضحكت بمرارة وقالت: "لا.. لستُ من الفتيات اللواتي يسقطن في فخاخ نيكولاي. أكتفي بمراقبته من بعيد."

"لماذا؟"

"لأنه مثير للاهتمام، لكنه خطر.. والقلوب هنا ليست لعبة." نظرت إليّ مباشرة وسألت: "وماذا عنك؟ هل قلبك لعبة؟"

​عجزتُ عن الرد، فنظرتُ إلى كأسي الفارغ وهمست: "قلبي لا يزال في حلب."

صمتت أولغا للحظة، ثم وضعت يدها على يدي. كانت يدها باردة، لكنها منحتني شعوراً غريباً بالمواساة.

"سيبيريا تلتهم كل شيء يا يوسف.. حتى الذكريات. مع الأيام، ستجد أن حلب لم تعد سوى حلم بعيد."

​فجأة، انقطعت الموسيقى وصرخ أحدهم: "لعبة الزجاجة!"

تحمس نيكولاي وجلس الجميع في دائرة على الأرض، ووضعوا زجاجة فودكا فارغة في المنتصف. شرح نيكولاي القواعد: "تدور الزجاجة، ومن تشير إليه، عليه أن يقبل جاره، أو يتجرع كأساً، أو يبوح بسر."

​دارت الزجاجة في دورتها الأولى وأشارت إلى نيكولاي. التفت إلى الشقراء بجانبه وقال بجرأة: "قبلة." انحنى وقبلها ببطء وسط تصفير الشباب وصراخ الفتيات.

​أشحتُ بنظري بعيداً، فشعرتُ بالحرج يتآكلني، لكن أولغا همست: "لا تقلق، لا أحد هنا يُجبر على شيء."

​دارت الزجاجة مجدداً.. وتوقفت عندي.

صاح نيكولاي: "العربي! اختر: قبلة، شرب، أم سر؟"

​ترددتُ. كانت الفودكا قد بدأت تداعب رأسي وتمنحني جرأة زائفة. قلتُ بثبات مفاجئ: "سر."

ساد صمت ترقب، فابتسم نيكولاي بابتسامته الماكرة: "حسناً.. ما هو السر الذي تخفيه عن الجميع؟"

​فكرتُ قليلاً، ثم قلت بصوت مسموع: "لستُ نادماً على فراري من الحرب.. أنا سعيد لأنني تركتُ الجميع هناك."

​صُعقتُ من قسوة كلماتي. لم أتوقع أن تخرج هكذا. اتسعت عينا أولغا، وحدق بي نيكولاي بفضول عميق. ثم فجأة، انفجر نيكولاي ضاحكاً: "هذا ليس سراً يا صديقي، هذه هي الحقيقة العارية! والسر الحقيقي هو أننا جميعاً هنا سعداء لأننا هربنا من أوطاننا."

​انتقل الاهتمام إلى شخص آخر، لكن أولغا ظلت صامتة. بعد فترة، قالت بهمس: "أنت لست كما ظننت."

"وكيف ظننتِني؟"

"اعتقدتُ أنك خائف.. لكنك تملك جرأة انتحارية."

​انتهت الحفلة، وبينما يغادر الجميع، استوقفني نيكولاي عند الباب وقال بصوت خفيض: "أعجبتني صراحتك.. أنت لست نادماً، وهذا يجعلك فريداً."

"هل هذه ميزة؟"

"بل هذا هو المفتاح لكل شيء." ثم مضى في حال سبيله.

​صعدتُ إلى غرفتي وحيداً. استلقيتُ على السرير، وكانت يداي لا تزالان ترتجفان من أثر الكحول. أغمضتُ عيني فلاح وجه أولغا في مخيلتي. وضعتُ يدي على صدري؛ كان قلبي ينبض بعنف.

​لم أكن أدرك إن كانت تلك هي البداية أم النهاية، لكنني تمنيتُ لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة.. قبل أن أتخذ القرارات التي ستسحق إنسانيتي لاحقاً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيبيريت   ما يتبقى — الفصل الأخير

    الرجل الذي يصل إلى النهاية لا يجدها نقطة واضحة على خط مستقيم. يجدها مكاناً يلتفت فيه إلى الخلف، ليدرك أن ما يسميه نهاية كان دائماً بداية شيء لم يعرف اسمه بعد. مرّت ستة أشهر على سقوط النظام. في ذلك الصباح الخريفي الهادئ، قُدتُ سيارتي من دمشق إلى حلب لأول مرة منذ أن تركتُها في ذلك الصباح المتسارع حين استدعاني ألكسي عاجلاً. الطريق كان مختلفاً — نقاط تفتيش جديدة، وجوه لا أعرفها تحمل أسلحة لم أتخيل يوماً رؤيتها في مثل هذه المواقع. لكن المدن التي مررتُ بها في طريقي كانت تنبض بحياة لا تزال فيها حرارة، رغم أن حرارة مختلفة عما كانت عليه. وصلتُ إلى الفيلا عند الظهر. أمي كانت تنتظر عند الباب، كأنها سمعت صوت السيارة من بعيد. لم تقل شيئاً حين احتضنتني، فقط ضمّتني بقوة تلك الأم التي تعرف أن ابنها عاد من مكان لا تسأل عن تفاصيله، وتكتفي بأنه عاد. جلسنا في حديقة الفيلا الصغيرة حتى المساء، نشرب القهوة ونتحدث عن أشياء بسيطة. عن الجيران، عن الشتاء القادم، عن شجرة الياسمين التي زرعتها في زاوية الحديقة منذ أسابيع. لم تسألني عن ما حدث بالتفصيل. وأنا لم أخبرها بالتفصيل. بيننا اتفاق صامت، نوع الاتفاقات ا

  • سيبيريت   ما تبقى

    الثمن الذي تدفعه حين تبقى لا يُرى دفعةً واحدة. يُدفع بالتقسيط — يوماً بعد يوم، لحظة بعد لحظة، في كل ما تكتشف أنك خسرته دون أن تلاحظ الخسارة حين حدثت. مرّت ثلاثة أشهر على سقوط النظام. دمشق لم تعد نفسها ولم تصبح بعد شيئاً آخر تماماً. كانت تقف في مكان ما بين الانهيار والإعادة، تحاول أن تتنفس بجهاز تنفس لم يُصمَّم لها بعد. بعض الأحياء عادت إليها الكهرباء بشكل شبه منتظم. بعض المحال فتحت أبوابها بحذر. الناس بدأوا يمشون في الشوارع بشيء يشبه الطبيعية، رغم أن أعينهم لا تزال تحمل أثر ما رأوه. أنا، في تلك الأشهر الثلاثة، تحوّلتُ من رجل مختبئ بهوية مستعارة إلى رجل يمشي في الشوارع باسمه الحقيقي، يجلس في اجتماعات تبحث في كيفية إعادة بعض خطوط التوزيع الغذائي للعمل، يجيب عن أسئلة حول ماضٍ لا يستطيع إنكاره بالكامل ولا تبريره بالكامل. الثمن كان حقيقياً. خسرتُ الشبكة التي بنيتُها في سيبيريا وموسكو جزئياً — فيكتور أدار الأمور بكفاءة، لكن غيابي الطويل ترك أثراً لا يُعوَّض بالكامل. عدة عقود انسحبت بهدوء مع رجال آخرين ملأوا الفراغ الذي تركته حين انشغلتُ بدمشق. المجموعة الكازاخستانية التي وقّعتُ معها بف

  • سيبيريت   النظام الجديد

    الرجل الذي يصمد وسط الفوضى لا يفعل ذلك لأنه أقوى من الفوضى. يفعله لأنه تعلّم شيئاً لا يعرفه كثيرون: أن الفوضى نفسها تحمل في داخلها نظاماً جديداً يتشكل، ومن يرى هذا النظام مبكراً يستطيع أن يجد فيه موقعاً لنفسه قبل أن يكتشفه الآخرون. في الأسبوع الثاني بعد سقوط النظام، بدأ الغبار يهدأ تدريجياً في دمشق. لم تتوقف الفوضى بشكل كامل، لكنها تحولت من فوضى عشوائية لا قواعد لها، إلى فوضى منظمة جزئياً، حيث بدأت ملامح سلطة جديدة تتشكل ببطء من بين الأنقاض. فصائل مسلحة تفاوضت على مناطق نفوذ، لجان شعبية بدأت تُشرف على بعض الأحياء، وأصوات قادة جدد ظهرت على وسائل التواصل تحاول أن تُعيد الناس إلى حياة شبه طبيعية. قرّرتُ في تلك الفترة أن أخرج من دوامة الاختباء والخوف وأبدأ بالتفكير بشكل استراتيجي حقيقي لأول مرة منذ تلك الليلة المأساوية. كانت أولى خطواتي الاتصال بفيكتور في موسكو، ليس طلباً للنجدة، بل لتقييم موضوعي للوضع من زاوية مختلفة. «ما الذي تراه من هناك؟» سألتُه. «أرى فراغاً ضخماً يحتاج ملءً،» قال بنبرته المحايدة المعتادة. «الأنظمة الجديدة في مثل هذه الحالات غالباً تحتاج أشخاصاً يعرفون كيف تعمل

  • سيبيريت   الزقاق

    الرجل الذي يبقى حين يستطيع أن يهرب، يدفع ثمناً لا يدفعه من يهرب أبداً. ثمن المواجهة لا يُقاس بالخسارة وحدها، بل بكل لحظة يقف فيها وحده، يعرف أنه كان بإمكانه أن يكون في مكان آخر، وأن يختار البقاء رغم ذلك. قضيتُ ثلاثة أيام مختبئاً في الشقة، أتابع الأخبار المتضاربة، أحاول فهم من يسيطر على ماذا، ومن أصبح في خطر حقيقي ومن نجا. في اليوم الرابع، خرجتُ بحذر شديد لشراء بعض المؤن، متخفياً بملابس بسيطة لا تشبه شيئاً مما اعتدتُ ارتداءه طوال الأشهر الماضية. كنتُ أمشي في زقاق جانبي حين توقفت أمامي فجأة مجموعة من الرجال المسلحين، شباب في العشرينات، يحملون أسلحة خفيفة وعلامات على أذرعهم تشير إلى انتمائهم لإحدى الفصائل التي ظهرت فجأة بعد سقوط النظام. «من أنت؟» سأل أحدهم بحدة، عيناه تتفحصانني بريبة. شعرتُ بقلبي يتسارع، لكنني حافظتُ على هدوء ظاهري تعلّمتُه من سنوات طويلة في عالم أكثر خطورة بكثير. «اسمي يوسف. أعيش في هذا الحي.» «لا أعرفك. وملابسك لا تشبه ملابس أحد من هنا.» كانت لحظة حاسمة، وأدركتُ فوراً أن أي خطأ في التعامل معها قد يكلفني حياتي. لم يكن أمامي وقت لحسابات معقدة كالتي اعتدتها مع كمال

  • سيبيريت   شقة بهوية مستعارة

    الرجل الذي يقرر البقاء وسط الفوضى بدل الهرب منها، لا يفعل ذلك لأنه شجاع أكثر من غيره. يفعل ذلك لأنه أدرك أخيراً أن بعض الأشياء، إن هربتَ منها مرة أخرى، تلاحقك في كل مكان تذهب إليه لاحقاً. ردّت أمي على الهاتف بعد رنّات بدت لي وكأنها دهر كامل. «يوسف! الحمد لله، كنتُ أحاول الاتصال بك منذ ساعة!» شعرتُ براحة غامرة سرت في جسدي بالكامل. «أمي، هل أنتِ بخير؟ هل حلب آمنة؟» «حلب هادئة نسبياً حتى الآن، لكن الأخبار من دمشق مرعبة. يقولون إن النظام سقط بالكامل الليلة.» كانت تلك أول مرة أسمع فيها التأكيد الرسمي، ولو من مصدر غير رسمي تماماً، على حجم ما كان يحدث. سقط النظام. الكلمات نفسها بدت غريبة، ثقيلة، كأنها تنتمي لكتاب تاريخ لا لواقع أعيشه بنفسي في هذه اللحظة بالذات. «اسمعي يا أمي، أريدك أن تبقي في المنزل. لا تخرجي لأي سبب. سأحاول الوصول إليك حالما تسمح الظروف.» «وأنت؟ أين ستذهب؟» ترددتُ للحظة قبل أن أجيب بصدق كامل لأول مرة منذ بداية هذه الأزمة. «لا أعرف بالضبط يا أمي. لكنني سأبقى هنا في دمشق، على الأقل لبعض الوقت. لا أستطيع أن أهرب الآن.» «يوسف، هذا جنون. عد إليّ. عد إلى حلب فوراً.» سمع

  • سيبيريت   رسالة على الطاولة

    الرجل الذي يقول "سأحتاجك حين يحين الوقت"، أحياناً يقصد شيئاً مختلفاً تماماً عما تفهمه أنت من كلماته. وحين يحين الوقت فعلاً، تكتشف أن الحاجة كانت لشيء واحد فقط: أن تبقى أنت في مكانك، بينما يرحل هو. جاءت النهاية في ليلة لم أتوقع أنها ستكون النهاية حين بدأت. كنتُ في الفندق حين رنّ هاتفي في الثالثة فجراً. كان ألكسي، صوته مرتجف بشكل لم أسمعه من قبل. «يوسف، العاصمة... المطارات أُغلقت. الجيش بدأ بالانسحاب من مواقع كاملة في أطراف دمشق. كل شيء ينهار بسرعة لم يتوقعها أحد.» نهضتُ فوراً، أرتدي ملابسي بسرعة بينما عقلي يحاول استيعاب حجم ما يحدث. «أين كمال؟» صمت ألكسي للحظة طويلة، صمت حمل ثقلاً أثقل من أي كلمة. «لا أعرف بالضبط. حاولتُ الاتصال به منذ ساعة، لم يردّ.» شعرتُ ببرودة تسري في جسدي بالكامل. اتصلتُ بكمال بنفسي، مرة، ثم مرة أخرى. لا إجابة. أرسلتُ رسالة نصية عاجلة. لا رد. قُدتُ السيارة بنفسي إلى منزله الخاص عبر شوارع دمشق التي بدت مختلفة تماماً عن أي ليلة سابقة — أصوات بعيدة تشبه الانفجارات، حركة عسكرية غير منظمة، أضواء سيارات تتحرك بسرعة في اتجاهات متضاربة كأن المدينة نفسها فقدت بوصلته

  • سيبيريت   فلسفة المتعة

    في المساء التالي، كنا أنا ونيكولاي في قلب المختبر المهجور، نعكف على إنتاج دفعة ضخمة من "سيبيريت-1". كان الطلب ينفجر ككرة ثلج تتدحرج، ودينيس يمارس ضغوطه المعهودة لتوفير كميات أكبر. كنتُ واقفاً أمام الطاولة المعدنية الباردة، أصبُّ كامل تركييزي على الموازين والقوارير؛ يداي تتحركان بدقة آلية، وعيناي لا

  • سيبيريت   الليلة الأولى

    بعد ثلاثة أيام من ذلك اللقاء العاصف فوق مقعد الجليد، لم أرَ أولغا. لم أتصل بها، ولم أسعَ خلف أثرها. كنتُ أمارس فن الهروب من الأماكن التي قد تجمعنا: المكتبة، المقهى، وحتى الممرات الضيقة في مبنى الأحياء. كنتُ أخشى مواجهة عينيها الخضراوين؛ أخشى أن ألمح فيهما ذلك الانكسار الذي تعجز روحي عن ترميمه. ​لك

  • سيبيريت   أولغا مرة أخرى

    مر أسبوعان منذ أن بعتُ الغرام الأول من "سيبيريت". أسبوعان منذ أن استغلت القوة ثغرات روحي لتستقر فيها. كنتُ قد تغيرت؛ ليس في ملامحي الداخلية فحسب، بل في غلافي الخارجي أيضاً. اشتريتُ معطفاً أسود جديداً من متجر للمقتنيات المستعملة، لكنه كان يفوق معطفي البالي القديم فخامةً. ابتعثُ حذاءً جلدياً أسود يلم

  • سيبيريت   القرار

    ​مر أسبوع كامل وأنا أستوطن ذلك المختبر القبو فور انتهاء المحاضرات. كنتُ أعكف على تحسين الصيغة بمهارة صائغ؛ أطلتُ أمد المفعول إلى 25 دقيقة، وقلصتُ الشوائب حتى بلغت 2% فقط. أصبح المركب مستقراً، براقاً.. وخطيراً. ​كان نيكولاي يراقب النتائج بعينين يلتمع فيهما الجشع: "لقد أزفت ساعة البيع." "ولمن سنبيع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status