로그인في المساء، نزلتُ الدرج بخطوات مترددة.
كانت الأصوات الصاخبة تنبعث من الطابق الأرضي: موسيقى تضجُّ بالقلق، ضحكات متعالية، وصوت زجاج يتكسر بين الحين والآخر. وقفتُ أمام الباب الخشبي الثقيل، ترددتُ لبرهة، ثم دفعته ليدقَّ جرس دخولي عالمًا لم أعهده. اجتاحتني رائحة نفاذة لمزيج من التبغ الرديء والكحول والعرق. نحو عشرين شاباً وشابة، معظمهم من الروس وقليل من آسيا الوسطى، يتكدسون في المكان. وفي الزاوية، كان هناك مسجل شرائط قديم ينفث أغاني حزينة بصوت رجل يبدو وكأنه يبكي؛ فالموسيقى هنا لا تُصنع لتبهج، بل لتعول. كان نيكولاي يتوسط الحشد، يطوق بذراعه امرأة شقراء ترتدي فستاناً أحمر قصيراً يتحدى برودة المكان. لمحني، فاتسعت ابتسامته وصفق بيديه بحماس: "صديقي العربي قد وصل!" التفتت الرؤوس نحوي، ورمقتني الشقراء بنظرات فضولية فاحصة. شعرتُ بحرارة تجتاح وجهي؛ فلم أعتد قط أن أكون مركز الاهتمام، ففي حلب، كنتُ أتقن فن الاختفاء في الزوايا. جذبني نيكولاي من كتفي نحو طاولة ازدحمت بالزجاجات، وملأ كأساً صغيراً بالفودكا ثم دفعه نحوي: "اشرب.. جرعة واحدة، ولا تتوقف." تأملتُ السائل؛ كان شفافاً كالماء، لكن رائحته كانت تخترق الحواس كالأسيتون. رفعتُ الكأس وتجرعته دفعة واحدة. للحظة، شعرتُ بنارٍ تندلع في حلقي وتستقر في صدري. سعلتُ بشدة حتى كدتُ أختنق، فانفجر الجميع بالضحك. حتى نيكولاي ضحك، لكنه ربت على ظهري بقوة مشجعة. "المرة الأولى؟" سألتني فتاة بصوت هادئ. رفعتُ نظري؛ كانت سمراء، بشعر أسود طويل وعينين خضراوين تشعان ذكاءً. كانت ترتدي كنزة صوفية زرقاء، وبدا فيها وقار غريب وسط هذا الصخب.. شيء ما فيها يذكر بالوطن. "نعم، المرة الأولى،" أجبتُ بصوتٍ مبحوح. مدت يدها قائلة: "أنا أولغا." "يوسف." "أعرف.. أخبرنا نيكولاي عنك، قال إنك عبقري في الكيمياء." ضحكتُ بخجل: "مبالغة منه لا أكثر." "نيكولاي لا يوزع المديح بالمجان، إذا قال ذلك، فهو يراه." جلست أولغا بجانبي، وتحدثت عن الجامعة والأساتذة، وعن الشتاء الماضي الذي حصد أرواح ثلاثة مشردين في الحرم الجامعي. كان صوتها دافئاً كالشاي بالعسل، ووجدتُ نفسي أنصت إليها دون تكلف، ولأول مرة، دون أن أتظاهر بشيء. رأيت نيكولاي من بعيد يرقص مع تلك الشقراء، يحيطها بذراعيه في مشهد بدا طبيعياً للجميع، لكنه كان غريباً على عينيّ اللتين اعتادتا تحفظ الشرق. كأنني كنتُ أعيش في قفص، والآن فُتح الباب على مصراعيه. "إنه هكذا دائماً،" قالت أولغا وكأنها تقرأ أفكاري، "نيكولاي يعشق الحياة، والنساء يعشقن هذا النوع من الرجال." "هل أنتِ.. مرتبطة به؟" ضحكت بمرارة وقالت: "لا.. لستُ من الفتيات اللواتي يسقطن في فخاخ نيكولاي. أكتفي بمراقبته من بعيد." "لماذا؟" "لأنه مثير للاهتمام، لكنه خطر.. والقلوب هنا ليست لعبة." نظرت إليّ مباشرة وسألت: "وماذا عنك؟ هل قلبك لعبة؟" عجزتُ عن الرد، فنظرتُ إلى كأسي الفارغ وهمست: "قلبي لا يزال في حلب." صمتت أولغا للحظة، ثم وضعت يدها على يدي. كانت يدها باردة، لكنها منحتني شعوراً غريباً بالمواساة. "سيبيريا تلتهم كل شيء يا يوسف.. حتى الذكريات. مع الأيام، ستجد أن حلب لم تعد سوى حلم بعيد." فجأة، انقطعت الموسيقى وصرخ أحدهم: "لعبة الزجاجة!" تحمس نيكولاي وجلس الجميع في دائرة على الأرض، ووضعوا زجاجة فودكا فارغة في المنتصف. شرح نيكولاي القواعد: "تدور الزجاجة، ومن تشير إليه، عليه أن يقبل جاره، أو يتجرع كأساً، أو يبوح بسر." دارت الزجاجة في دورتها الأولى وأشارت إلى نيكولاي. التفت إلى الشقراء بجانبه وقال بجرأة: "قبلة." انحنى وقبلها ببطء وسط تصفير الشباب وصراخ الفتيات. أشحتُ بنظري بعيداً، فشعرتُ بالحرج يتآكلني، لكن أولغا همست: "لا تقلق، لا أحد هنا يُجبر على شيء." دارت الزجاجة مجدداً.. وتوقفت عندي. صاح نيكولاي: "العربي! اختر: قبلة، شرب، أم سر؟" ترددتُ. كانت الفودكا قد بدأت تداعب رأسي وتمنحني جرأة زائفة. قلتُ بثبات مفاجئ: "سر." ساد صمت ترقب، فابتسم نيكولاي بابتسامته الماكرة: "حسناً.. ما هو السر الذي تخفيه عن الجميع؟" فكرتُ قليلاً، ثم قلت بصوت مسموع: "لستُ نادماً على فراري من الحرب.. أنا سعيد لأنني تركتُ الجميع هناك." صُعقتُ من قسوة كلماتي. لم أتوقع أن تخرج هكذا. اتسعت عينا أولغا، وحدق بي نيكولاي بفضول عميق. ثم فجأة، انفجر نيكولاي ضاحكاً: "هذا ليس سراً يا صديقي، هذه هي الحقيقة العارية! والسر الحقيقي هو أننا جميعاً هنا سعداء لأننا هربنا من أوطاننا." انتقل الاهتمام إلى شخص آخر، لكن أولغا ظلت صامتة. بعد فترة، قالت بهمس: "أنت لست كما ظننت." "وكيف ظننتِني؟" "اعتقدتُ أنك خائف.. لكنك تملك جرأة انتحارية." انتهت الحفلة، وبينما يغادر الجميع، استوقفني نيكولاي عند الباب وقال بصوت خفيض: "أعجبتني صراحتك.. أنت لست نادماً، وهذا يجعلك فريداً." "هل هذه ميزة؟" "بل هذا هو المفتاح لكل شيء." ثم مضى في حال سبيله. صعدتُ إلى غرفتي وحيداً. استلقيتُ على السرير، وكانت يداي لا تزالان ترتجفان من أثر الكحول. أغمضتُ عيني فلاح وجه أولغا في مخيلتي. وضعتُ يدي على صدري؛ كان قلبي ينبض بعنف. لم أكن أدرك إن كانت تلك هي البداية أم النهاية، لكنني تمنيتُ لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة.. قبل أن أتخذ القرارات التي ستسحق إنسانيتي لاحقاً.استيقظتُ في صباح اليوم التالي وأنا أشعر بثقلٍ جاثم في جفوني، كأن النوم لم يكن سوى جولة أخرى من التعب. لم أنم جيداً على الإطلاق؛ كانت أفكاري تدور في حلقة مفرغة ومضطربة حول "رسلان"، ذلك المنافس التتاري الشرس الذي عقدتُ العزم على أن أبيع له "سيبيريت-2". كان حجم الخطر الذي أُلقي بنفسي فيه هائلاً؛ فإذا اكتشف فيكتور بطرقه الملتوية أنني أبيع منتجه وابتكاري لمنافسيه المباشرين، فسأكون جثة هامدة قبل أن أتمكن من نطق كلمة "سيبيريا". لكن تلك المخاطرة، برغم مرارتها، كانت ضرورية وحتمية؛ فالمال وحده لم يعد كافياً لشرائي حريتي، كنتُ بحاجة ماسة إلى حلفاء أقوياء من خارج دائرة نفوذ فيكتور الضيقة.. وكان رسلان هو الباب الوحيد المفتوح أمامنا. نيكولاي كان قد استبقني في الاستيقاظ كعادته. كان يجلس على الأرض، يرتشف قهوته السوداء المرة وينفث دخان سيجارته الصباحية، ونظر إليّ بعينين حمراوين أرهقهما السهر الطويل. سألني باقتضاب: "هل أجريتَ الاتصال برسلان؟" "ليس بعد.. سأتصل به في هذه اللحظة." أخرجتُ هاتفي، وكان الرقم الذي زودتني به مارينا محفوظاً باسم مستعار "مورد" للتمويه. ضغطتُ على زر الاتصال وقلبي يقرع ف
استيقظتُ في صباح اليوم التالي لقرارنا الانتحاري بالهروب، وأنا أشعر بشيءٍ غريب لم يطرق باب صدري منذ أشهر طويلة: الأمل. لكنه لم يكن ذلك الأمل الوديع للطالب الخائف الذي يترقب منحة دراسية لتنقذه، ولا أمل اللاجئ البائس الذي يبحث عن رقعة أمانٍ صغيرة. كان أملاً من نوعٍ مغاير تماماً؛ أمل المنتقم الذي حدد هدفه، أمل السجين الذي يخطط للخروج من الجحيم بعد أن أحرق بيده كل الجسور التي تربطه بالماضي. كان نيكولاي في مكانه المعتاد، جالساً على الأرض الصلبة، يرتشف قهوته السوداء المرة وينفث دخان سيجارته الصباحية. نظر إليّ بعينين ذابلتين ومنتفختين؛ كان من الواضح أنه لم يذق طعم النوم جيداً، حاله كحالي تماماً. سألني بصوتٍ أجش: "يوسف.. هل أنت متأكد تماماً مما نحن مقبلون عليه؟" "متأكد من ماذا بالضبط؟" "من كل شيء.. من فكرة الهروب، من قتل فلاديمير، من مواجهة المجهول." حدقتُ في عينيه طويلاً قبل أن أجيب: "هل بدأتَ تتراجع يا نيكولاي؟" "لا، لم أتراجع،" أخذ نفساً عميقاً وتابع: "لكنني أحتاج لسماعك تقولها مرة أخرى بوعيٍ تام، لأتأكد أن هذا القرار نابعٌ من عقلك، وليس تحت تأثير فودكا الليلة الماضية أو سكرات سيبير
استيقظتُ في الصباح التالي لحفلة الدماء المشؤومة، وأنا أشعر بثقلٍ غريب وجاثم يطبق على صدري. لم يكن وجعاً جسدياً يمكن مداواته، بل كان شعوراً مريراً بأنني فقدتُ شيئاً جوهرياً مني، شيئاً ضاع في زحام الدماء والرخام، دون أن أدرك كنهه تماماً. جلستُ على حافة سريري الضيق داخل المختبر؛ فقد أصبحتُ أقضي معظم لياليّ سجيناً هنا بين هذه الجدران الباردة. نظرتُ حولي أتأمل ملامح حياتي الجديدة: القوارير الزجاجية، الأنابيب الملتوية، البلورات البيضاء التي تلمع بغواية، المسدسان اللذان ينامان تحت وسادتي كحارسين للموت، وكاميرات المراقبة التي ترصد صمتي وتحصي أنفاسي. هذا هو عالمي الآن؛ لا غرف دافئة تضم أيقونات مسيحية تمنح الطمأنينة، ولا رائحة شمع الفانيليا، ولا أولغا، ولا ذكريات حلب البعيدة. فقط هذا القبو المتجمد، ورائحة الأسيتون النفاذة، وظلال الموت التي تحوم في الأركان. نهضتُ بتثاقل، ومشيتُ نحو الحمام الصغير القابع في زاوية المختبر. وقفتُ أمام المرآة المكسورة المعلقة على الحائط ونظرتُ إلى الانعكاس الذي أمامي. رأيتُ شخصاً غريباً تماماً لا تربطني به صلة؛ عيناي كانتا غائرتين في محجريهما، داكنتين، وتحيط بهما ه
بعد مرور ثلاثة أيام على الزيارة المباغتة التي قامت بها أولغا للمختبر، تلك الزيارة التي قلبت كياني وتركتني في صراع مع أشباح الماضي، تلقيتُ دعوة شخصية من "فيكتور". لم تكن مجرد دعوة عادية لمناسبة اجتماعية؛ بل كانت أمراً صريحاً مغلّفاً بطبقة رقيقة وزائفة من المجاملة. اتصل بي فيكتور بنفسه، وهو أمر نادر الحدوث، مما جعل قلبي ينقبض توجساً. "يوسف، غداً مساءً، سأقيم حفلة كبرى في قصري الخاص. أريدك أن تحضر أنت ونيكولاي.. لا مجال للاعتذار." سألتُه بحذر، محاولاً جس نبضه: "وما المناسبة لهذه الحفلة؟" أجاب بصوته الذي يشبه صرير الجليد: "لا توجد مناسبة محددة. فقط أرغب في أن يرى شركائي المكان الذي أعيش فيه، وأيضاً... هناك بعض الأمور الهامة التي أريدك أن تعاينها وتراها بنفسك." كان صوته بارداً كالعادة، هادئاً لدرجة تثير الرعب. لكنني شعرتُ بشيء ما يختبئ تحت ذلك البرود؛ شعرت بتهديد خفي، برسالة مشفرة لم أستطع فك رموزها، لكنها كانت كافية لتجعل القشعريرة تسري في كامل جسدي. أخبرتُ نيكولاي بالأمر فوراً. ساد صمت طويل بيننا، كان ينظر إلى الفراغ ويفكر بعمق، ثم قال بنبرة حذرة: "سأذهب معك. لكن استمع إليّ جيداً
بعد حادثة الاختطاف المريرة التي تعرض لها نيكولاي، صار الحذر هو القانون الوحيد الذي يحكم تحركاته. لم يعد يجرؤ على مغادرة أي مكان وحده؛ فكان يجر خلفه رجلين ضخمين من حرس "فكتور" المدججين بالسلاح في كل رحلة توصيل يقوم بها. بل إنه هجر غرفته في سكن الطلاب تماماً، وأصبح ينام فوق أرضية المختبر الصلبة، مسكوناً بخوفٍ دائم من العودة إلى الأماكن المفتوحة. كان يشرب أقل من المعتاد، ويدخن بصمتٍ مطبق، ويتحدث بكلماتٍ مقتضبة كأن الكلام أصبح عبئاً عليه. لقد غيره الخوف جذرياً؛ غير ملامح روحه وجعله نسخةً باهتةً مني، يشبهني في ذلك البرود الذي استوطنني. أما أنا، فلم يكن الخوف هو ما يحركني في تلك الأيام، بل كان الغضب.. غضبٌ عارم يشتعل في صدري ضد فلاديمير، وضد فيكتور، وضد نفسي أولاً وأخيراً. كنتُ أرغب بشدة في الانتقام، كنتُ أتوق لاستعادة ذلك الشعور الزائف بالقوة؛ أردتُ أن أكون الشخص الذي يثير الرعب في قلوب الآخرين، لا الشخص الذي يرتعد في الزوايا. في أحد الأيام، كنتُ جالساً في المختبر وحدي تماماً. كان نيكولاي قد خرج لتوصيل شحنة جديدة تحت حراسة مشددة، وديمتري كان قد أخذ إجازته المعتادة. لم يكن يشاركني المكا
كانت الأيام التي تلت تهديد فلاديمير الصريح كأنها كابوس ممتد لا ينتهي. أصبحتُ أنام وعيناي مفتوحتان كطريدة يطاردها الموت، وأستيقظ كل صباح وأنا أتحسس عنقي، متوهماً أن رأسي سيفصل عن جسدي ويُلقى على وسادة أخرى. لم يكن فلاديمير يطلق تهديدات جوفاء؛ بل سرعان ما تجسدت وعوده في رجال يرتدون بدلات سوداء قاتمة، يتجولون كظلال مشؤومة حول المختبر، وحول سكن الطلاب، وفي كل زاوية أطأها. كانوا يراقبونني ببرودٍ مرعب، ينتظرون سقطة واحدة أو لحظة غفلة لينقضوا. قال لي نيكولاي بنبرة غلب عليها القلق الحقيقي: "أنت بحاجة ماسة إلى حراسة مشددة يا يوسف، لا تخرج من الآن وصاعداً وحدك أبداً." سألتُه بسخرية مريرة: "ومن تراه سيحميني؟ أنت؟" أجاب بجدية: "لدي أصدقاء قدامى، رجال سابقون في الجيش السوفيتي، مقاتلون يبيعون ولاءهم لمن يدفع.. يمكنهم مرافقتك كظلك." "وبكم يثمنون هذا الولاء؟" "ألف دولار في اليوم الواحد." ضحكتُ ضحكة جافة ومرة: "أدفع ألف دولار يومياً لمجرد أن أضمن استمرار أنفاسي؟" هز رأسه ببرود وقال: "هذا هو سعر البقاء على قيد الحياة في سيبيريا." رفضتُ عرضه بكبرياء أحمق؛ كنتُ أظن واهماً أنني أستطيع حماية نفسي،